يونس العموري يكتب لوطن: ماشي الحال ..

21/10/2026

( ماشي الحال ) ... ربما لا توجد عبارة أكثر قدرة على اختصار المفارقة الفلسطينية من هاتين الكلمتين، فهما لا تخبرانك بشيء، لكنهما تقولان كل شيء، ولا تصفان الواقع بقدر ما تكشفان عن الطريقة التي تعلمنا بها التعايش معه. إنهما أشبه بتسوية غير معلنة بيننا وبين واقع لا يشبه ما نريد، ولا نملك، أو لا نعرف، كيف نغيّره. نقولها ونمضي، كأننا نمنح الأيام إذنا جديدا بالعبور، ونمنح أنفسنا مهلة أخرى قبل أن نواجه الأسئلة التي لا تنتهي، والأسئلة التي كلما أجلناها ازدادت إلحاحا.

(ماشي الحال) إجابة قد تكون عابرة ومختصرة، وبين سؤال عابر وجواب لا يريد أن يطيل الوقوف عند الحقيقة. لكنها، في أرض التين والصبر، اكتسبت مع الوقت معنى يتجاوز الكلمات، حتى غدت أشبه بتوصيف غير معلن لحالة كاملة، أو اعتراف مقتضب يصعب قوله على نحو آخر. كأننا، من فرط ما تعقدت أحوالنا، لم نعد نملك لغة تصفها، فاخترعنا عبارة تصلح لكل شيء، ولا تفسر شيئا، وتسمح لنا بأن نمضي من دون أن نضطر إلى الإجابة عن السؤال الأصعب: أي حال هذا الذي نمضي فيه منذ كل هذه السنوات ..؟؟

في أرض الحكايات والأنبياء، ثمة شيء غير طبيعي في قدرتنا على مواصلة الحياة وسط كل هذا الاضطراب، والأكثر غرابة أننا لم نعد نتعامل مع هذه المفارقة باعتبارها أمرا يستدعي الدهشة. لقد أصبح ممكنا أن تتراكم الأزمات من حولنا، وأن تضيق الخيارات، وأن تتبدل الوقائع على الأرض، وأن يتراجع الأفق الوطني، ثم نواصل يومنا كأن شيئا لم يحدث، أو كأن ما حدث لا يستدعي أكثر من تنهيدة عابرة يعقبها إغلاق الموضوع. لا لأننا لا نشعر بثقل ما يجري، بل لأننا ربما استنفدنا قدرتنا على الدهشة، وصار علينا أن نتعلم كيف نعيش مع ما لا يمكن التسليم بأنه حياة طبيعية.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل .. ليس كل ما يستمر سليما، وليس كل ما يتحرك يتقدم، وليس كل ما يبقى قائما يستحق أن نعتبر بقاءه دليلا على سلامة ما يقوم عليه. قد يظل الشيء في مكانه سنوات طويلة، وقد يواصل أداء وظائفه الظاهرة، فيما يكون قد فقد، في داخله، الأسباب التي تمنحه المعنى والجدوى. وربما كان هذا هو الاختبار الأصعب الذي نواجهه .. أن نميز بين استمرار الحياة واستقامة الحال، وبين قدرتنا على التكيف مع الواقع وقدرة هذا الواقع على منحنا ما يستحق أن نعيش من أجله.

فقد صرنا، على نحو يثير السخرية والقلق معا، نمتلك قدرة لافتة على استيعاب التناقضات من دون أن نطالب بحلها. نعيش تحت احتلال يغيرالأرض ويعيد رسم الوقائع ويفرض شروطه بالقوة، بينما تتكاثر في خطابنا مفردات الدولة والمؤسسات والإصلاح والاستحقاقات، كأننا نعيش في فضاء سياسي مكتمل السيادة، لا في واقع تحاصره القوة الاستعمارية وتعيد تحديد حدوده كل يوم. نتحدث عن المستقبل بينما تتآكل شروطه، وعن المشروع الوطني بينما تتنازع مكوناته على ما تبقى من سلطته ومواقعه، وعن الوحدة بينما تتسع المسافات بين القوى التي يفترض أنها تحمل القضية ذاتها. ثم نغلق المشهد بعبارة صغيرة، واثقة ومطمئنة: ماشي الحال.

