
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يعود جزء من الخطاب الفلسطيني والعربي إلى ممارسة سياسية تكاد تتحول إلى تقليد ثابت، قوامه انتظار سقوط بنيامين نتنياهو، والتطلع إلى وصول شخصية أخرى إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وكأن تغيير الجالس في مكتب رئيس الوزراء كفيل بتغيير طبيعة المشروع الإسرائيلي في فلسطين، وكأن مأساة الشعب الفلسطيني تختصر في شخص نتنياهو، وكأن الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأرض وحرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير مصيرهم ليست سوى سياسات طارئة ارتبطت برجل واحد، وستنتهي بمجرد خروجه من المشهد السياسي. وهنا لا تكمن المشكلة في الرغبة برحيل نتنياهو، ولا في متابعة الانتخابات الإسرائيلية بوصفها حدثا سياسيا مؤثرا، بل في العقل السياسي الذي يذهب أبعد من ذلك، فيصنع من خصم نتنياهو عنوانا للأمل الفلسطيني، ويمنحه مسبقا رصيدا سياسيا لا يستند إلى موقف معلن من حقوق الشعب الفلسطيني، ولا إلى برنامج يتعهد بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
هذه المرة يتجه بعض الرهان إلى غادي آيزنكوت، رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية السابق وأحد أبرز منافسي نتنياهو في المعركة الانتخابية الراهنة. ويبدو أن خلفيته العسكرية وصورته بوصفه شخصية من المعارضة وانتقاداته لبعض سياسات الحكومة الحالية دفعت بعض المتابعين إلى التعامل معه باعتباره احتمالا مختلفا، وربما فرصة لتغيير المسار الإسرائيلي. لكن السؤال الذي يبدو غائبا عن هذا الرهان هو .. مختلف في ماذا، وبالنسبة إلى من، وعلى أي أساس يمكن اعتبار وصوله تطورا إيجابيا للقضية الفلسطينية؟ هل يكفي أن يكون آيزنكوت خصما لنتنياهو حتى يصبح صديقا محتملا لفلسطين؟ وهل تكفي معارضته لبعض سياسات اليمين المتطرف لكي يتحول إلى شريك في تحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه إسقاطا للرغبات الفلسطينية والعربية على شخصية إسرائيلية لم تقدم ما يسوغ هذه التوقعات ..؟
إن أخطر ما في هذا الرهان ليس مجرد سوء تقدير شخصية سياسية إسرائيلية، بل ذلك الاستعداد المتكرر للبحث عن خلاص القضية الفلسطينية داخل النظام السياسي الإسرائيلي، وكأن الفلسطينيين لا يملكون من أمر مستقبلهم إلا انتظار تبدل الحكومات في تل أبيب. فبدلا من أن يكون المعيار هو موقف المرشح الإسرائيلي من الاحتلال والاستيطان والسيادة الفلسطينية، يصبح المعيار هو علاقته بنتنياهو. وبدلا من أن يسأل بعضنا عما إذا كان هذا المرشح يقبل بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، ينشغل بالسؤال عما إذا كان قادرا على هزيمة نتنياهو. وبدلا من فحص البرنامج السياسي للمرشح وما يحمله من تصورات لمستقبل الأرض والشعب والقضية، يجري التعامل مع المعارضة الإسرائيلية وكأنها معارضة تلقائية للمشروع الذي تمثله الحكومة الحالية. وهذه ليست قراءة سياسية ناضجة، بل اختزال مخل للصراع، يضع القضية الفلسطينية في ذيل الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، ثم يطالب الفلسطينيين بالتفاؤل بنتائجها قبل أن يعرفوا ما الذي ينتظرهم بعدها.
ولعل أكثر ما يكشف هشاشة هذا الرهان أن آيزنكوت لم يترك موقفه من الدولة الفلسطينية غامضا، ولم يحتج الأمر إلى قراءة ما بين السطور أو الاستعانة بتحليلات خصومه لمعرفة توجهاته. ففي تصريحات منشورة خلال أغسطس 2026، وصف الاعتقاد بإمكانية تطبيق حل الدولتين بعد السابع من أكتوبر بأنه ضرب من الوهم، كما أعلن، ردا على تصريحات منصور عباس بشأن الدولة الفلسطينية، أنه لا توجد دولة فلسطينية ولن تقام دولة فلسطينية في ظل حكومة يشكلها هو. إننا هنا
أمام موقف سياسي معلن، لا أمام استنتاج فلسطيني متشدد، ولا أمام اتهام أطلقه نتنياهو على منافسه، ولا أمام خلاف في تفسير عبارة ملتبسة. نحن أمام شخصية تسعى إلى قيادة الحكومة الإسرائيلية وتعلن أن الدولة الفلسطينية لن تقوم في ظل حكومتها المحتملة، ثم نجد من الفلسطينيين والعرب من يتعامل مع وصولها باعتباره احتمالا يستحق الرهان على مستقبل القضية الفلسطينية.
