البرازيل على مفترق طرق: هل يقود فوز بولسونارو إلى تحالف أمريكي–إسرائيلي جديد في أمريكا اللاتينية؟

18/10/2026

كتب حسين الديك لا تبدو الانتخابات الرئاسية البرازيلية مجرد منافسة على السلطة بين اليمين واليسار، بل تمثل اختبارًا استراتيجيًا لمستقبل التوازنات السياسية في أمريكا اللاتينية، ولطبيعة علاقة أكبر دول المنطقة بالولايات المتحدة وإسرائيل. فالبرازيل، بما تمتلكه من ثقل سكاني واقتصادي وعسكري وجغرافي، ليست دولة عادية في المعادلة الإقليمية، بل قوة قادرة على التأثير في اتجاهات القارة، وعلى تعزيز استقلالية القرار اللاتيني أو إعادة توجيهه نحو المحور الأمريكي.

في هذا السياق، يكتسب احتمال فوز فلافيو بولسونارو، مرشح اليمين وابن الرئيس السابق جايير بولسونارو، أهمية تتجاوز حدود السياسة الداخلية. إذ قد يفتح الطريق أمام تحول في السياسة الخارجية البرازيلية، يعيد التقارب مع واشنطن وتل أبيب إلى صدارة الأولويات، ويضعف أحد أهم مراكز الثقل اليساري في أمريكا اللاتينية، الذي يمثله الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.

الانتخابات البرازيلية ومعركة الاتجاه الاستراتيجي

بحسب الأرقام الواردة في معطيات المشهد الانتخابي، حصل فلافيو بولسونارو على 47.03% من الأصوات في الجولة الأولى، مقابل 45.16% للولا، ليتأهل المرشحان إلى جولة الإعادة المقررة في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد إخفاق أي منهما في تجاوز عتبة 50%.

وتكشف هذه النتائج عن انقسام سياسي واجتماعي عميق، وعن منافسة لا تحسمها الفوارق المحدودة في الأصوات وحدها، بل تتأثر أيضًا بقدرة المرشحين على استقطاب الممتنعين عن التصويت، وبالتحولات التي أفرزتها الانتخابات التشريعية وانتخابات حكام الولايات. كما أن التقدم الذي حققه اليمين في المؤسسات التشريعية يعزز قدرته على التأثير في السياسات العامة، حتى في حال عدم حصوله على الرئاسة.

وعليه، فإن المعركة لا تتعلق فقط بمن سيجلس في القصر الرئاسي، وإنما بمن سيحدد موقع البرازيل في النظام الدولي: هل تستمر في تبني سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، تحافظ على علاقاتها مع القوى الكبرى وتدافع عن استقلالية القرار الوطني، أم تتجه نحو اصطفاف أوثق مع الولايات المتحدة وحلفائها؟

من التقارب مع واشنطن إلى إعادة ترتيب العلاقة مع إسرائيل

إن فوز فلافيو بولسونارو قد يعيد إحياء النهج الذي ارتبط بالرئاسة السابقة لوالده، والقائم على التقارب السياسي والأيديولوجي مع التيارات اليمينية المحافظة في الولايات المتحدة، وتعزيز العلاقات مع إسرائيل. وفي هذا السيناريو، قد تصبح إعادة بناء الشراكة مع واشنطن وتل أبيب أحد محاور إعادة توجيه السياسة الخارجية البرازيلية.

وقد ينعكس هذا التحول على الموقف البرازيلي من القضية الفلسطينية، وعلى علاقات برازيليا بالدول العربية، وعلى تصويتها داخل الأمم المتحدة، فضلًا عن موقفها من قضايا الاحتلال والاستيطان والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ومن بين السيناريوهات التي قد تطرح نفسها، إعادة النظر في مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وتوسيع التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي معها، وصولًا إلى بحث نقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس. غير أن هذا الاحتمال يظل مشروطًا بقرارات الحكومة المقبلة، وبحساباتها الداخلية والدولية، ولا يمكن التعامل معه باعتباره نتيجة حتمية لفوز اليمين.

فالبرازيل دولة ذات مصالح اقتصادية واسعة، وترتبط بعلاقات تجارية ودبلوماسية مهمة مع الصين والدول العربية، كما أن سياستها الخارجية تتأثر بمؤسسات الدولة والكونغرس والرأي العام، وليس بالتوجهات الشخصية للرئيس وحدها.

كولومبيا نموذجًا: هل تصبح القدس بوابة التحول؟

يكتسب هذا السيناريو دلالة إضافية في ضوء التحرك الكولومبي نحو افتتاح سفارة في القدس، وهو تطور يمكن أن يشكل سابقة سياسية لدول أخرى في أمريكا اللاتينية، إذا قررت حكوماتها إعادة ترتيب علاقاتها مع إسرائيل. لكن المقارنة بين البرازيل وكولومبيا تظل محدودة؛ فالبرازيل أكبر بكثير من حيث الوزن الاقتصادي والديمغرافي والدبلوماسي، كما أن مصالحها الدولية أكثر تنوعًا وتشابكًا.

وإذا قررت حكومة بولسونارو نقل السفارة إلى القدس، فإن الخطوة لن تكون مجرد تغيير في الموقع الجغرافي للتمثيل الدبلوماسي، بل ستعكس تحولًا سياسيًا في مقاربة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وتحديًا للمواقف الدولية التي لا تعترف بالسيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية المحتلة. وقد تؤدي كذلك إلى توتر العلاقات

مع دول عربية وإسلامية، وتؤثر في صورة البرازيل بوصفها دولة تدافع عن التعددية الدولية واستقلالية القرار الدبلوماسي.

