مؤيد عفانة يكتب لوطن: مقاربات نقدية في أنطولوجيا القيادة

19/10/2026

تعد القيادة واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية والتنظيمية دراسة وتعقيداً في الفكر الإداري الحديث والقديم على حد سواء، ورغم غزارة الأدبيات التي تناولت سلوكيات القائد وسماته، إلا أن دراسة "أنطولوجيا القيادة"، أي علم وجود القيادة، تذهب إلى ما هو أعمق من المقاربات التي تركز على السمات والسلوكيات الفردية، فهي تبحث في جوهر ماهيّة القيادة، وطبيعة وجودها، واللبنات الأساسية التي تُشكل ظاهرة القيادة ككيان واقعي، كما أن ديناميكية علم الإدارة ومفهوم القيادة، يستوجب إعادة التفكير في انطولوجيا القيادة، من خلال مقاربات نقدية، والتحول من المقاربات التقليدية التي تركز على القائد وسماته، نحو منظورات أخرى للقيادة، وهي المنظورات القائمة على العلائقية، والقيادة الجماعية، والقيادة التحويلية والتشاركية والأخلاقية.

فعلى مدار فترات طويلة من التاريخ الإداري والمؤسسي، بقيت القيادة تُدرس بوصفها مجموعة من السمات، او المهارات المكتسبة، أو السلوكيات الوظيفية، التي يمكن تعلُّمها في قاعات المحاضرات، غير أن التعقيد المتسارع لعالمنا المعاصر، والأزمات الوجودية المتلاحقة التي تعصف بالمنظمات والكيانات، كشفت عن قصور هذا المنظور السطحي، ومن هنا، برز الاهتمام بالأسس الانطولوجية للقيادة، كإطار فلسفي وتطبيقي يعيد تعريف الظاهرة القيادية من جذورها. فعملياً تراجعت فكرة اعتبار القائد هو ذلك "البطل العظيم" القابع في أعلى الهرم التنظيمي، والذي يستمد وجوده من سلطته الرسمية، وقدرته المنفردة على الحسم وصناعة القرار، حيث شهدت هذه البنية الوجودية للقيادة انعطافة حاسمة، فتحولت أنطولوجيا القيادة من الفردانية إلى العملية العلائقية والجماعية، إن جوهر القيادة الحديثة لم يعد يكمن داخل شخص القائد الفرد، بل أصبح يولد ويتشكل في الحيّز الممكن ما بين القائد، والتابعين، والسياق المحيط. ولم يعد القائد هو مصدر الحقيقة الوحيد، بل تحول دوره الوجودي إلى مُيّسر لتدفق الأفكار والابداع داخل شبكة إنسانية معقدة. هذا التحوّل يعني أن كينونة القائد المعاصر أصبحت تُقاس بقدرته على توليد المعنى المشترك، وتحفيز الذكاء الجماعي، فالقيادة لم تعد صفة فردية ثابتة، بل تحولت إلى كينونة ديناميكية متغيرة فرضتها التحولات الفكرية والتكنولوجية، والاجتماعية، والنفسية.

هذه المقاربات تكتسب أهمية خاصة في ظل الثورة الرقمية المعاصرة، كونها تحوّل ثوري يعيد صياغة ماهيّة العمل البشري. خاصة مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي القادر على اتخاذ القرارات الاستراتيجية القائمة على البيانات، والتنبؤ بالمسارات المستقبلية، فلم تعد كينونة القيادة في عصر الذكاء الاصطناعي تتمحور حول التفوق المعرفي أو القدرة الحسابية، بل تحولت نحو الذكاء الوجودي، والحكمة الوجدانية، وبث

الأمل والرؤية المُلهمة، في هذا السياق، أصبحت أنطولوجيا القيادة تدور حول "أنسنة الوجود المؤسسي"، حيث يتحول القائد من خبير تقني إلى مُلهم، ومحفز للطاقات الإبداعية الحرة التي لا يمكن لأي خوارزمية اختزالها بعمليات حسابية، ان التغيّر في أنطولوجيا القيادة ليس خياراً كمالياً، بل هو ضرورة للبقاء في عالم متسارع ومعقد.

ان القائد أداة معرفية وبناء تحليلي، وهو فاعل اجتماعي هام، يخلق التأثير والالهام في الاتباع، ويوجهم نحو تحقيق الأهداف، وهو محرك للتفاعل الاجتماعي وعلاقات التبادل والتي تعتبر جوهر عملية القيادة الديناميكية، فالقيادة الجماعية التفاعلية بحاجة، لا تنفي دور القائد، بل بحاجة الى قائد تفاعلي، قادر على توليد الزخم، وبث الالهام، وتبادل الأدوار، وضمان اتساق وتركيز عمل المجموعة، وبالمفهوم الفيزيائي فإنه يمكن تشبيه القيادة بالطاقة الحركية الناتجة عن تفاعل الأفراد والاتباع، وهي طاقة عظيمة بحاجة إلى تركيز وتكثيف وتوجيه، وهذا ما يقوم به القائد الذي يعيد توجيه هذه الطاقة في مسارات عملية واضحة، تضمن عدم التشتت والتكامل معاً، والاستثمار الأمثل في كافة الجهود، وصولا الى تحقيق الأهداف.

وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في السياق الفلسطيني، سيّما في مجال الإدارة العامة، حيث تفرض التحديات المالية والاقتصادية والمؤسسية والسياسية ضرورة تطوير أنماط القيادة، وتعزيز القدرة على التكيّف مع الأزمات، والاستدامة، وتحسين استخدام الموارد المحدودة، ورفع مستوى الاستجابة لاحتياجات المواطنين، الامر الذي يتطلب توسيع المشاركة والاستفادة من الخبرات المؤسسية، فالتحديات المركبّة التي تواجه الإدارة العامة في فلسطين لا يمكن التعامل معها بكفاءة من خلال القرارات الفردية وحدها، بل تتطلب بناء فرق عمل متخصصة، وتعزيز التنسيق، وتطوير آليات صنع القرار القائم على الأدلّة، وترسيخ ثقافة مؤسسية تشجع المبادرة والتعلم والمساءلة، ويستدعي ذلك تبني مقاربات قيادية متكاملة، فالقيادة التحويلية تسهم في صياغة الرؤية وتحفيز العاملين نحو التغيير، والقيادة التشاركية توسع قاعدة المشاركة والاستفادة من المعرفة المتاحة، فيما تعزز القيادة الأخلاقية النزاهة والشفافية والمساءلة، أما المقاربة العلائقية، فتساعد على فهم القيادة باعتبارها نتاجًا للتفاعل بين الأفراد والسياق التنظيمي، ولا ينبغي النظر إلى هذه المقاربات باعتبارها بدائل متعارضة، بل بوصفها مداخل متكاملة يمكن توظيفها وفقًا لطبيعة المؤسسة وأهدافها والتحديات التي تواجهها. كما أن تطبيقها يتطلب بيئة تنظيمية داعمة، وإتاحة المجال أمام الكفاءات للمشاركة في تطوير السياسات العامة، ضمن إطار من الحوكمة الرشيدة، وختاماً انّ التحوّل نحو تبني مقاربات القيادة الحديثة، ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة للحفاظ على الكيانية، فمن لا يتقدم يتقادم، ومن لا يتجدد يتبدد.