فأي تناقض أكبر من هذا؟ وكيف يمكن لعقل سياسي يدعي الانشغال بمصير فلسطين أن يتجاوز موقفا بهذه الصراحة، ثم يبحث عن مؤشرات إيجابية في معارضة آيزنكوت لنتنياهو؟ وبأي منطق يصبح الرجل عنوانا للتغيير بالنسبة إلى الفلسطينيين، بينما لا يقدم في أهم قضاياهم موقفا يعترف بحقهم في إقامة دولتهم المستقلة؟ إن المشكلة هنا لا تتعلق بآيزنكوت وحده، فهو يعلن مواقفه ويخوض معركته السياسية وفق ما يراه مصلحة إسرائيلية، ولا يفترض أن يضع الحقوق الفلسطينية في مقدمة حساباته لمجرد أن بعض الفلسطينيين يتمنون ذلك. المشكلة الحقيقية تقع على عاتق الذين يقرؤون تصريحاته، ثم يختارون منها ما ينسجم مع رغباتهم، ويتجاهلون ما يناقضها، وكأن المطلوب من السياسة الإسرائيلية أن تقدم للفلسطينيين ما يريدون سماعه، لا أن يقرأ الفلسطينيون ما تقوله السياسة الإسرائيلية فعلا.
إن من يرفض إقامة الدولة الفلسطينية لا يصبح مؤيدا لها لمجرد أنه ينتقد نتنياهو، ومن يستبعد حل الدولتين لا يتحول إلى شريك في تحقيقه لمجرد أنه يعارض بعض سياسات اليمين المتطرف. ولا يجوز أن يصبح الخصم الانتخابي لرئيس الحكومة الإسرائيلية مرشحا للخلاص الفلسطيني لمجرد أن جزءا من الرأي العام العربي والفلسطيني يريد رؤية نتنياهو خارج الحكم. فالرغبة في رحيل نتنياهو شيء، والاعتقاد بأن رحيله سيقود بالضرورة إلى تغيير جوهري في الموقف الإسرائيلي من الحقوق الفلسطينية شيء آخر تماما. وبين الأمرين مسافة سياسية هائلة لا يجوز القفز فوقها، إلا إذا كنا قد وصلنا إلى مرحلة أصبحنا فيها نبحث عن أي اختلاف داخل إسرائيل لكي نحوله إلى أمل فلسطيني، بصرف النظر عن مضمونه ونتائجه.
وقد يقول المدافعون عن الرهان على آيزنكوت إنه يختلف عن نتنياهو وحلفائه في عدد من الملفات، وإنه ينتقد عنف المستوطنين، ويعارض بعض المشاريع الاستيطانية التي تهدد التواصل الجغرافي الفلسطيني، ويرفض منح وزراء اليمين المتطرف صلاحيات واسعة في إدارة الضفة الغربية. وهذه مواقف تستحق القراءة، لكنها لا تمنح أحدا الحق في تحويل الاختلافات داخل المعسكر الإسرائيلي إلى شهادة حسن سلوك سياسي تجاه الفلسطينيين. فثمة فرق كبير بين الاعتراض على الاستيطان لأنه ينتهك حقوق الفلسطينيين، والاعتراض على مشروع استيطاني محدد بسبب كلفته السياسية والدبلوماسية على إسرائيل. وثمة فرق بين رفض عنف المستوطنين باعتباره اعتداء على شعب واقع تحت الاحتلال، ورفضه باعتباره ظاهرة تضر بالأمن الإسرائيلي وتضعف قدرة الدولة على ضبط الأوضاع. وثمة فرق بين رفض الضم لأن الأرض الفلسطينية ليست جزءا من السيادة الإسرائيلية، والاعتراض على طريقة إدارة الضفة الغربية لأن الحكومة الحالية منحت اليمين المتطرف نفوذا يراه بعض خصومها مضرا بالمصلحة الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، انتقد آيزنكوت الدفع بمشروع الاستيطان في منطقة E1، كما انتقد تصاعد عنف المستوطنين وبعض ترتيبات إدارة الضفة الغربية. لكن هذه المواقف لا تعني أنه يرفض المشروع الاستيطاني من أساسه، ولا أنه يتبنى برنامجا لإخلاء المستوطنات القائمة على نطاق واسع، ولا أنه يعترف بحق الفلسطينيين في السيادة على الأرض المحتلة. لقد أبدى تأييدا لاستمرار مستوطنات يعتبرها متوافقة مع المصالح الإسرائيلية، ولم يقدم موقفا معلنا يربط اعتراضاته على بعض المشاريع الاستيطانية بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران
1967. ومن هنا فإن تقديم هذه الاعتراضات باعتبارها مؤشرات على تحول إسرائيلي يخدم القضية الفلسطينية ليس سوى قراءة انتقائية تتجاهل الفارق بين ضبط الاستيطان وإنهائه، وبين إدارة الاحتلال وإنهائه، وبين تخفيف كلفة السياسات الإسرائيلية والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.
