أبو فلاح.. قرية على خط المواجهة

16/10/2026

رام الله – وطن للأنباء: يواجه أهالي قرية أبو فلاح شمال شرق رام الله هجمات متواصلة من المستوطنين تستهدف المزارعين وأشجار الزيتون والممتلكات، في ظل تصاعد الاعتداءات التي تحوّل حياة السكان إلى حالة من الاستنفار الدائم، وتدفعهم إلى تنظيم جهود شعبية لحماية أراضيهم ومنازلهم والتصدي للهجمات.

وكانت القرية، اليوم الجمعة، على موعد مع هجوم جديد، حين هاجمت مجموعات كبيرة من المستوطنين المزارعين وقاطفي الزيتون في المنطقة الشرقية، واعتدت عليهم بالضرب، وأحرقت أشجار زيتون، فيما أصيب مواطن بالرصاص الحي في الفخذ، وأصيب مواطنان آخران بالضرب، بينهما سيدة تبلغ من العمر 63 عاما وشاب يبلغ 40 عاما.

وامتدت الهجمات إلى الصحافة، إذ أصيبت مراسلة صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية هايدي ليفين، البالغة 63 عاما، بكسور وجروح جراء اعتداء المستوطنين عليها أثناء تغطيتها قطف الزيتون، ونقلت إلى أحد مستشفيات رام الله لتلقي العلاج.

وخلال الهجوم، أطلقت قوات الاحتلال الرصاص الحي وقنابل الغاز السام باتجاه المواطنين، فيما حاول الأهالي التصدي للمستوطنين ومنعهم من مواصلة الهجوم على المزارعين والأراضي الزراعية.

ولا تبدو هذه الهجمات حادثا منفصلا عن واقع القرية، التي باتت المواجهة فيها جزءا من الحياة اليومية، في ظل تكرار اقتحام الأراضي ومهاجمة السكان وتخريب الممتلكات وإحراق الأشجار والمركبات، بالتزامن مع تصاعد هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية خلال موسم قطف الزيتون، الذي يشكل مصدر رزق أساسيا للعائلات وارتباطا متجذرا بالأرض.

هجمات دامية وذاكرة لا تنسى
تحمل أبو فلاح في ذاكرتها هجمات دامية أوقعت شهداء وجرحى، وتركت آثارا عميقة في حياة الأهالي وشعورهم بالأمان. ففي 8 آذار/مارس 2026، استشهد ثائر وفارع حمايل برصاص مستوطنين خلال هجوم على القرية، فيما استشهد محمد مرّة إثر استنشاق الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته قوات الاحتلال خلال اقتحامها المكان.

ولم تتوقف الهجمات عند سقوط الشهداء، بل شملت مهاجمة المواطنين وممتلكاتهم، واستهداف أشجار الزيتون وإحراق المركبات، إلى جانب هجمات على أطراف القرية ومحاولات الوصول إلى المنازل.

وتضع هذه الوقائع السكان أمام واقع يتجاوز استهداف المزارعين في أراضيهم، ليطال أمن العائلات وممتلكاتها، ويجعل الوصول إلى الحقول أو محاولة حمايتها محفوفا بمخاطر المواجهة، في ظل مخاوف مستمرة من هجمات جديدة.

بؤر استيطانية تحاصر الأراضي الزراعية
وترتبط الهجمات التي تشهدها أبو فلاح بواقع الاستيطان المحيط بها، إذ تقع القرية وأراضيها الزراعية بالقرب من مستوطنات وبؤر استيطانية تجعل المناطق المحاذية عرضة لهجمات متكررة.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، شهدت القرية تصاعدا في هجمات المستوطنين عقب إقامة بؤرة استيطانية جديدة جنوب شرقها في نيسان/أبريل 2024. ووثق المكتب 20 هجوما أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات منذ إقامة البؤرة، بعدما لم يكن قد سجل هجمات في القرية ضمن توثيقه منذ عام 2006 وحتى إقامة البؤرة الجديدة.

وتضاعف هذه الهجمات الأعباء على المزارعين الذين يعتمدون على أراضيهم وأشجار الزيتون لتأمين مصدر رزقهم، ويواجهون مخاطر متزايدة عند الوصول إلى حقولهم، سواء بسبب الهجمات المباشرة أو تخريب الأشجار والممتلكات.

ويقول أهالي القرية إن التحريض ضدهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي مستمر، ويتضمن دعوات إلى إحراق المنازل وإقامة بؤر استيطانية جديدة على أطراف القرية، ما يزيد مخاوفهم من هجمات جديدة، خصوصا في المناطق القريبة من التجمعات الاستيطانية.

ويحمّل الأهالي قوات الاحتلال مسؤولية الهجمات، ويتهمونها بالتدخل لصالح المستوطنين بعد اندلاع المواجهات، عبر إطلاق الغاز والذخيرة باتجاه المواطنين، بدلا من منع المهاجمين من استهداف الأراضي والممتلكات.

حراسة شعبية لحماية القرية والأرض
في مواجهة هذا الواقع، يعتمد أهالي أبو فلاح على لجان حراسة شعبية تتناوب على رصد تحركات المستوطنين، خصوصا خلال ساعات الليل، وتنبيه السكان عند رصد تحركات مريبة أو اقتراب مجموعات من أطراف القرية، بما يتيح للأهالي التجمع والتصدي للهجمات.

ويقول الأهالي إن يقظة هذه اللجان أسهمت في إفشال هجمات ومحاولات اعتداء سابقة، فيما تبقى حالة الاستنفار قائمة مع تزايد المخاوف من عودة المستوطنين في أي لحظة. ويتحرك الشبان والسكان لحماية الأراضي والمنازل والمزارعين، في مواجهة تتجاوز الدفاع عن الممتلكات إلى التمسك بحقهم في البقاء على أرضهم والوصول إليها وزراعتها.

ومع موسم قطف الزيتون، تتضاعف المخاوف من استهداف الأشجار والمزارعين، في وقت يفترض أن يكون فيه الموسم فرصة لجني المحصول وتأمين احتياجات العائلات، لا مناسبة جديدة للتهديد والهجمات.

في أبو فلاح، تتجاوز المعركة أشجار الزيتون ومحصولها إلى الأرض والوجود الفلسطيني نفسه؛ فالحفاظ على الأشجار، والوصول إلى الحقول، واستمرار العائلات في منازلها، كلها أشكال من التمسك بالأرض في مواجهة الهجمات ومحاولات التضييق.

وبين الهجمات المتكررة والاستنفار الشعبي، يواصل أهالي القرية الدفاع عن أراضيهم وممتلكاتهم، متمسكين بحقهم في البقاء، رغم الخسائر والمخاطر التي تلاحقهم، وإصرارهم على ألا تتحول الاعتداءات إلى وسيلة لحرمانهم من أرضهم ومصدر رزقهم.