كأن العبارة تؤدي وظيفة سياسية أيضا؛ فهي تمنح الواقع فرصة جديدة للاستمرار من دون مساءلة حقيقية، وتسمح للتناقض بأن يعيش بيننا من دون أن يضطر أحد إلى حسمه. وحين تتعثر الإجابات،

تتقدم التبريرات. وحين تضيق الخيارات، تتسع اللغة. وحين يصبح السؤال عن النتائج ملحا، يجري الحديث عن حساسية المرحلة وتعقيدات المشهد والظروف الاستثنائية. أما ما لا يجد مكانا في هذه اللغة، فهو السؤال البسيط الذي يطرحه الواقع بإلحاح: إلى متى يمكن أن نظل ندير أزماتنا من دون أن نقترب من جذورها؟

أما المواطن، فيراقب هذا العرض الطويل، ثم يعود إلى عبارته المفضلة: ماشي الحال... وهكذا تتكامل المنظومة. السياسة تنتج التبريرات، والخطابات تنتج الأمل، والوقائع تنتج القلق، والمواطن ينتج الصبر، ثم يأتي الجميع في نهاية اليوم ليعلنوا أن الأمور، رغم كل شيء، تسير على ما يرام. ليس بالضرورة لأن شيئا يسير بالفعل، بل لأن الاعتراف بالتوقف قد يفتح الباب أمام سؤال أكثر خطورة .. من المسؤول عن هذا المكان الذي نقف فيه منذ كل هذا الوقت؟

لعل أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعا ليس أن تتراكم أزماته، بل أن يفقد تدريجيا إحساسه بأن ما يعيشه أزمة. فالأزمة، حين تطول، تبدأ في تغيير تعريف الأشياء. يصبح الاستثناء مألوفا، والطارئ يوميا، والمؤقت دائما، وغير المقبول قابلا للنقاش، ثم قابلا للتبرير، إلى أن يأتي يوم لا يعود فيه الناس بحاجة إلى من يقنعهم بأن هذا هو الواقع ، إذ يكون الواقع قد نجح في إقناعهم بأن ما عداه ضرب من الخيال.

وهذه، في ظني، هي المعضلة التي تختبئ خلف ( ماشي الحال ). ليست الحكاية أن ابن الأرض السمراء اعتاد المعاناة فحسب، بل أن الاعتياد نفسه صار جزءا من بنية المعاناة. أن يتعلم الإنسان كيف يتكيف مع ما لا ينبغي التكيف معه، وكيف يعيد ترتيب حياته حول القيود بدلا من أن يظل السؤال قائما حول مشروعية القيود ذاتها. أن تصبح مهارته في تجاوز الكارثة بديلا عن مساءلة من صنعها، وأن يتحول بقاؤه واقفا إلى حجة إضافية لإقناعه بأن الأمور ليست سيئة إلى ذلك الحد.

ولأننا نعيش في زمن المفارقات، فقد بات الصمود نفسه معرضا لسوء الاستخدام. فالصمود، في معناه النبيل، فعل إرادة ووعي وتمسك بالأرض والحق والحياة. لكنه حين يتحول إلى خطاب جاهز يطلب من الناس المزيد من الاحتمال، من دون أن يسأل عن حدود الاحتمال أو عن جدوى السياسات التي تنتج الحاجة إليه، يصبح أقرب إلى مطالبة الضحية بأن تثبت كل يوم قدرتها على تحمل الأذى. كأن المطلوب من أبناء أرض الحكايات والأنبياء ليس أن ينتصروا للحياة، بل أن يثبتوا أنهم يستطيعون الاستمرار في ظروف تجعل الحياة نفسها امتحانا مفتوحا.

والسخرية أن العالم يحب الفلسطيني صامدا. يحب صورته التي لا تنكسر، وعباراته التي لا تستسلم، وابتسامته التي تتحدى الخراب. يحب أن يراه قادرا على استخراج الحياة من بين الركام، وأن يسمع منه ما يؤكد أن الأمل ما زال ممكنا. لكن العالم، في كثير من الأحيان، لا يتوقف طويلا عند السؤال الأكثر إزعاجا .. لماذا ينبغي لهذا الإنسان أن يظل استثنائيا إلى هذا الحد كي يحصل على الحد الأدنى من الحياة العادية؟

والمشكلة لا تقف عند العالم. فنحن أيضا ساهمنا، بدرجات متفاوتة، في صناعة هذه اللغة التي تتيح لنا العبور من خيبة إلى أخرى من دون أن نضطر إلى مواجهة معناها كاملا. أصبحنا نعرف كيف نغلق النقاش عند اللحظة التي يبدأ فيها بالاقتراب من جوهر المشكلة. نكتفي بتبادل النظرات، ونستحضر الظروف، ونستدعي الحكمة الشعبية، ثم نغادر. كل شيء مفهوم، وكل شيء معقد، وكل شيء يحتاج إلى وقت، ولا أحد يعرف كم من الوقت ينبغي أن يحتاجه الشيء حتى يصبح التأجيل ذاته هو المشكلة.