إن الاعتراض على مشروع E1 لا يعني بالضرورة الإقرار بحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة متصلة جغرافيا، كما أن انتقاد عنف المستوطنين لا يعني الاعتراف بحق الفلسطينيين في الأرض التي يتعرضون عليها للاعتداء والتهجير. وقد يكون الاعتراض على بعض الممارسات مرتبطا بحسابات التوقيت والكلفة الدولية وإدارة الصراع، لا بالاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. وهذه ليست مسألة نظرية، بل هي جوهر الاختبار السياسي لأي قيادة إسرائيلية مقبلة. فإذا كان المرشح يرفض الدولة الفلسطينية، فما قيمة الاعتراضات الجزئية التي لا تقود إلى إنهاء الاحتلال؟ وإذا كان يقبل استمرار مستوطنات قائمة ويرفض إخلاءها على نطاق واسع، فكيف يمكن التعامل مع مواقفه باعتبارها تحولا جوهريا في السياسة الإسرائيلية تجاه الأرض الفلسطينية؟ وإذا كان يعترض على نفوذ بعض الوزراء المتطرفين في الضفة الغربية، فهل يعني ذلك أنه يقبل بإنهاء السيطرة الإسرائيلية عليها، أم أنه يريد إعادة تنظيم هذه السيطرة وفق تصور أكثر انضباطا من وجهة نظره؟
وتزداد المسألة وضوحا عندما ننتقل إلى تصورات آيزنكوت بشأن مستقبل الكيان الفلسطيني. فالمواقف المنسوبة إليه في النقاشات المتعلقة بمستقبل الصراع تتجه إلى ترتيبات للحكم الفلسطيني لا تمنح الفلسطينيين سيادة كاملة، مع تأكيد أولوية السيطرة الأمنية الإسرائيلية ورفض قيام دولة فلسطينية في ظل حكومته المحتملة. وهنا لا بد من التمييز بين وجود مؤسسات فلسطينية تدير شؤون السكان وبين قيام دولة مستقلة تمتلك قرارها وسيادتها. فالدولة ليست اسما يطلق على إدارة محلية أو سلطة مدنية تعمل تحت سقف السيطرة الإسرائيلية، والسيادة ليست مجرد وزارات وأجهزة إدارية فيما تبقى الحدود والمعابر والقرار الأمني خاضعة لإرادة الاحتلال. إن جوهر الاستقلال هو قدرة الشعب على تقرير مصيره وإدارة شؤونه وممارسة سيادته من دون خضوع لسلطة خارجية تتحكم في مفاصل حياته.
