نتنياهو بين صواريخ إيران وصناديق الاقتراع.. هل تصبح الحرب طوق نجاة انتخابي؟

15/10/2026

 كتب إسماعيل الريماوي: مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، يجد بنيامين نتنياهو نفسه أمام معركة تتجاوز التنافس على مقاعد الكنيست، لتلامس مستقبله السياسي وقدرته على البقاء في السلطة، وفي هذا التوقيت الحساس، يعود التهديد الإيراني إلى واجهة المشهد، لا بوصفه قضية أمنية فحسب، بل باعتباره عاملاً قد يؤثر في خيارات الناخب الإسرائيلي واتجاهات التصويت.

حين يلوّح نتنياهو بردّ لا تستطيع إيران تخيّله إذا حاولت مهاجمة إسرائيل، ثم يقول إن الدخول في مواجهة عسكرية قبل الانتخابات ليس مناسباً، فإن تصريحاته تفتح الباب أمام تساؤلات سياسية تتجاوز مضمون التحذير نفسه: هل يسعى إلى تجنب حرب قد تنقلب عليه انتخابياً، أم يريد إبقاء شبح المواجهة حاضراً لتوجيه النقاش العام بعيداً عن إخفاقاته الداخلية؟
لا يمكن الجزم بأن نتنياهو يخطط لتعطيل الانتخابات، فلا توجد أدلة كافية تثبت ذلك، لكن من المشروع سياسياً التساؤل عن كيفية توظيف التهديدات الأمنية في معركة انتخابية تتوقف نتائجها على قدرة رئيس الحكومة على إقناع الإسرائيليين بأنه لا يزال الرجل الأكثر أهلية لقيادة الدولة.
من إخفاق السابع من أكتوبر إلى ورقة إيران
تلاحق نتنياهو مسؤولية الإخفاق الأمني الذي كشفته أحداث السابع من أكتوبر، وما ترتب عليها من حرب مدمرة وتداعيات سياسية وأمنية عميقة، وعلى الرغم من محاولاته تقديم نفسه بوصفه القائد الذي أعاد ترميم قوة الردع الإسرائيلية، فإن السؤال الذي يواجهه داخل المجتمع الإسرائيلي لم يتوقف عند حجم العمليات العسكرية، بل امتد إلى النتائج التي حققتها، وإلى الثمن الذي دفعته إسرائيل، وإلى مستقبل الأمن الذي وعد به حكوماته المتعاقبة.
في مثل هذه الظروف، يشكل التهديد الإيراني مادة انتخابية قابلة للاستثمار. فبدلاً من أن تبقى الحملة أسيرة الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية عن الإخفاقات، يمكن نقل مركز الاهتمام إلى خطر خارجي يُقدَّم باعتباره تهديداً وجودياً يتطلب قيادة حازمة وخبرة أمنية.
وهنا تكمن أهمية الخطاب الذي يستخدمه نتنياهو: فهو لا يتحدث عن خصم عسكري عادي، بل عن إيران وبرنامجها النووي وما يصفه بمحور إقليمي معادٍ لإسرائيل، وبهذا يضع الناخب أمام معادلة سياسية مفادها أن تغيير القيادة في لحظة التهديد قد يحمل مخاطر إضافية.
لكن هذه المعادلة ليست مضمونة النتائج، فالناخب الذي يبحث عن قائد قوي قد يجد في التصعيد دليلاً على الحزم، بينما قد يرى ناخب آخر أن استمرار التهديدات، بعد سنوات من الحروب والعمليات العسكرية، دليل على أن الوعود الأمنية لم تحقق الاستقرار المنشود.
هل يريد تأجيل الانتخابات؟
الحديث عن استعدادات إسرائيلية لاحتمال إطلاق صواريخ إيرانية بالتزامن مع فتح مراكز الاقتراع يضيف بعداً حساساً إلى المشهد، فتعرض إسرائيل لهجوم في يوم الانتخابات قد يفرض ترتيبات أمنية استثنائية، ويثير أسئلة بشأن سلامة التصويت وإمكان استمرار العملية الانتخابية بصورة طبيعية.
لكن الاستعداد لسيناريو أمني لا يعني بالضرورة وجود خطة لتعطيل الاقتراع، كما أن التحذيرات من هجوم محتمل لا تثبت وحدها أن نتنياهو يسعى إلى خلق ذريعة لتأجيل الانتخابات.
مع ذلك، فإن الخشية السياسية لا تتعلق فقط بموعد التصويت، بل أيضاً بإمكان استغلال حالة الطوارئ لتغيير طبيعة المنافسة، ففي أجواء الخطر، تتراجع أحياناً الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد والفساد والمسؤولية السياسية، ويتقدم خطاب الوحدة الوطنية والأمن القومي، بما قد يمنح الحكومة القائمة فرصة لإعادة ترتيب أولويات الناخبين.
