نحو تكاتف الجهود الوطنية للتخفيف وللتكيف مع أثار التغيرات المناخية في بلادنا

20/10/2026

كتب: د.عقل أبو قرع

اطلقت سلطة جودة البيئة قبل عدة ايام، " التقرير الثالث للمساهمات المحددة وطنيا"، فيما يتعلق باتفاقية الامم المتحدة الاطارية "اتفاق باريس" بشأن التغير المناخي، ومع رؤية وطنية طموحة وكبيرة لتطبيق فيما يتعلق ب دولة فلسطين للمساهمة في التخفيف والتكيف مع التداعيات المناخية التي بدأت تعصف ببلادنا، اسوة بما يحدث في العالم، فأن تطبيق ما تم التعهد به يحتاج الى تكاتف كافة الجهات الفاعلة في بلادنا والعمل تحت مظلة وطنية ومن خلال رؤية تكاملية لاحداث التغيير المطلوب، وهذه الجهات تشمل المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني والجهات البحثية ومؤسسات القطاع الخاص.

ومع خظة طموحة تحتاج الى تمويل بمليارات الدولارات، وتهدف الى خفض الانبعاثات على المستوى الوطني بحلول عام 2035 بمقدار يبلغ 9% ، اي حوالي مليون طن من مكافئ ثاني اكسيد الكربون وتحتاج الى تمويل من صناديق المناخ بحوالي 3 مليار و098 مليون دولار امريكي ، ومع اهداف اكثر طموحا تتعلق بالتكيف من خلال الاستخدام الامثل والارشد للمصادر، في قطاعات حيوية مثل الطاقة والمياه والنقل والزراعة الذكية والامن الغذائي والصناعة وادارة النفايات، وبتمويل يناهز 3 مليار و800 مليون دولار، فأنه وبدون شك ان نجاح تطبيق مثل هكذا خطة يحتاج الى تكاتف الجهود والخبرات والى نظام متابعة وتقييم يضمن تحقيق النتائج بالشكل الاكثر فعالية وفي الوقت المحدد.

ومع ازدياد القلق من خطورة تداعيات التغير المناخي على الصعيد العالمي، باتت هذه التداعيات تؤثر على الحياة اليومية لمئات الملايين من البشر، وعلى نوعية وتوفر سلع وخدمات أساسية للرجال وللنساء، منها المياه والإنتاج الغذائي والجفاف والتصحر وتضاؤل الحيز المكاني بسبب الفيضانات وخسارة الارض الزراعية، وتراكم النفايات والاحتمالات الكبيرة لانتشار أوبئة وامراض جديدة قد تفتك بالمحاصيل وب الملايين من الناس.

وتعصف هذه التغيرات المناخية العنيفة بالكرة الارضية والتي بدأنا في التعايش معها بشكل شيه يومي، وما زالت غازات التلوث البيئي من ثاني اكسيد الكربون ومن ميثان وغيرهما تنفذ الى طبقات الجو من خلال نشاطات دول التزمت بخفض نسبة الانبعاث ولم تفي بالتزامها، وما زالت الصين والولايات المتحدة الامريكية تبث حوالي 45% من غازات التلوث العالمية، وما زالت الدول الغنية العشرين تبث حوالي 74% من الغازات في العالم، وقارة مثل أفريقيا تساهم فقط بأقل من 3% من بث غازات التلوث أو الدفيئة في العالم، وفي نفس الوقت فأن أفريقيا و المناطق الفقيرة الاخرى وربما نحن منها تتحمل التداعيات الاوخم لتغيرات المناخ في العالم، والتي تتسبب فيها الدول الغنية أو المتقدمة.

وما زالت الصورة القاتمة التي وصلت اليها الارض وما تحويه من نظام بيئي تتجسد، بسبب تعمق وتفاقم وتواصل النشاطات البشرية التي ما زالت تساهم في التلوث بأنواعه، وبالأخص تلوث الهواء، ومن ثم الاحتباس الحراري وتشكل ما بات يعرف ب غازات الدفيئة، وانعكاسات ذلك من خلال ارتفاع درجة حرارة الارض الكبير والمستدام خلال السنوات الماضية، وتضاؤل كمية الامطار، وتشكل الامطار الحامضية، والتصحر أي عدم القدرة على زراعة التربة أو المحاصيل أو الجفاف وتهديد التنوع الحيوي، وتفشي الآفات المختلفة ومنها الجديدة وبالتالي انتشار الامراض المعدية، وتداعي الامن الغذائي، وتلوث المياه، وذوبان الجليد والفيضانات وما يمكن أن يجر ذلك من كوارث لم يعتدها نظامنا البيئي من قبل.

وما زالت "العدالة المناخيه أو البيئيه"، والتي هي غائبه منذ زمن تتداعى، وهذا يعني بالتحديد الصوره القاتمه والظالمه التي باتت تحياها دول فقيره أو ضعيفه ولا تملك المصادر أو الامكانيات للتعامل معد تداعيات بيئيه ومناخيه وربما صحيه، بسبب النشاطات التي تقوم بها دول أخرى، حيث بتنا هذه الايام نلمس هذه التداعيات على أشكال مثل قلة وتذبذب الامطار وارتفاع حرارة الارض، والتصحر اي فقدان قدرة التربه على الزراعه والتلوث وانتشار بعض الامراض بسبب ظهور افات جديده وما الى ذلك، وما ينتج عن ذلك من التداعيات الانسانيه والسياسيه والاجتماعيه، والتي تأتي افرازا أو نتاجا لغياب العداله المناخيه.

ومع كل الدعم والمؤازرة للخطة الوطنية الطموحة التي اطلقتها سلطة جودة البيئة، ومع دق ناقوس الخطر الحقيقي لكوكب الأرض، ومع تواصل غياب العدالة المناخية في هذا العالم، فأن مفهوم العدالة المناخية ينطبق كذلك علينا في فلسطين، ورغم اننا لسنا بالبلد الصناعي او الزراعي ذو التأثير الملموس على البيئة والمناخ في العالم، الا اننا نلمس هذه التداعيات ولو بشكل تدريجي.

وبسبب البقعة الجغرافية الضيقة عندنا، والمصادر الطبيعية المحدودة، والتنافس الشرس على هذه المصادر من قبل الاحتلال والاستيطان، فقد يكون هذا التأثير علينا كبيرا وملموسا وبدأنا نلمس اثاره في مجالات المياه والانتاج الغذائي والجفاف والتصحر وانتشار الآفات وضياع جزء كبير من المحاصيل وبالتالي الاضطرار الى استخدام المواد الكيميائية بشكل اكثر، وفي ظل هذه الاوضاع، فأننا ندعو الى تشكيل اطار وطني فاعل يضم كافة العاملين في هذا المجال يعمل على تحديد الاولويات وتجنيد الدعم وحشد الطاقات والخبرات في اطار العمل للتحفيف وللتكيف مع تداعيات التغيرات المناخية.