وعندما يغيب المسار الواضح الذي ينهي الاحتلال ويضمن السيادة الفلسطينية، تصبح ترتيبات الحكم الذاتي قابلة للتحول إلى واقع دائم، يعاد إنتاجه تحت مسميات جديدة. ومن يطرح كيانا فلسطينيا محدود السيادة، مع احتفاظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية العليا، مطالب بأن يجيب عن سؤال بسيط .. كيف سينتقل الفلسطينيون من إدارة شؤونهم تحت الاحتلال إلى الاستقلال عنه، إذا كان صاحب المشروع يرفض الدولة الفلسطينية أصلا؟ ومن يضمن ألا تتحول الترتيبات المؤقتة إلى صيغة دائمة لإدارة السكان من دون منحهم حق تقرير المصير؟ وأي أفق سياسي يمكن أن يطمئن الفلسطينيين إلى أن الحكم الذاتي ليس بديلا عن الدولة، وأن الوعود المستقبلية ليست مجرد وسيلة لتأجيل الحقوق إلى أجل غير معلوم؟
إن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى كيان يبدل اسمه فيما يبقى مضمونه خاضعا للسيطرة الإسرائيلية، ولا إلى سلطة محلية موسعة الصلاحيات تقدم بوصفها حلا نهائيا لقضية شعب يسعى إلى التحرر الوطني. وما يحتاجونه هو موقف واضح من حقهم في دولة ذات سيادة، وإنهاء الاحتلال، والقدس عاصمة لدولتهم، وتقرير مصيرهم الوطني. وحتى الآن، لا تمنح تصريحات آيزنكوت المعلنة أساسا للقول إنه يتبنى هذا المشروع.
ولا يمكن فصل هذه المواقف عن مستقبل قطاع غزة، ولا عن الشروط الأمنية التي يطرحها آيزنكوت بشأن ترتيبات ما بعد الحرب. فقد ربط مواقفه من خطط السلام بضرورة أن تتحرك
إسرائيل من موقع القوة وبنزع سلاح حماس بصورة كاملة. ومهما يكن النقاش الإسرائيلي حول الأمن والسلاح وترتيبات الحكم، فإن هذه المقاربة لا تجيب بمفردها عن الأسئلة السياسية الأساسية .. من يحكم غزة؟ وما علاقتها بالضفة الغربية والقدس؟ وكيف يمكن إعادة توحيد الأرض الفلسطينية ضمن مشروع وطني واحد؟ وما الضمانات التي تمنع تحويل القطاع إلى كيان منفصل محكوم بترتيبات أمنية وإدارية لا تفضي إلى إنهاء الاحتلال؟ إن اختزال مستقبل غزة في الشروط الأمنية الإسرائيلية، من دون أفق واضح للحقوق الوطنية والسيادة، لا يقدم حلا للقضية الفلسطينية، بل يضعها مجددا تحت سقف ما تقرره إسرائيل عن أمنها ومصالحها.
وهنا ينبغي أن نواجه أنفسنا بسؤال أكثر إيلاما من سؤال من سيفوز بالانتخابات الإسرائيلية .. لماذا يجد بعض الفلسطينيين والعرب أنفسهم مستعدين لمنح خصم نتنياهو رصيدا سياسيا قبل أن يطالبوه بموقف واضح من فلسطين؟ ولماذا يبدو أن جزءا من خطابنا السياسي بات يتعامل مع التغيير داخل إسرائيل باعتباره حدثا ينبغي الاحتفاء به أولا، ثم البحث لاحقا عن أثره على حقوقنا؟ أليس من المفترض أن تكون فلسطين هي المعيار الذي نقيس به مواقف السياسيين الإسرائيليين، لا أن تصبح المنافسة على الحكم في إسرائيل هي المعيار الذي نعيد من خلاله ترتيب توقعاتنا الفلسطينية؟ وكيف وصلنا إلى وضع يصبح فيه مجرد اختلاف المرشح مع نتنياهو كافيا لفتح باب الأمل، فيما لا يكفي رفضه المعلن للدولة الفلسطينية لإغلاق هذا الباب أو على الأقل إخضاعه لمراجعة جدية؟
إن هذا النمط من التفكير لا يعكس فقط خطأ في تقدير آيزنكوت، بل يكشف أزمة أعمق في ترتيب الأولويات السياسية. فحين يفقد المشروع الوطني الفلسطيني وضوح معاييره، يصبح من السهل أن تنتقل بوصلة الاهتمام من الحقوق الفلسطينية إلى التوازنات الإسرائيلية، ومن سؤال إنهاء الاحتلال إلى سؤال من سيحكم إسرائيل، ومن بناء استراتيجية وطنية قادرة على التأثير في الصراع إلى انتظار نتائج معركة انتخابية لا يملك الفلسطينيون قرارها. وحينها يصبح الفلسطيني مراقبا ينتظر ما ستقرره صناديق الاقتراع الإسرائيلية، ثم يبحث في نتائجها عن إشارات يعلق عليها آماله، حتى لو كانت تصريحات الفائز المحتمل تنقض هذه الآمال من أساسها.
