
كتب د. حسام عرفات: ثمة مفارقة تستحق التوقف أمامها في المشهد السياسي الفلسطيني: جمهور وطني ديمقراطي واسع، يمتلك تاريخاً نضالياً وثقافياً وسياسياً، لكنه يجد نفسه اليوم بلا إطار جامع قادر على التعبير عن تطلعاته وتحويل حضوره إلى قوة سياسية مؤثرة.
لقد كشفت تجربة الانتخابات الفلسطينية الأخيرة عن أزمة تتجاوز الخلافات العابرة بين الأحزاب؛ أزمة قوى تتحدث باسم جمهورها، لكنها لم تستطع الاتفاق على مشروع يجمعه، أو حتى على الحد الأدنى من التنسيق الذي تفرضه أبسط الحسابات السياسية. وبدلاً من أن تكون الانتخابات فرصة لتوحيد هذا التيار، كشفت عن استمرار التشتت وتغليب الحسابات التنظيمية الضيقة.
المشكلة ليست في غياب جمهور التيار الوطني الديمقراطي، بل في غياب الإطار السياسي القادر على جمعه وتمثيله.
أزمة تتجاوز خلافات الأحزاب
لم تبدأ هذه الأزمة مع الانتخابات الأخيرة، بل هي امتداد لمسار طويل تعيشه قوى سياسية تشكلت منذ ستينيات القرن الماضي، وراكمت تاريخاً من النضال والتضحيات، لكنها لم تنجح في تجديد بنيتها وأدوات عملها بما يتناسب مع التحولات الفلسطينية، ولا في الحفاظ على صلتها بقطاعات واسعة من جمهورها.
لقد اتسعت الفجوة بين هذه القوى وبين من يتبنون أفكارها ومبادئها، فيما بقيت التنظيمات أسيرة أزماتها الداخلية وتنافسها على المواقع والتمثيل. وهنا لا بد من التمييز بين تاريخ هذه القوى ودورها الوطني، وبين قدرتها الراهنة على تمثيل جمهورها؛ فتاريخ النضال لا يعفي أي تنظيم من مراجعة تجربته، ولا يبرر استمرار الصيغ القائمة دون تجديد.
من نقد الواقع إلى بناء البديل
لم يعد كافياً أن نكرر الحديث عن أزمة اليسار، أو أن نتبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن التشتت. المطلوب هو الانتقال من تشخيص الأزمة إلى بناء البديل.
من هنا، أطرح ضرورة البدء بحوار وطني ديمقراطي واسع لتأسيس التيار الوطني الديمقراطي الفلسطيني، بوصفه إطاراً سياسياً جامعاً يستوعب القوى والشخصيات والفعاليات التي تلتقي على رؤية وطنية ديمقراطية مشتركة.
ليس المقصود إنشاء حزب جديد يضاف إلى الأحزاب القائمة، أو تشكيل تحالف انتخابي مؤقت، أو إلغاء التنظيمات القائمة وتجاوز تاريخها، بل بناء إطار أوسع يجمع الطاقات المبعثرة، ويمنح جمهوره فرصة المشاركة في صياغة مشروعه السياسي وتحديد مستقبله.
خريطة الطريق نحو التأسيس
يمكن أن ينطلق هذا المشروع من ثلاث خطوات مترابطة:
أولاً: صياغة البرنامج السياسي.
إطلاق حوار جدي لصياغة برنامج يحدد هوية التيار وأهدافه، ويتمسك بالحقوق الوطنية الفلسطينية، ويؤمن بالديمقراطية والتعددية والعدالة الاجتماعية والحريات العامة، ويقدم رؤية واضحة لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني ودور التيار فيه.
ثانياً: تشكيل لجنة تأسيسية.
تضم شخصيات وقوى وفعاليات من مختلف مكونات التيار، وتتولى إدارة الحوار، وإعداد الوثائق التأسيسية، ووضع تصور للهياكل التنظيمية وآليات العضوية واتخاذ القرار والتمثيل، تمهيداً لعقد مؤتمر تأسيسي يقر البرنامج والنظام الداخلي وينتخب الهيئات القيادية ديمقراطياً.
ثالثاً: إشراك الجمهور في بناء التيار.
فتح أبواب المشروع أمام المستقلين والشباب والنساء والأكاديميين والنقابيين والناشطين المجتمعيين، وكل من يجد نفسه في المشروع الوطني الديمقراطي. فالجمهور يجب أن يكون شريكاً في التأسيس وصنع القرار، لا مجرد متلقٍ لقرارات القيادات.
مشروع لا يعيد إنتاج الماضي
إن نجاح هذه المبادرة يتطلب إرادة سياسية تتقدم على الحسابات التنظيمية الضيقة، واستعداداً لمراجعة التجارب السابقة، وبناء مؤسسات ديمقراطية تضمن المشاركة والمساءلة وتجديد القيادة.
ولا تعني وحدة التيار إلغاء التنوع داخله، بل تنظيمه ضمن إطار يحتكم إلى المؤسسات، ويحول الاختلاف من سبب للتشتت إلى مصدر للقوة. كما أن المبادرة ليست خصومة مع الأحزاب القائمة، وإنما اعتراف بأن الصيغ الحالية لم تعد كافية وحدها لتمثيل جميع أبناء هذا التيار.
إن السؤال اليوم ليس فقط لماذا فشلت القوى اليسارية والديمقراطية في توحيد صفوفها، بل كيف يمكن لجمهورها أن يشارك في بناء إطار يتجاوز هذا الفشل.
لقد آن الأوان للانتقال من انتظار من يمثّل التيار الوطني الديمقراطي إلى المشاركة في بناء إطاره السياسي. والطريق يبدأ بحوار جاد، وبرنامج واضح، ولجنة تأسيسية، ومؤتمر يضع الأسس الديمقراطية والتنظيمية للمشروع.
التحدي اليوم هو تحويل الجمهور المتفرق إلى قوة سياسية منظمة، تمتلك مشروعاً واضحاً، وقادرة على التأثير في مستقبل فلسطين. وهذا هو الحوار الذي ينبغي أن نبدأه الآن.