نفاق اليمين الأوروبي.. حين تتقدم إسرائيل على الكرامة والسيادة

20/10/2026

كتب إسماعيل جمعة الريماوي: لم تعد الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية تستهدف الفلسطينيين وحدهم، ولم تعد تقف عند حدود المزارع والبيوت والأراضي المصادرة، بل امتدت لتطال دبلوماسيين أوروبيين وممثلين لدول طالما اعتقدت أن مكانتها الدولية وعلاقاتها بإسرائيل توفران لها الحد الأدنى من الحماية والاحترام.

ما جرى في بلدة الطيبة شرق رام الله في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٦، حين تعرّض وفد أوروبي يضم دبلوماسيين من فرنسا وبلجيكا وبولندا لاعتداء من مستوطنين، ليس حادثاً عابراً يمكن احتواؤه ببيان إدانة أو وعد بفتح تحقيق، بل مشهد يكشف إلى أي مدى وصلت سياسة الإفلات من العقاب، وكيف تحولت الضفة الغربية إلى ساحة مفتوحة للعنف، لا تحترم فيها الاعتداءات حتى الزيارات الدبلوماسية.

لم يكن الوفد الأوروبي يحمل سلاحاً، ولم يذهب إلى مواجهة عسكرية، بل جاء في إطار التضامن مع المزارعين الفلسطينيين خلال موسم قطاف الزيتون، في أرض بات الوصول إليها محفوفاً بالتهديد والخطر، ومع ذلك، وجد أعضاؤه أنفسهم في مواجهة مستوطنين اعتدوا عليهم وهددوهم، في مشهد يختصر مأساة الفلسطيني الذي يحتاج أحياناً إلى شهود دوليين كي يحاول حماية أرضه وقطف زيتونه.

حين تُهان أوروبا في أرض فلسطين

تكمن خطورة الاعتداء في أنه لا يمس أشخاصاً بعينهم فحسب، بل يختبر مكانة الدبلوماسية الأوروبية نفسها، فإذا كان ممثلو دول أوروبية يستطيعون التعرض للضرب والتهديد أثناء أداء مهامهم، فكيف يمكن للفلسطيني الأعزل أن يشعر بالأمان في أرضه، وهو الذي يواجه اعتداءات متكررة من دون أن يمتلك وسائل الحماية أو القدرة على فرض القانون؟

والأخطر أن الاعتداء يأتي في سياق تصاعد عنف المستوطنين خلال موسم الزيتون، حيث لا تكون الشجرة مجرد محصول اقتصادي، بل عنواناً للارتباط بالأرض وذاكرة العائلة وحقها في البقاء، فحين يُمنع المزارع من الوصول إلى حقله، وتُقتلع أشجاره أو يُعتدى عليه، لا تكون المسألة خلافاً محلياً، بل جزءاً من واقع احتلال يسعى إلى جعل الحياة الفلسطينية أكثر صعوبة، ودفع أصحاب الأرض إلى الرحيل تحت ضغط الخوف والخسارة.

أما الإدانة الإسرائيلية وفتح التحقيق، فلا تكفي وحدهما ما لم تتحولا إلى إجراءات فعلية ومحاسبة للمعتدين. فالمشكلة تكمن في الفجوة المتكررة بين التصريحات والممارسة، وفي استمرار الاعتداءات وسط مخاوف جدية من غياب المحاسبة الرادعة.

ولا يكفي أن يُطلب من الدبلوماسيين التنسيق المسبق مع جيش الاحتلال لضمان سلامتهم؛ فالمسؤولية الأساسية تقع على عاتق القوة القائمة بالاحتلال، التي يتعين عليها حماية المدنيين وضمان أمنهم، لا تحميل الضحايا مسؤولية الاعتداء عليهم.

اليمين الأوروبي.. السيادة عندما تخدم المصالح

لكن القضية لا تتعلق بإسرائيل وحدها، بل تكشف أيضاً تناقضاً سياسياً وأخلاقياً لدى قطاعات من اليمين الأوروبي واليمين المتطرف، التي ترفع شعارات السيادة الوطنية وكرامة الدولة وحماية المواطنين، ثم تتبنى مواقف متساهلة تجاه انتهاكات إسرائيلية تمس دولاً أوروبية وممثليها.

