عن اقتصاديات المعرفة والابتكار والبحث العلمي .. الأردن نموذجا

18/10/2026

كتبت د. رانيا غازي أبو غوش*: أن يتقدم الأردن إلى المرتبة 60 عالمياً بين 139 اقتصاداً في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2026، فهذه إشارة تستحق التقدير. لكن الرقم الأهم ليس الترتيب العام وحده، بل المفارقة التي تكشف موقع الاقتصاد المعرفي الأردني فعلياً.

فالأردن جاء أولاً عالمياً في مؤشر المقالات العلمية والتقنية لكل مليار دولار من الناتج المحلي وفق تعادل القوة الشرائية. وهذا لا يعني أنه الأول في العدد المطلق للأبحاث، بل إنه يحقق كثافة مرتفعة في الإنتاج العلمي قياساً بحجم اقتصاده. وفي المقابل، جاء ترتيبه في براءات الاختراع بحسب المنشأ متأخراً عند المرتبة 110 عالمياً.
هذه المقارنة لا تقلل من الإنجاز العلمي، بل تضعه في مكانه الصحيح. فالأردن يمتلك رصيداً معرفياً وقدرة بحثية تستحق البناء عليها، لكنه ما زال بحاجة إلى تسريع تحويل المعرفة إلى ملكية فكرية، ومنتجات، وشركات، وصادرات تقنية.
المشكلة ليست في الباحث الأردني ولا في قدرة الجامعات على النشر. المشكلة تبدأ في المسافة بين المختبر والسوق. الباحث يعمل ضمن نظام يكافئ النشر والترقية الأكاديمية، بينما يبحث المستثمر عن براءة محمية، ونموذج أولي، وسوق محتمل، وفريق قادر على التنفيذ، وعائد قابل للقياس. وإذا لم توجد جهة تصل بين هذه الأطراف، تبقى الفكرة ناجحة علمياً لكنها غير مكتملة اقتصادياً.
وتظهر هذه الفجوة في تقرير الابتكار ذاته؛ فترتيب الأردن في مخرجات الابتكار جاء أقل من ترتيبه في مدخلاته. المعنى أن جزءاً من الجهد المعرفي والاستثمار في الابتكار لا يتحول بالقدر الكافي إلى أثر تجاري وإنتاجي ملموس. وهذا هو التحدي الذي يجب أن تنشغل به السياسات الاقتصادية، لا الاكتفاء بالاحتفال بالترتيب.
وفي المقابل، لا يبدأ الأردن من الصفر. لديه نقاط قوة مهمة في الصادرات الإبداعية، وتطوير التجمعات الاقتصادية، وإنشاء تطبيقات الهاتف المحمول، كما يظهر تعاون البحث والتطوير بين الجامعات والصناعة في موقع أفضل نسبياً من مؤشرات أخرى. لكنها تبقى نقاطاً متفرقة ما لم تُربط بسياسة واضحة للتسويق التجاري للبحث العلمي.
المطلوب اليوم ليس مؤتمرات إضافية عن الابتكار، بل قرارات تنفيذية. أولها أن تصبح الجامعات مسؤولة عن أثر اقتصادي قابل للقياس، لا عن عدد الأبحاث المنشورة فقط. يجب أن يُسأل كل مركز بحثي: كم براءة سجل؟ كم ترخيصاً تقنياً منح؟ كم شركة ناشئة خرجت منه؟ وكم حقق من شراكات مع الصناعة؟
ثانياً، يحتاج الأردن إلى تمويل منظم للمرحلة الأكثر هشاشة في رحلة الابتكار: بناء النموذج الأولي، واختبار المنتج، وحماية الملكية الفكرية، والدخول إلى السوق الأول. فالتمويل التقليدي لا يخاطر بفكرة غير مكتملة، ورأس المال الجريء لا ينتظر طويلاً قبل ظهور مؤشرات تجارية. هنا تحديداً تظهر قيمة الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص.
ثالثاً، تستطيع الحكومة أن تكون أول عميل للابتكار الأردني. حلول المياه والطاقة والصحة والتعليم والخدمات الرقمية لا تحتاج إلى البحث عن مشكلة؛ فالمشكلة موجودة في السوق المحلي. وعندما تمنح المؤسسات العامة فرصة تجريب منضبطة للمنتج المحلي، فإنها لا تدعم شركة واحدة فقط، بل تمنحها سجلاً تجارياً يسمح لها بالتوسع والتصدير.
الرصيد المعرفي الأردني حقيقي، لكنه لن يتحول إلى اقتصاد أقوى إلا عندما يصبح البحث مشروعاً، والمشروع براءة، والبراءة منتجاً، والمنتج صادرات ووظائف. المرتبة الأولى في المقالات إنجاز نفخر به، لكن الاقتصاد لا يكتفي بما نكتبه؛ بل بما نملكه ونحوّله إلى قيمة في السوق.
* مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر