حوار القاهرة.. بين الشراكة الوطنية واحتكار السلطة

19/10/2026

كتب إسماعيل جمعة الريماوي: كلما عاد الفلسطينيون إلى طاولة الحوار الوطني، عاد السؤال الذي لم تجد القيادة الفلسطينية إجابة مقنعة عنه: من الذي يريد إنهاء الانقسام فعلاً، ومن الذي يريد إدارة الأزمة بما يضمن بقاءه في السلطة؟

إن الحوار الجاري في القاهرة ليس مجرد لقاء بين الفصائل لتقريب وجهات النظر، بل اختبار حقيقي لإرادة القيادة والسلطة الفلسطينية ومن معها في إنهاء الانقسام، واستعادة الشراكة الوطنية، والاحتكام إلى الشعب عبر انتخابات ديمقراطية طال انتظارها، فبعد سنوات من الاتفاقيات التي وُقّعت ولم تُنفذ، لم يعد الفلسطينيون بحاجة إلى بيانات جديدة، بل إلى إجابات واضحة عن أسباب استمرار الانقسام وتعطيل تجديد الشرعيات.

شروط مسبقة.. وحوار على مقاس السلطة

إن الإصرار على فرض شروط سياسية مسبقة قبل الوصول إلى توافق وطني يثير تساؤلات جدية حول مفهوم الشراكة لدى قيادة فتح. فكيف يمكن لحوار وطني أن ينجح إذا طُلب من القوى المشاركة أن تقبل مسبقاً برنامجاً سياسياً لم تتوافق عليه، وأن تسلّم بمرجعيات واتفاقيات باتت نتائجها موضع تساؤل فلسطيني واسع؟

إن الاعتراف بإسرائيل والالتزام بالاتفاقيات السابقة، وفي مقدمتها اتفاق أوسلو، لا يمكن أن يتحولا إلى بوابة لإقصاء المنافسين أو شرط لإبقاء القرار الوطني محصوراً في اتجاه سياسي واحد، فأوسلو، الذي راهنت عليه القيادة الفلسطينية باعتباره طريقاً إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، لم يوقف الاستيطان، ولم ينهِ الاحتلال، ولم يمنع إسرائيل من تقويض الأسس التي قام عليها الاتفاق.

وإذا كانت القيادة تتمسك بهذه الاتفاقيات، فمن حق الشعب أن يسألها: ماذا حققت للفلسطينيين بعد كل هذه السنوات؟ ولماذا يُطلب من الفصائل الالتزام بمسار سياسي لم يحقق أهدافه المعلنة، بينما تستمر إسرائيل في فرض الوقائع على الأرض؟

الحوار الوطني ليس محكمة تنصب لبقية الفصائل، ولا امتحان ولاء يُطلب من الآخرين اجتيازه قبل منحهم حق المشاركة ، إنه شراكة بين قوى سياسية مختلفة، لا وصاية فصيل على بقية الشعب.

الانتخابات.. الاستحقاق الذي تخشاه الحسابات السياسية

لا يمكن فصل حوار القاهرة عن أزمة الانتخابات الفلسطينية وتأجيلها المتكرر، فحين تغيب الانتخابات لسنوات طويلة، وتتراجع المؤسسات التمثيلية، وتبقى مراكز القرار بعيدة عن التجديد الديمقراطي، يصبح السؤال مشروعاً: هل تريد القيادة استعادة الشرعية الشعبية، أم تريد استمرار الوضع القائم؟

لا يمكن اعتبار الخشية من خسارة الانتخابات حقيقة ثابتة من دون أدلة، لكن من حق الفلسطينيين أن يتساءلوا عن أسباب تأخر الاقتراع، وعن الضمانات التي تمنع تحويل الحوار إلى ذريعة جديدة لتأجيله.

إن الانتخابات ليست منّة من السلطة، ولا استحقاقاً يمكن تأجيله كلما ازدادت المنافسة صعوبة، إنها حق أصيل للشعب الفلسطيني، ومن يثق ببرنامجه وبجمهوره لا يخشى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

أما استخدام الحوار لتجاوز الاستحقاق الديمقراطي، إن حدث، فسيكون التفافاً على إرادة الناس، وإبقاءً للأزمة مفتوحة على حساب قضية وطنية تحتاج إلى قيادة تستمد شرعيتها من الشعب، لا من استمرارها في مواقعها.

فتح والسلطة.. مسؤولية لا يمكن الهروب منها

تتحمل حركة فتح، بحكم موقعها في قيادة السلطة ومنظمة التحرير، مسؤولية سياسية كبيرة عن تقديم مبادرة حقيقية لإنهاء الانقسام، ولا يكفي أن تلقي المسؤولية على غيرها من بقية الفصائل، كما لا يجوز لبقية القوى التنصل من مسؤولياتها عن استمرار الانقسام.

لكن القيادة التي تدعو إلى الوحدة مطالبة بأن تبدأ بنفسها، وأن تثبت أن المصالحة ليست مجرد شعار، وأن الشراكة ليست تنازلاً اضطرارياً، وأن تداول السلطة ليس تهديداً لمصالحها.

فلا يمكن بناء نظام سياسي ديمقراطي بعقلية الاحتكار، ولا استعادة الثقة الشعبية بخطاب لا يرافقه تغيير حقيقي، كما لا يمكن المطالبة بوحدة الصف الوطني بينما تبقى قواعد المشاركة والقرار موضع خلاف، وتظل الانتخابات مؤجلة، والمحاسبة غائبة.

إن القضية الفلسطينية أكبر مناي فصيل ، وأكبر من اي سلطة بكل مؤسساتها، ومن يتعامل مع السلطة باعتبارها ملكية سياسية دائمة يسيء إلى الشعب والقضية، مهما رفع من شعارات وطنية.

القاهرة أمام الحقيقة

أمام الحوار الجاري في القاهرة فرصة جديدة، لكنها لن تكون مختلفة عن سابقاتها ما لم تنتهِ إلى اتفاق واضح، بجدول زمني ملزم للانتخابات، وإعادة بناء المؤسسات على أساس الشراكة، وإنهاء الاحتكار السياسي، وتوفير ضمانات حقيقية لتنفيذ ما يُتفق عليه.

لقد تعب الفلسطينيون من اتفاقيات تُوقّع ولا تُنفذ، ومن حوارات تتكرر فيما تتعمق أزماتهم، ومن انقسام يدفع ثمنه المواطن بينما تتنازع القيادات مواقع النفوذ والقرار.

إن المطلوب من فتح والسلطة ليس خطاباً جديداً عن الوحدة، بل قراراً شجاعاً بإنهاء أسباب الانقسام، وقبول المنافسة الديمقراطية، وإعادة الأمانة إلى أصحابها: الشعب الفلسطيني.

فلسطين ليست مزرعة لأحد، والسلطة ليست إرثاً سياسياً، والشرعية ليست امتيازاً أبدياً، ومن يريد الوحدة حقاً، فليقبل بالشراكة؛ ومن يريد الديمقراطية، فليفتح أبواب الانتخابات؛ ومن يريد إنهاء الانقسام، فليتوقف عن وضع الشروط التي تجعل بقاء الأزمة أسهل من حلها، فالشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تمنح أحداً حق مصادرة إرادتها إلى الأبد.