في هذا المشهد، لا تعود (ماشي الحال ) وصفا للأحوال، بل تصبح فلسفة كاملة في إدارة العجز. فلسفة لا تعلن استسلامها صراحة، ولا تتمرد بما يكفي لتغيير مسارها. تترك الباب مواربا للأمل، لكنها لا تغامر بفتح النافذة. تعترف بأن الأمور ليست بخير، ثم تتصرف كما لو أن الاعتراف وحده قد أدى الغرض. إنها المنطقة الرمادية التي يمكن فيها للمرء أن يكون غاضبا ومطمئنا في الوقت نفسه، أن يعرف أن ثمة خللا عميقا، لكنه يواصل يومه كأن الخلل شأن مؤجل، وأن يرفض الواقع في داخله بينما يساعد، من حيث لا يدري، على استمراره في الخارج.

ولعل هذا ما يجعل العبارة أكثر قسوة مما تبدو. فليس في (ماشي الحال ) ما يكفي لإعلان الهزيمة، ولا ما يكفي لإعلان الانتصار. إنها تعليق دائم للحكم، ومراوحة بين احتمالين، ومصالحة لغوية مؤقتة مع واقع لا نملك حسم علاقتنا به. وإذا كان العجز عن تغيير الواقع مؤلما، فإن الأخطر منه أن نفقد القدرة على تسميته باسمه، وأن تتحول اللغة التي اخترعناها لتخفيف وطأته إلى حجاب يحول بيننا وبين رؤيته.

فهل الحال ماشي حقا، أم أننا نستخدم الحركة المجازية كي لا نعترف بالسكون؟ وهل نحن الذين تجاوزنا الأزمات، أم أننا فقط طورنا مناعة لغوية ضد آثارها؟ وكم مرة ينبغي للواقع أن يعيد إنتاج نفسه حتى نكتشف أن المشكلة لم تعد في تعقيد المرحلة، بل في الطريقة التي ندير بها علاقتنا مع هذا التعقيد؟

لا أظن أن ابن هذه الأرض يحتاج إلى مزيد من المواعظ عن الصبر، ولا إلى من يشرح له أن الحياة صعبة، فهو يعرف ذلك من دون وسيط. ما يحتاج إليه هو أن يستعيد حقه في الاعتراض على ما أصبح مألوفا، وفي السؤال عما جرى حتى صارت الحياة الطبيعية مطلبا استثنائيا، وفي التمييز بين الصمود بوصفه اختيارا وطنيا وأخلاقيا، وبين الاحتمال الذي يُفرض عليه كلما عجزت السياسة عن فتح أفق جديد.

فليس المطلوب أن يتوقف الحال عن المشي وحسب، بل أن نعرف إلى أين يمضي، ومن يحدد وجهته، ولماذا يُطلب منا دائما أن نثق بالمسار، بينما لا نرى من نتائجه ما يكفي لتبرير كل هذا الانتظار. وليس من حق أحد أن يجعل من قدرة الناس على الاحتمال شهادة براءة لواقع يستنزفهم، أو أن يتخذ من استمرار الحياة دليلا على سلامة الطريق.

في النهاية، ربما كانت ( ماشي الحال ) أصدق عبارة نرددها، لا لأنها تعني أن كل شيء بخير، بل لأنها تكشف أننا لم نعد نعرف كيف نقول إن الأمور ليست بخير من دون أن نضطر إلى شرح تاريخ طويل من الخيبات والتأجيلات والوعود التي لم تجد طريقها إلى الواقع.

ماشي الحال... نقولها ونمضي، كأننا نخشى أن نتوقف قليلا، لأن التوقف قد يجبرنا على النظر خلفنا، والنظر خلفنا قد يكشف لنا كم طال الطريق الذي قطعناه من دون أن نغادر المكان نفسه. لكن ثمة سؤالا لا تستطيع العبارة أن تؤجله إلى الأبد .. إذا كان الحال ماشي منذ كل هذا الوقت، فلماذا لا نصل؟