بسام زكارنة يكتب لوطن: من راشيل كوري إلى هايدي ليفين… حين تقف أمريكا مع إسرائيل ضد مواطنيها

17/10/2026

لم يكن الاعتداء الذي تعرضت له الصحفية الأميركية هايدي ليفين مراسلة صحيفة «واشنطن بوست» على أيدي مستوطنين إسرائيليين أثناء تغطيتها موسم قطف الزيتون في قرية أبو فلاح شرق رام الله مجرد اعتداء على صحفية تؤدي واجبها المهني بل واقعة تكشف مجدداً طبيعة الجرائم التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني وحجم الحماية التي يتمتع بها مرتكبوها في ظل غياب المحاسبة الحقيقية.

لكن ما يجعل هذه الحادثة أكثر دلالة هو أن الضحية صحفية أميركية فهل تدفع جنسيتها الإدارة الأميركية إلى اتخاذ موقف حازم يطالب بمحاسبة المعتدين أم أن الانحياز الأميركي لإسرائيل سيبقى أقوى من واجب حماية المواطنين الأميركيين أنفسهم؟ هذا السؤال يعيدنا إلى راشيل كوري الشابة الأميركية التي وقفت عام 2003 في رفح بجسدها محاولةً حماية منزل فلسطيني من الهدم فدهستها جرافة إسرائيلية وقتلتها أمام أنظار العالم ومع ذلك لم نشهد غضباً أميركياً يتناسب مع فداحة الجريمة ولا ضغطاً حاسماً يفرض المساءلة والعدالة ولا محاسبة جنائية توازي خطورة ما ارتُكب بحقها كانت راشيل مواطنة أميركية لكن جنسيتها لم تكن كافية لحمايتها من البطش الاسرائيلي ولم تجعل حياتها أولوية لدى إدارة فضّلت حماية إسرائيل من المساءلة على إنصاف مواطنتها و احترام القانون الدولي و الانساني و القيم الامريكية التي يتشدقوا بها .
رحلت راشيل وبقيت جنازير الجرافات الإسرائيلية تواصل طريقها فوق الأرض الفلسطينية تدوس البيوت والأحلام والأجساد وتحصد أرواح الفلسطينيين بمن فيهم الأطفال فيما يتواصل الصمت الأميركي والتواطؤ السياسي الذي يمنح الاحتلال غطاءً لمواصلة جرائمه اختلط دم راشيل بدماء الفلسطينيين لتصبح قصتها شاهداً على أن آلة القتل الإسرائيلية لا تميّز بين فلسطيني وأميركي حين يقف في طريقها وأن الموقف الأميركي لا تحكمه دائماً قيم العدالة وحقوق الإنسان بل دائما تحكمه اعتبارات الانحياز السياسي وحماية إسرائيل من العقاب.
وتتكرر الصورة في قضية الصحفية شيرين أبو عاقلة الفلسطينية الأميركية التي قتلت برصاص القوات الإسرائيلية في مخيم جنين عام 2022 ورغم الاعتراف الأميركي بأن جندي اسرائيلي كان مسؤولاً عن مقتلها لم تطلب امريكا محاسبته و لم تفضِ الجهود الدولية  إلى محاسبة  إسرائيل بما يتناسب  مع الجريمة بحماية الفيتو الأمريكي كما قُتل مواطنون أميركيون آخرون على أيدي القوات الإسرائيلية أو في سياق اعتداءات المستوطنين من بينهم عمر أسعد وتوفيق عبد الجبار وعائشة نور إيجي إيغي من دون أن نشهد موقفاً أميركياً حازماً يضع المحاسبة الفعلية في مقدمة الأولويات بل شمرت عن إيديها و أظهرت انيابها ضد المحاكم الدولية و فرضت عقوبات عليها عندما قررت محاكمة مجرمي الحرب الاسرائيلين .
إن القضية هنا لا تتعلق بجنسية الضحايا وحدها بل بمبدأ العدالة نفسه فالولايات المتحدة التي تقدم نفسها بوصفها حامية للحريات وحقوق الإنسان يفترض أن تقف ضد قتل المدنيين والأطفال والاعتداء على الصحفيين أياً كانت جنسياتهم وأن تطالب بمحاسبة الجناة سواء كانوا أصدقاء أو حلفاء لكن الواقع يكشف ازدواجية واضحة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل وتزداد المفارقة وضوحاً أمام ما يتعرض له الفلسطينيون من قتل وتهجير وتدمير ومن جرائم ارتكبها مستوطنون بينها حرق الطفل محمد أبو خضير عام 2014 وحرق عائلة دوابشة في دوما عام 2015 ومع استمرار الجرائم تواصل الإدارات الأميركية المتعاقبة تقديم الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل بينما لا يرتقي الضغط الأميركي إلى مستوى فرض احترام القانون الدولي ومحاسبة المسؤولين.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل تتحرك السياسة الأميركية وفق مصالح المواطنين الأميركيين ومبادئ العدالة التي تعلنها أم أن نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل امريكا يجعل حماية إسرائيل من العواقب أولوية تتقدم على حقوق الضحايا حتى عندما يكون الضحايا أميركيين؟ إن تأثير هذه الجماعات في السياسة الأميركية يستحق النقاش والمساءلة لكن المسؤولية النهائية تبقى على عاتق الإدارة التي تتخذ القرارات وتملك أدوات الضغط.
وإذا كانت الإدارات الأميركية لا تتخذ موقفاً حازماً عندما يتعرض مواطنوها للقتل أو الاعتداء على أيدي إسرائيليين فكيف يمكن للفلسطينيين أن ينتظروا منها إنصافهم وهم يواجهون الاحتلال وجرائمه يومياً؟ وكيف يمكن تصديق الحديث عن السلام وحقوق الإنسان بينما يستمر الدعم لإسرائيل من دون ضمانات جدية لوقف الجرائم وتحقيق العدالة؟.
إن الاعتداء على الصحفية هايدي ليفين يجب ألا يُنظر إليه كحادثة منفصلة بل كاختبار جديد لمصداقية الولايات المتحدة فالمطلوب ليس بيان استنكار عابراً بل موقف واضح يطالب بمحاسبة المعتدين ويحمي الصحفيين والمدنيين ويضع حداً للإفلات من العقاب.
من راشيل كوري إلى شيرين أبو عاقلة وصولاً إلى الصحفية المسنة هايدي ليفين تتكرر الأسئلة نفسها وتبقى العدالة غائبة فهل تنتصر الولايات المتحدة يوماً لمبادئها عندما يكون المعتدي إسرائيل؟ أم سيظل شعار «أميركا أولاً» خاضعاً لواقع سياسي تبدو فيه إسرائيل أولاً حتى على حساب مواطني أميركا نفسها؟.