كيف يمكن لحزب يطالب باحترام حدود بلاده وهيبة مؤسساتها أن يتعامل بانتقائية مع انتهاك ممثلي دول أخرى؟ وكيف تصبح السيادة مبدأ مقدساً عندما يتعلق الأمر بالمصالح الداخلية، ثم تتحول إلى تفصيل قابل للتجاهل عندما يكون المعتدي حليفاً سياسياً؟

ليس المقصود هنا وضع جميع أحزاب اليمين الأوروبي في سلة واحدة، فمواقفها ليست متطابقة، وبعضها أدان الاعتداءات وطالب بالمحاسبة، لكن التناقض يظهر لدى التيارات التي تجعل من التحالف السياسي والفكري مع اليمين الإسرائيلي أولوية تتقدم على مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.

ويجمع بين بعض هذه التيارات خطاب متشدد تجاه الهجرة والإسلام، وتصوير الصراع باعتباره مواجهة حضارية بين الغرب والشرق، وفي ظل هذا التصور، تتحول إسرائيل لدى تلك الأحزاب إلى حليف سياسي، وتصبح الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين أقل أهمية من الحفاظ على التحالف معها.

وهنا يتجلى النفاق السياسي بأوضح صوره: أن تدافع عن كرامة الدولة حين يخدمك الموقف، وأن تصمت حين تصبح المحاسبة مكلفة سياسياً.

انقسام أوروبا يمنح الاحتلال مزيداً من الوقت

إن الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي يمنح الحكومة الإسرائيلية هامشاً واسعاً للمناورة، ويضعف قدرة الدول الأوروبية على تحويل اعتراضاتها إلى سياسة موحدة وفاعلة، فالإدانة، مهما كانت شديدة اللهجة، تفقد قيمتها إذا لم تتبعها خطوات تضمن حماية الفلسطينيين، ومحاسبة المعتدين، ووقف التوسع الاستيطاني، ومراجعة العلاقات التي تمنح الاحتلال امتيازات من دون التزامات واضحة.

إن المطلوب أوروبياً ليس مجرد استدعاء السفراء أو إصدار بيانات احتجاج، بل اتخاذ خطوات سياسية ودبلوماسية جادة تضع حداً للاعتداءات، وتؤكد أن العلاقات الدولية لا تمنح أحداً حصانة من المحاسبة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل ستبقى المواقف الأوروبية في حدود التصريحات، أم ستتحول إلى ضغط حقيقي على الحكومة الإسرائيلية؟

إن اختبار المصداقية الأوروبية لا يبدأ من حماية دبلوماسييها وحدهم، بل من حماية الفلسطيني الذي يتعرض للاعتداء يومياً، ومن رفض تحويل القانون الدولي إلى قواعد تُطبّق على الضعفاء وتُستثنى منها إسرائيل، فكرامة الدبلوماسي الأوروبي وكرامة المزارع الفلسطيني لا ينبغي أن تخضعا لمعيار مزدوج.

من يحمي كرامة الفلسطيني؟

إن الاعتداء على الوفد الأوروبي في الطيبة رسالة خطيرة، ليس لأنه طال دبلوماسيين أجانب فحسب، بل لأنه يكشف ما يمكن أن يفعله الإفلات من العقاب حين يصبح أقوى من القانون.

وإذا كان بعض المستوطنين قد تجرؤوا على الاعتداء على ممثلي دول أوروبية، فذلك يطرح سؤالاً أكبر عن مصير الفلسطيني الذي لا يملك دولة قوية تحميه، ولا قوة تردع من يعتدي عليه، ولا ضمانة تحول دون مصادرة أرضه أو حرمانه من الوصول إليها.

إن أوروبا مطالبة اليوم بأن تختار بين المبادئ والمصالح الضيقة، وبين احترام القانون الدولي والتعايش مع ازدواجيته، فالدبلوماسية لا تُصان بالصمت، والسيادة لا تُحمى بالانتقائية، والعدالة لا تتجزأ بحسب هوية الضحية أو المعتدي.

فإذا كانت كرامة الدبلوماسي الأوروبي تستحق الغضب والمحاسبة، أفلا تستحق كرامة الفلسطيني، الذي يُهان على أرضه كل يوم، القدر نفسه من العدالة والحماية؟