
أعلن مجلس الوزراء، في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026، رفع مشروع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص إلى الرئيس بعد مناقشته بالقراءة الثالثة. وبحسب الإعلان الحكومي، يهدف المشروع إلى تشجيع استثمار القطاع الخاص في البنية التحتية، وتطوير إدارة الخدمات العامة، وخلق فرص عمل. وهي أهداف تكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها فلسطين. ومع ذلك، فإن المشروع لم يصبح قانونًا نافذًا بعد؛ وسيبقى تقييم أحكامه التفصيلية مرهونًا بنشر النص النهائي والتحقق من صدوره ونفاذه.
تحتاج فلسطين إلى شراكة منظمة بين القطاعين العام والخاص. فالحاجة إلى تطوير مرافق المياه والطاقة والبنية التحتية والخدمات العامة تتزايد، بينما تتعرض المالية العامة لضغوط تحد من قدرة الحكومة على تمويل المشاريع وتنفيذها منفردة. وفي المقابل، يمتلك القطاع الخاص خبرات وقدرات تشغيلية واستثمارية يمكن أن تسهم في تحسين الخدمات وتوفير فرص العمل، إذا توفرت له قواعد واضحة وبيئة تسمح بالتخطيط طويل الأجل.
غير أن خصوصية الحالة الفلسطينية تفرض التعامل بحذر مع هذا النموذج. فالإغلاقات وقيود الحركة والتجارة، والاعتداءات على الأراضي والمنشآت، وعدم استقرار الإيرادات العامة، كلها مخاطر تؤثر في كلفة المشاريع وإمكان تنفيذها. وقد أقرت الحكومة نفسها بهذه التحديات عند عرض أولوياتها الاقتصادية. لذلك لا يكفي نقل مشروع من التمويل الحكومي إلى صيغة الشراكة؛ بل يجب التحقق من جدواه، وإمكان استمراره، وقدرة الدولة والمستثمر والمواطن على تحمل تكلفته ومخاطره.
ومن الناحية القانونية والاقتصادية، ينبغي أن يوفر القانون المرتقب إجابات واضحة عن مسائل اختيار المشاريع والمستثمرين، والمنافسة والشفافية، وإتاحة الأرض والأصول العامة، وتحديد التعرفة ومستوى الخدمة، وتوزيع مخاطر التأخير وتعطل الإيرادات، ومصير المشروع عند انتهاء العقد أو تعثره. كما يجب تقدير الالتزامات التي قد تتحملها الخزينة مستقبلًا، سواء كانت دفعات دورية أو ضمانات أو تعويضات. فتمويل المستثمر لإنشاء مرفق لا يعني بالضرورة أن المرفق بلا كلفة على المال العام. وتؤكد الأدلة المهنية للشراكات ضرورة مقارنة كلفة هذا الخيار ومخاطره ببدائل التنفيذ الأخرى قبل إقراره.
كذلك يتعين بيان علاقة القانون الجديد بالتشريعات النافذة، ولا سيما قواعد الشراء العام ونظام الشراكة بين الهيئات المحلية والقطاع الخاص رقم (27) لسنة 2022، الذي ينظم بالفعل صورًا من الشراكة على المستوى المحلي. فوضوح نطاق تطبيق كل تشريع، ومصير المشاريع والعقود القائمة، شرط لتجنب تضارب الإجراءات والاختصاصات.
لكن الاختبار الحقيقي لجدية الشراكة لا يقع في نص القانون وحده، بل في طريقة تعامل الحكومة مع القطاع الخاص في أعماله اليومية. فلا يستقيم أن يُدعى المستثمر إلى تمويل مرفق وتشغيله لسنوات، بينما يواجه في نشاطه المعتاد إجراءات ضريبية أو ترخيصية أو تشغيلية مرهقة، أو متطلبات متعددة يصعب توقع مدتها وكلفتها. فبيئة الاستثمار تتشكل عند شباك الترخيص، وفي إجراءات الفحص والتحصيل الضريبي، وفي تنفيذ العقد وصرف المستحقات، بقدر ما تتشكل في نصوص قوانين الاستثمار.
وللدولة حق أصيل في فرض الضرائب المستحقة وتحصيلها، ومراقبة الأنشطة الاقتصادية ومواجهة التهرب. غير أن ممارسة هذا الحق يجب أن تستند إلى أسس واضحة، وقرارات مسببة، وإجراءات متناسبة، وضمانات فعالة للاطلاع والاعتراض والمراجعة. ومن الضروري التمييز بين الالتزام الضريبي الثابت والمبالغ التي لا تزال محل فحص أو خلاف، وعدم تحويل إجراءات التحصيل إلى مصدر لاضطراب نشاط المنشأة قبل حسم النزاع وفق الأصول. فاليقين الضريبي وعدالة الإجراءات يحميان إيرادات الدولة، ويمنحان المنشآت القدرة على التخطيط والاستمرار.
وينطبق ذلك على استصدار التراخيص وتجديدها وسائر الموافقات اللازمة للتشغيل. المطلوب شروط معلنة، ومدد إنجاز معقولة، وتنسيق بين الجهات المختصة، وقرار رفض مسبب يمكن مراجعته. وقد أعلنت الحكومة تطوير نظام التراخيص الصناعية، كما طرحت وزارة الاقتصاد الوطني تبسيط الإجراءات وتقليل الأعباء على القطاع الخاص ضمن أولويات تحسين بيئة الأعمال. وهي خطوات إيجابية، لكن أثرها يُقاس بما يحدث فعليًا للمنشآت عند تقديم الطلب ومتابعته وبدء العمل، لا بمجرد إعلان الإصلاح.
وتتصل الثقة كذلك بوفاء الجهات العامة بالتزاماتها. فقد قدر البنك الدولي المتأخرات المستحقة للقطاع الخاص بنحو 1.82 مليار دولار في نهاية عام 2025. وهذا رقم مؤرخ بتلك الفترة، لكنه يبين حجم التحدي الذي تواجهه الشركات عند تقييم مخاطر التعاقد مع القطاع العام. فالتأخر في دفع المستحقات يضعف السيولة ويرفع كلفة التمويل، وقد يدفع المستثمر إلى زيادة سعر عرضه لتعويض المخاطر؛ فتنتقل الكلفة في نهاية المطاف إلى الخزينة أو مستخدم الخدمة.
نعم، يمثل قانون الشراكة ضرورة في هذه المرحلة، ويمكن أن يكون خطوة مهمة لتطوير العلاقة بين القطاعين العام والخاص. لكن نجاحه يتطلب انسجامًا بين التوجه التشريعي وسائر السياسات والإجراءات الحكومية. وتبدأ هذه المهمة من تبسيط الترخيص، وضمان عدالة التقدير والتحصيل الضريبي، واستقرار شروط التشغيل، ومعالجة المستحقات، واحترام العقود، ثم تمتد إلى اختيار مشاريع شراكة قابلة للتنفيذ والإعلان بشفافية عن كلفتها والتزاماتها.
إن القطاع الخاص الفلسطيني، في ظل القيود المفروضة على الاقتصاد الوطني، يحتاج إلى شريك حكومي يطبق القانون بوضوح وثبات، ويصون المال العام وحقوق المستثمر والمواطن معًا. عندها يمكن لقانون الشراكة أن يتحول من وعد تشريعي إلى أداة لتحسين الخدمات وتوسيع الإنتاج وتعزيز صمود الاقتصاد الفلسطيني.