وإذا طُرحت فكرة تأجيل الانتخابات فعلياً، فسيكون من الضروري إخضاعها لتدقيق قانوني وسياسي صارم، والتأكد من أن أي إجراء استثنائي يستند إلى ضرورة حقيقية، لا إلى مصلحة انتخابية لحزب أو رئيس حكومة.
نتنياهو لا يريد حرباً بلا ضمانات
تكشف إشارة نتنياهو إلى أن المواجهة العسكرية قبل الانتخابات ليست مناسبة لإسرائيل عن معضلة واضحة، فهو يريد الحفاظ على صورة القائد المستعد للرد على إيران، لكنه يدرك أن الدخول في حرب جديدة لا يضمن له مكسباً انتخابياً.
فإذا حققت إسرائيل نتائج عسكرية سريعة، فقد يستثمرها لتعزيز صورته الأمنية، أما إذا تعرضت المدن الإسرائيلية لضربات مؤلمة، أو طال أمد المواجهة، أو ارتفعت الخسائر البشرية والاقتصادية، فقد تتحول الحرب إلى عبء انتخابي يضاف إلى سجل حكومته.
ومن هنا، قد يكون التلويح بالقوة من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة خياراً أكثر ملاءمة لحساباته في هذه المرحلة، فهو يبقي التهديد الإيراني في صدارة المشهد، ويؤكد استعداده للرد، من دون تحمل المخاطر الكاملة لقرار عسكري واسع قبل الاقتراع.
غير أن هذا التفسير يبقى قراءة سياسية محتملة، وليس دليلاً على أن نتنياهو يتلاعب عمداً بالمعلومات الأمنية أو أن التحذيرات الإسرائيلية من إيران تفتقر إلى أساس واقعي.
بين أمن إسرائيل والبقاء في السلطة
المشكلة الأعمق في التجربة السياسية الإسرائيلية الراهنة هي تداخل الاعتبارات الأمنية مع حسابات البقاء السياسي، فعندما تقترب الانتخابات في ظل تهديدات عسكرية، يصبح من الصعب فصل القرار الأمني عن أثره الانتخابي، خصوصاً حين يكون رئيس الحكومة نفسه طرفاً في معركة سياسية مصيرية.
وقد يحاول نتنياهو تقديم نفسه باعتباره الضمانة الوحيدة في مواجهة إيران، لكن هذا الخطاب يفتح عليه سؤالاً مضاداً: إذا كانت إسرائيل قد أزالت، كما يزعم، معظم التهديدات التي واجهتها، فلماذا يستمر الحديث عن أخطار وجودية تستدعي الاستنفار الدائم؟
إن القوة العسكرية لا تُقاس بالتصريحات وحدها، كما أن الأمن لا يتحقق بمجرد إعلان الانتصارات، وفي نهاية المطاف، سيحاسب الناخبون نتنياهو على النتائج، لا على حجم التهديدات التي يطلقها ولا على عدد المرات التي يتوعد فيها خصومه.
صواريخ إيران أم صناديق الاقتراع؟
قد تكون إيران مصدر قلق أمني حقيقياً لإسرائيل، لكن اقتراب الانتخابات يمنح هذا الملف وزناً سياسياً إضافياً، ومن حق المراقبين التساؤل عما إذا كان نتنياهو يريد تجنب حرب غير مضمونة النتائج، أم يسعى إلى إبقاء المجتمع الإسرائيلي في أجواء استنفار تساعده على استعادة المبادرة الانتخابية.
أما فرضية تعطيل الانتخابات إذا شعر باحتمال خسارته، فلا يجوز تحويلها إلى حقيقة من دون أدلة، لكن من الضروري مراقبة أي خطوات استثنائية قد تمس موعد الاقتراع أو نزاهته، والفصل بين ما تفرضه الضرورات الأمنية وما قد تمليه المصالح السياسية.
في المحصلة، تبدو معركة نتنياهو أكبر من مواجهة محتملة مع إيران؛ إنها معركة على صورته السياسية ومستقبله في الحكم، وبينما يلوّح بالصواريخ والردع والتهديد النووي، تبقى صناديق الاقتراع هي الاختبار الذي لا يستطيع تجاوزه بالخطابات وحدها.
فالسؤال الذي يواجه إسرائيل اليوم ليس فقط: هل ستهاجم إيران؟ بل أيضاً: هل يستطيع نتنياهو إقناع الإسرائيليين بأنه ما زال قادراً على حمايتهم، أم أن التهديدات التي يستند إليها ستتحول إلى شهادة على إخفاق وعوده الأمنية؟