
وطن للأنباء: في ظل الأزمة التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية، وما تواجهه حركة «فتح» من تحديات سياسية وتنظيمية، تتصاعد الدعوات إلى مراجعة التجربة وإعادة بناء المؤسسات الداخلية، بما يمكّن الحركة من استعادة دورها الوطني ومواجهة التحولات التي تمر بها القضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، يؤكد د. مروان طوباسي، عضو المجلس الاستشاري لحركة «فتح»، أن استنهاض الحركة يبدأ من داخلها، عبر مراجعة سياسية وتنظيمية شاملة، وإعادة النظر في الأدوات والرؤى وآليات اتخاذ القرار، مشدداً على أن «الإصلاح مسؤولية مَن يمتلك القرار»، وأن استنهاض فتح يرتبط باستنهاض الحالة الوطنية الفلسطينية عمومًا.
ويقول طوباسي، في حديثه لـبرنامج شد حيلك يا وطن، ويُبث عبر شبكة «وطن» الإعلامية، إن حركة «فتح» تتحمل مسؤولية وطنية كبيرة بحكم اتساعها ودورها التاريخي في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، وإسهامها في إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية في مرحلة ما بعد النكبة، موضحاً أن الحركة لم تنطلق بوصفها حزباً عقائدياً، بل شكلت إطاراً وطنياً جامعاً ساهم في تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية.
ويُضيف أن هذه المسؤولية التاريخية تفرض على الحركة التفكير بطريقة مختلفة، في ضوء التحولات الكبيرة التي طرأت على القضية الفلسطينية، وما تواجهه الحركة الوطنية من أزمات وتحديات، الأمر الذي يستدعي استنهاض فتح وتجديد رؤيتها وأدواتها، بدل الاستمرار في الأساليب ذاتها.
- المؤتمر الثامن لحركة فتح لم ينجح.. وكان فرصة ضائعة للإصلاح
وفي تقييمه للمؤتمر العام الثامن لحركة «فتح»، يعتبر طوباسي أن المؤتمر الثامن للحركة لم ينجح في إحداث التغيير المطلوب، رغم ما أتاحه من فرصة لإعادة التفكير في واقع الحركة وتجديد أدواتها التنظيمية والسياسية.
ويوضح أن المؤتمر، وفق تقييمه، لم يُعقد بما ينسجم مع النظام الأساسي للحركة، مشيراً إلى وجود ملاحظات على مدخلاته، ولا سيما ما يتعلق بالعضوية، وعلى مخرجاته، في ظل عدم إتاحة المجال الكافي لمناقشة الوثائق السياسية والتنظيمية داخل المؤتمر.
ويُضيف أن المؤتمر انتهى إلى تكرار الأدوات ذاتها بدل إحداث مراجعة جدية للتجربة، معتبراً أن المطلوب هو تجديد الرؤية والمفاهيم، وإعادة النظر في الآليات التي تحكم الحياة التنظيمية وصناعة القرار.
ويُشير طوباسي إلى أن عدم تقبل الرأي الآخر داخل الحركة، ومحاولات تهميش بعض المناضلين الذين راكموا تجارب طويلة في العمل الوطني، بمن فيهم أسرى سابقون وشخصيات أدت أدواراً في القيادة الشعبية ومواجهة الاستيطان، ولم تتم دعوتهم إلى المؤتمر، كانت إحدى الإشكاليات الأساسية التي أدت إلى عدم التوصل إلى مُخرجات تنسجم مع متطلبات الحالة الوطنية الراهنة.
وينتقد طوباسي تولي اللجنة المركزية التحضير للمؤتمر، معتبراً أن هذه الآلية لم توفر الشروط اللازمة لضمان مشاركة تنظيمية واسعة ومستقلة، مشيراً إلى أن ترتيب المؤتمر، حافظ على مراكز النفوذ والمصالح داخل الحركة بدل فتح الطريق أمام تغيير حقيقي.