وليس المطلوب من الفلسطينيين أن يتجاهلوا الفوارق بين القوى الإسرائيلية، أو أن يفترضوا أن جميع الحكومات متطابقة في كل تفصيل. فالاختلافات في إدارة الاستيطان، والتعامل مع عنف المستوطنين، والعلاقة بالمؤسسات العسكرية والقضائية، والحسابات الدولية، قد تكون لها آثار فعلية على حياة الفلسطينيين. لكن الاعتراف بوجود هذه الفوارق شيء، وتحويلها إلى رهان على تحقيق الحقوق الفلسطينية شيء آخر. قد يختلف آيزنكوت عن نتنياهو في أسلوب إدارة الحكم، وقد يعترض على قرارات يتخذها اليمين المتطرف، وقد يرى أن بعض السياسات الحالية تضر بمكانة إسرائيل أو بمصالحها الأمنية. لكن ذلك لا يجعل منه تلقائيا صاحب مشروع لإنهاء الاحتلال، ولا يبرر منحه صفة البديل الذي تنتظره فلسطين.
إن الرهان السياسي لا يبنى على ما نريد أن يكون عليه المرشح، بل على ما يعلنه عن نفسه وما يلتزم به من سياسات. وإذا كان آيزنكوت يعلن رفض إقامة الدولة الفلسطينية في ظل حكومته المحتملة، فإن من يراهن عليه بوصفه طريقا إلى هذه الدولة مطالب بتفسير هذا التناقض. وإذا كان يصف حل الدولتين بأنه غير واقعي بعد السابع من أكتوبر، فما الذي يدفع إلى الاعتقاد بأن وصوله سيعيد هذا الحل إلى مسار التنفيذ؟ وإذا كان لا يقدم تعهدا واضحا بإنهاء الاحتلال، فما الذي يجعل وصوله علامة فارقة في قضية جوهرها إنهاء الاحتلال؟ لا تكفي الإجابة بأن نتنياهو أسوأ، ولا بأن آيزنكوت أكثر انضباطا، ولا بأن خصوم الحكومة الحالية يعارضون بعض ممارساتها. فهذه كلها مقارنات لا تجيب عن السؤال المركزي المتعلق بحقوق الفلسطينيين.
ومن هنا، فإن النقد ينبغي ألا يتوقف عند حدود كشف مواقف آيزنكوت، بل يجب أن يطال العقل السياسي الذي يبحث عن بديل داخل إسرائيل قبل أن يسأل عن برنامجه تجاه فلسطين. فليس من المعقول أن يتحول كل منافس لنتنياهو إلى فرصة سياسية في نظر بعض الفلسطينيين والعرب، بينما يبقى حق الشعب الفلسطيني في الدولة والسيادة موضع رفض معلن لدى المرشح نفسه. وليس من المقبول أن يصبح معيار السياسة الفلسطينية هو مقدار ابتعاد المرشح عن نتنياهو، بدلا من مقدار اقترابه من الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. إن فلسطين ليست ملفا انتخابيا في إسرائيل، وليست جائزة تمنحها المعارضة الإسرائيلية لمن يراهن عليها، وليست قضية تنتظر من السياسي الإسرائيلي الذي يختلف مع رئيس حكومته أن يعيد إليها ما لم يعلن أصلا استعداده للاعتراف به.
هل يشكل وصول آيزنكوت علامة فارقة في مسار القضية الفلسطينية؟ لا يمكن الجزم مسبقا بأن تغيير الحكومة لن يترك أي أثر في السياسات المتبعة، كما لا يصح افتراض أن كل تحول داخل إسرائيل عديم الأهمية. فقد تتغير طريقة إدارة الضفة الغربية، أو تتراجع بعض المشاريع الاستيطانية، أو تختلف آليات التعامل مع عنف المستوطنين، أو تتبدل حسابات الحكومة في علاقاتها الدولية. لكن هذه احتمالات ينبغي تقييمها وفق القرارات الفعلية والنتائج الملموسة، لا وفق التمنيات أو الانطباعات المسبقة. أما القول إن وصول آيزنكوت سيشكل بحد ذاته تحولا تاريخيا بالنسبة إلى الفلسطينيين، فلا تسنده مواقفه المعلنة من الدولة الفلسطينية وحل الدولتين.