ومع ذلك، فإن إعادة العلاقات مع إسرائيل لا تعني بالضرورة انضمام البرازيل إلى تحالف سياسي وعسكري متكامل تقوده واشنطن. فالتقارب الثنائي، حتى لو شمل التعاون الأمني والتكنولوجي، يختلف عن الالتزام بمحور استراتيجي موحد، وهو ما يجعل توصيف التحول المحتمل بحاجة إلى التمييز بين الاصطفاف السياسي والشراكة المؤسسية طويلة الأمد.

سقوط اليسار البرازيلي: تداعيات تتجاوز الحدود

يمثل فوز بولسونارو، في حال تحققه، تحديًا مهمًا لليسار في أمريكا اللاتينية، ليس بسبب خسارة الرئاسة البرازيلية وحدها، وإنما لأن البرازيل تمتلك القدرة على التأثير في التوازنات داخل القارة، وفي دور التكتلات الإقليمية، وفي مستقبل التعاون بين دول الجنوب العالمي.

فخلال ولاية لولا الحالية، سعت برازيليا إلى تعزيز العلاقات مع الصين، وتوسيع دور مجموعة بريكس، والدفاع عن نظام دولي متعدد الأقطاب، إلى جانب منح القضية الفلسطينية مساحة واضحة في خطابها الدبلوماسي. ومن شأن تغير القيادة أن يعيد فتح النقاش بشأن أولويات هذه السياسة، وحدود استقلالية البرازيل عن واشنطن، ومستقبل دورها في المؤسسات الدولية.

لكن الحديث عن سقوط "قلعة اليسار" في أمريكا اللاتينية قد يكون سابقًا لأوانه. فنتيجة الانتخابات البرازيلية، مهما كانت، لن تحدد وحدها مستقبل اليسار في القارة، الذي يتأثر بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في كل دولة، وبقدرة الأحزاب والحركات السياسية على تجديد برامجها وبناء تحالفات انتخابية مستقرة.

كما أن الرئيس الجديد لن يتحرك في فراغ سياسي. فالتركيبة التشريعية المنقسمة ستفرض عليه التفاوض مع قوى الوسط، فيما ستبقى المصالح التجارية البرازيلية وعلاقاتها مع الصين والدول العربية عوامل تحد من إمكانية حدوث انعطاف خارجي كامل وسريع.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل البرازيل

أولًا، التحول الاستراتيجي نحو واشنطن وتل أبيب: في حال فوز بولسونارو، قد تتوسع الشراكة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتغير المواقف الدبلوماسية من بعض ملفات الشرق الأوسط، مع احتمال طرح نقل السفارة

إلى القدس. وسيكون مدى هذا التحول مرتبطًا بقدرة الحكومة على تحويل التقارب السياسي إلى قرارات مؤسسية.

ثانيًا، التقارب اليميني مع الحفاظ على التوازنات الاقتصادية: قد تتبنى الحكومة خطابًا أكثر انسجامًا مع واشنطن وتل أبيب، لكنها تتجنب خطوات دبلوماسية مكلفة حفاظًا على المصالح التجارية والعلاقات مع الصين والدول العربية، وهو ما يجعل التحول انتقائيًا لا شاملًا.

ثالثًا، استمرار التعددية الدولية : في حال فوز لولا، يُرجح استمرار النهج الذي يمنح التعددية الدولية والتعاون مع دول الجنوب العالمي أولوية أكبر، مع بقاء الخلافات مع الحكومة الإسرائيلية بشأن الحرب في غزة والقضية الفلسطينية، ومحاولة الحفاظ على مساحة مستقلة للحركة البرازيلية في النظام الدولي.

معركة على موقع البرازيل في العالم

تتجاوز أهمية الانتخابات البرازيلية حدود التنافس بين لولا وبولسونارو؛ فهي اختبار لقدرة دولة كبرى في الجنوب العالمي على الحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي في ظل الاستقطاب الدولي المتزايد.

إن فوز فلافيو بولسونارو قد يمنح واشنطن وتل أبيب شريكًا أكثر تقاربًا معهما أيديولوجيًا وسياسيًا في أمريكا اللاتينية، ويضعف موقع اليسار البرازيلي، لكنه لا يضمن تلقائيًا انتقال البلاد إلى تحالف أمريكي–إسرائيلي متكامل. فذلك سيظل مرهونًا بتوازنات الكونغرس، وحسابات الاقتصاد، والعلاقات الدولية، وموقف المجتمع البرازيلي.

والسؤال الاستراتيجي الأهم ليس ما إذا كانت البرازيل ستقترب من الولايات المتحدة وإسرائيل فحسب، بل ما إذا كان هذا الاقتراب سيعيد تعريف دورها الدولي: من قوة تسعى إلى بناء نظام متعدد الأقطاب إلى شريك أكثر اندماجًا في الاستراتيجية الأمريكية. وفي هذه المعادلة، لن تكون القدس وحدها مؤشر التحول، بل ستتحدد دلالته أيضًا من خلال مواقف برازيليا من فلسطين، والصين، وبريكس، والتعاون مع الدول العربية، ومستقبل استقلالية القرار في أمريكا اللاتينية

"بروفيسور حسين الديك الخبير في الشؤون الامريكية"