ويُشدد على ضرورة إعادة النظر في مدخلات المؤتمر ومخرجاته، وتوسيع المشاركة والتعددية الفكرية والتنظيمية، والالتزام بالأطر المنصوص عليها في النظام الأساسي للحركة، بما فيها المؤتمر الحركي العام.
- أزمة فتح بُنيوية.. واستنهاضها مدخل لاستنهاض الحالة الوطنية الفلسطينية
ويرى طوباسي أن الأزمة التي تواجهها حركة «فتح» لا يمكن فصلها عن الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام السياسي الفلسطيني، مشيراً إلى أن اختلالات الحركة انعكست على النظام السياسي، بحكم دورها المركزي في تأسيسه وقيادته.
ويؤكد أن معالجة هذه الأزمة تتطلب مراجعة سياسية لمفاصل ومحطات رئيسية في مسيرة الحركة، وصولاً إلى الواقع الراهن، مع ضرورة التحلي بالوضوح والمصارحة مع الذات ومع الشعب الفلسطيني.
ويقول إن استنهاض فتح لا يقتصر على إصلاح بعض الإجراءات التنظيمية، بل يستوجب مراجعة التجربة السياسية، وتقييم ما تحقق وما أخفق، والبحث في أسباب الوصول إلى الأزمة الحالية، بما يشمل مراجعة المسار السياسي منذ اتفاق أوسلو.
ويُشدد على أن أي عملية إصلاح جادة تحتاج إلى توفير مناخ داخلي يسمح بسماع الآراء المختلفة وتداول الأفكار بحرية، محذراً من أن استمرار إقصاء الأصوات المخالفة وغياب النقاش قد يقودان إلى تراجع الحركة وتآكل دورها، وصولاً إلى مصير الاندثار الذي واجهته أحزاب وحركات سياسية عربية.
- بين حركة التحرر والسلطة.. ضرورة مراجعة الدور
وفي سياق حديثه عن مستقبل الحركة، يؤكد طوباسي ضرورة التمييز بين دور «فتح» بوصفها حركة تحرر وطني، ودورها في إدارة السلطة، معتبراً أن هذا الفصل يتطلب رؤية سياسية مختلفة تستجيب للتحولات التي تمر بها القضية الفلسطينية.
ويوضح أن فتح نشأت كحركةً وطنيةً تخوض النضال من أجل الاستقلال والتحرر والعودة، وأن استعادة هذا الدور تستوجب تجديد برنامجها السياسي، ومناقشة التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية وانعكاساتها على مستقبل المشروع الوطني.
ويُضيف أن المطلوب هو العودة إلى الرؤية العامة للحركة باعتبارها حركة تحرر وطني، ومراجعة أدواتها السياسية والتنظيمية بما يتناسب مع طبيعة المرحلة، بما يضمن أن تكون قراراتها منسجمة مع المصالح العليا للشعب الفلسطيني.
- مصادرة القرار وغياب القيادة الجماعية يعمّقان أزمة فتح
وفي معرض حديثه عن آليات اتخاذ القرار داخل الحركة، يُشير طوباسي إلى وجود خلل في الحياة التنظيمية، وفي عمل الهيئات التي تتولى اتخاذ القرارات وآليات الوصول إليها، معتبراً أن بعض الممارسات تثير تساؤلات بشأن استقلالية القرار الفتحاوي.
ويُشدد على ضرورة أن يكون القرار داخل الحركة مستقلاً، وأن يصدر عن مؤسساتها وأطرها التنظيمية وفق آليات واضحة، بعيداً عن أي ممارسات تؤدي إلى مصادرة القرار أو حصره في نطاق ضيق.
ويؤكد أن القيادة الجماعية غائبة في المرحلة الراهنة، وأن استعادتها باتت ضرورة للإجابة عن أسئلة المرحلة الصعبة، عبر توسيع النقاش داخل المؤسسات، وإشراك الأطر التنظيمية في صياغة القرارات ومراجعتها قبل إقرارها.