فالعلامة الفارقة، من المنظور الفلسطيني، لا تتمثل في تبديل اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية، ولا في انتقال السلطة من زعيم إلى آخر، ولا في اختلاف أساليب إدارة الاحتلال. إنها تبدأ عندما يحدث تحول ملموس في الموقف من الحقوق الوطنية الفلسطينية: الاعتراف بحق تقرير المصير، والقبول بدولة مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس، وإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وتوفير مسار سياسي قابل للتحقق لا يقوم على تأجيل الحقوق إلى أجل غير معلوم. أما إذا وصل آيزنكوت إلى الحكم مع استمرار رفض الدولة الفلسطينية، والإبقاء على السيطرة الأمنية الإسرائيلية العليا، وقبول استمرار مستوطنات قائمة، فإن التغيير سيكون في القيادة وبعض آليات إدارة الصراع، لا في جوهر الموقف من الاستقلال الفلسطيني.
إن الفلسطينيين ليسوا مطالبين برفض أي تغير في إسرائيل، لكنهم ليسوا مطالبين أيضا بمنح هذا التغير شهادة مسبقة بأنه سيخدم قضيتهم. وليسوا مضطرين إلى مساواة جميع السياسيين الإسرائيليين في كل موقف، لكنهم ملزمون بألا يخلطوا بين اختلافاتهم وبين حقوقهم. وليسوا مطالبين بافتراض أن كل حكومة إسرائيلية ستكون نسخة مطابقة عن سابقتها، لكنهم ملزمون بألا يعتبروا تغيير الحكومة تحولا تاريخيا قبل أن يروا ما يتغير فعلا في سياساتها تجاه شعبهم. فالمعيار ليس من سيهزم نتنياهو، بل ما الذي سيقدمه خصمه لفلسطين، وما الذي سيتغير في الأرض والحقوق والسيادة إذا وصل إلى الحكم.
أما أن يتحول خصم نتنياهو إلى عنوان للخلاص الفلسطيني، رغم رفضه المعلن إقامة الدولة الفلسطينية، فذلك ليس تفاؤلا سياسيا، بل تناقض ينبغي أن يخضع للمساءلة. وهو تناقض لا يجوز تغليفه بلغة الواقعية أو الضرورة أو البحث عن الأقل سوءا، لأن الواقعية الحقيقية تبدأ بقراءة المواقف كما هي، لا بتجميلها حتى تتوافق مع رغباتنا. وإذا كان بعض الفلسطينيين والعرب يريدون رحيل نتنياهو، فليكن ذلك موقفا سياسيا مفهوما، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى تفويض مفتوح لخصمه، ولا إلى شيك على بياض يمنح لمرشح لم يعلن اعترافه بحقوق الفلسطينيين التي يفترض أن تكون أساس أي رهان يتعلق بمستقبلهم.
لقد آن الأوان للتوقف عن التعامل مع الانتخابات الإسرائيلية بوصفها موعدا متجددا لتعليق الآمال، وعن تحويل أسماء المرشحين إلى عناوين للخلاص قبل اختبار برامجهم ومواقفهم. فالقضية الفلسطينية أكبر من نتنياهو، وأكبر من آيزنكوت، وأكبر من الصراع على رئاسة الحكومة الإسرائيلية. وهي لا تحتاج إلى منقذ إسرائيلي، ولا إلى أوهام انتخابية جديدة، ولا إلى خطاب يبدل موضوع الرهان كلما تغيرت الأسماء في تل أبيب. إنها تحتاج إلى مشروع وطني يقرأ الواقع كما هو، ويوحد الإرادة الفلسطينية، ويحدد الأولويات، ويطور أدوات المواجهة السياسية والنضالية، ويستعيد القدرة على التأثير في الصراع بدلا من الاكتفاء بمراقبة ما يجري داخل إسرائيل وانتظار انعكاساته.
فلسطين لا تحتاج إلى من يقول إن نتنياهو يجب أن يرحل بقدر ما تحتاج إلى من يسأل ماذا سيأتي بعده، وما الذي سيختلف في سياسات الاحتلال، وما إذا كان البديل يقبل فعلا بحق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال والسيادة. وعندما تكون الإجابة المعلنة هي رفض الدولة الفلسطينية، يصبح الرهان على صاحبها بوصفه طريقا إلى تحقيقها تناقضا سياسيا لا يمكن تبريره بمجرد الرغبة في رؤية نتنياهو خارج الحكم.
فلسطين لا تحتاج إلى منقذ إسرائيلي، بل إلى عقل سياسي فلسطيني وعربي يتحرر من أوهام الرهان على الآخرين، ويجعل حقوق الشعب الفلسطيني معيارا للحكم على الجميع، لا نتيجة مؤجلة لانتخابات لا يملك قرارها.