ويُضيف أن عدداً من القرارات اتُّخذ دون أن يخضع، لمراجعة كافية داخل الهياكل التنظيمية، ما أسهم في بروز تباينات في المواقف والآراء السياسية والتنظيمية، في ظل غياب النقاش المؤسسي الذي يتيح عرض مسودات القرارات ومناقشتها.
وفي هذا السياق، يدعو إلى تفعيل دور المجلس الاستشاري وعدم تهميشه، وتوسيع الأطر التي تسمح بتبادل الرأي والحوار، بما يعيد الاعتبار إلى العمل المؤسسي والقيادة الجماعية.
- وحدة فتح تبدأ من الداخل.. "طوباسي" يدعو إلى مراجعة سياسية وتنظيمية شاملة
وفي ما يتعلق بوحدة الحركة، يُشدد طوباسي على ضرورة التمييز بين التعددية الفكرية والسياسية داخل «فتح»، وبين الانشقاق التنظيمي، معتبراً أن معالجة الأزمة يجب أن تبدأ من داخل الحركة نفسها، عبر الحوار مع أبنائها وإعادة بناء العلاقة بين القواعد والقيادة.
ويوضح أن استعادة الوحدة لا ينبغي أن تقتصر على المصالحات بين القيادات والتيارات، بل يجب أن تنطلق من معالجة أسباب التهميش والإقصاء، وتوسيع المشاركة في الأطر التنظيمية، وإتاحة المجال أمام مختلف الآراء للتعبير عن مواقفها.
وفي تعليقه على التيارات داخل الحركة، يُفرّق طوباسي بين تيار الإصلاح الديمقراطي، الذي وصفه بأنه خارج الحركة، وبين الشخصيات والكوادر التي تتبنى رؤى مختلفة داخل الأطر التنظيمية، كما يرفض، في معرض حديثه عن مروان البرغوثي، التعامل مع المؤيدين له باعتبارهم بالضرورة تياراً مستقلاً، مشدداً على أهمية التمييز بين الأشخاص والرؤى السياسية والتنظيمية.
ويؤكد أن الحوار والمصالحة ينبغي أن ينطلقا من توسيع الأطر التنظيمية وإعادة تفعيلها، مع تعزيز دور المجلس الاستشاري، بما يتيح معالجة الخلافات داخل المؤسسات بدل تركها تتفاقم خارجها.
- استعادة الثقة.. من النقد الذاتي إلى الحوار الوطني
وفي رسالته إلى قيادة الحركة، يدعو طوباسي إلى البدء بمراجعة ذاتية جادة، واستعادة الثقة بين فتح وأبنائها، وبين الحركة والشعب الفلسطيني، مؤكداً أن الفلسطينيين حريصون على إصلاح أوضاع الحركة بما يمكّنها من مواجهة التحديات السياسية والوطنية.
ويُشدد على أن الاختلاف في الرأي أمر صحي داخل الحركة، شرط أن تتوفر البيئة التنظيمية التي تسمح بالنقاش والتعددية، وأن تكون هناك رؤية عامة مشتركة تستند إلى دور فتح بوصفها حركة تحرر وطني.
وفي ما يتعلق بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يؤكد أهمية تجميع الصوت الفتحاوي عبر الحوار من داخل الأطر التنظيمية، وتعزيز التواصل مع القيادات والكوادر، بالتوازي مع إطلاق حوار وطني واسع لا يقتصر على القوى والفصائل السياسية وحدها.
ويختم طوباسي بالتأكيد على أن استنهاض فتح لا يمثل شأناً تنظيمياً داخلياً فحسب، بل يرتبط بمستقبل الحالة الوطنية الفلسطينية وقدرتها على مواجهة التحديات الراهنة، معتبراً أن المدخل إلى ذلك يبدأ بالمراجعة والنقد الذاتي، وتجديد الرؤية السياسية، واستعادة القيادة الجماعية، وإتاحة المجال أمام التعددية والحوار، بما يضع المصلحة العليا للشعب الفلسطيني في مقدمة الأولويات.