يونس العموري يكتب لوطن: رام الله عاصمة السراب... والسلطة المُستباحة

14/10/2026

 لم تعد رام الله بحاجة إلى من يعلنها عاصمة، فقد تكفلت الوقائع اليومية بتعريفها على نحو مختلف، لا يشبه ما يقال في الخطب السياسية ولا ما تروجه البيانات الرسمية ولا ما تحاول المؤسسات الفلسطينية أن ترسمه من صور الدولة ومظاهرها. رام الله التي تتوسط المشهد السياسي الفلسطيني، وتحتضن مقار السلطة ومؤسساتها ووزاراتها، وتجاور فيها مقار القيادة والفصائل والمجلس التشريعي، باتت تستيقظ على وقع الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة، حتى غدا دخول قوات الاحتلال إلى قلب المدينة مشهدا يكاد يفقد قدرته على إثارة الدهشة، وكأن الأمر لم يعد يتجاوز تفصيلا يوميا في حياة مدينة اعتادت أن ترى سيادتها تنتهك أمام عينيها.

وها هي رام الله، بينما نكتب، تتعرض للاقتحام بالقرب من مقر المجلس التشريعي، في مشهد لا يحتاج إلى كثير من التأويل كي يكشف حقيقة المكان وموقعه في معادلة القوة والسيطرة. فليس ثمة مفارقة أكثر فجاجة من أن يقع الاقتحام في قلب المدينة التي يفترض أنها مركز القرار الفلسطيني، وعلى مقربة من مؤسسة يفترض أنها تمثل الإرادة التشريعية للشعب الفلسطيني، فيما تستمر الحياة السياسية والمؤسسية وكأن الأمر لا يتعدى حادثا أمنيا عابرا، أو خبرا يضاف إلى سجل طويل من الأخبار التي تستهلكها وسائل الإعلام ثم تطويها، من دون أن تترك أثرا في طبيعة العلاقة بين السلطة القائمة والاحتلال الذي يتحرك في المكان متى شاء.
رام الله عاصمة السراب، لا لأن المدينة لا تستحق أن تكون عاصمة، ولا لأن أهلها أقل ارتباطا بفلسطين أو أكثر ابتعادا عن قضيتها، بل لأن ما أقيم فيها من مظاهر العاصمة لم يستطع أن يتحول إلى حقيقة سياسية تحمي المكان والناس والمؤسسات. فالعاصمة ليست مقارا ووزارات ومكاتب وطرقا يجري تأهيلها، وليست اجتماعات تعقد وقرارات تصدر وخطابات تلقى، وليست أعلاما ترفع وصورا تعلق ومراسم تنظم. العاصمة، قبل كل ذلك، عنوان السيادة والقدرة على حماية الأرض والناس، ومكان تمارس فيه الإرادة الوطنية فعلها من دون أن يبقى الاحتلال صاحب الكلمة العليا في الدخول والخروج والحركة والاقتحام والاعتقال.
وإذا كانت رام الله قد تحولت، بفعل الظروف السياسية التي تشكلت بعد اتفاق أوسلو، إلى مركز الإدارة الفلسطينية ومقر مؤسسات السلطة، فإنها لم تتحول إلى عاصمة بالمعنى الذي يمنح المكان حصانة سياسية أو يفرض على الاحتلال حدودا لا يستطيع تجاوزها. لقد بقيت المدينة، على الرغم من كل ما تراكم فيها من مؤسسات ومظاهر حكم، داخل المجال الذي يتحكم الاحتلال بحدوده وقواعده، يقتحمها حين يريد، ويعتقل من يريد، ويغلق طرقها ومداخلها متى قرر، ثم يترك للسلطة الفلسطينية أن تدير ما تبقى من الحياة اليومية، وأن تواصل عملها وكأن انتظام الإدارة يمكن أن يعوض غياب السيادة.
والمشكلة هنا ليست في أن الاحتلال يقتحم رام الله، فهذه حقيقة يعرفها الفلسطينيون منذ سنوات طويلة، وليست في أن القوة العسكرية الإسرائيلية قادرة على الوصول إلى قلب المدينة، فذلك جزء من واقع السيطرة المفروض على الأرض الفلسطينية. المشكلة الأعمق تكمن في أن الاقتحام يتكرر حتى يصبح مألوفا، وأن المألوف يتحول مع الوقت إلى أمر عادي، وأن الأمر العادي يفقد قدرته على إنتاج السؤال السياسي الذي ينبغي أن يرافقه. كيف يصبح اقتحام مركز القرار الفلسطيني خبرا معتادا؟ وكيف تتحول انتهاكات السيادة إلى مشاهد يومية لا تستدعي سوى الاستنكار اللفظي، قبل أن تعود الحياة إلى مسارها وكأن شيئا لم يحدث؟ وكيف يمكن لمدينة تتعرض للاقتحام في وضح النهار، وعلى مقربة من مؤسسات يفترض أنها تمثل الشعب، أن تواصل أداء دور العاصمة في الخطاب الرسمي من دون أن يصبح هذا التناقض نفسه موضوعا للمساءلة الوطنية؟
إن أخطر ما في الاعتياد ليس تكرار المشهد، بل تراجع الإحساس بما يعنيه. فالاقتحام الذي كان يستدعي استنفارا سياسيا وإعلاميا، ويكشف عن طبيعة الاحتلال وحدود السلطة الفلسطينية، بات يدخل في دورة الأخبار اليومية، يتقدم ساعات ثم يتراجع أمام خبر جديد، بينما يبقى الواقع الذي أنتجه قائما من دون تغيير. وهكذا لا يعود الاحتلال مضطرا إلى تقديم تبرير سياسي لوجوده العسكري في قلب المدينة، ولا تعود السلطة مضطرة إلى الإجابة عن سؤال السيادة في كل مرة، لأن التكرار نفسه يتكفل بتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والقاعدة إلى واقع يجري التعامل معه باعتباره أمرا لا مفر منه.
ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن رام الله لا تفتقر إلى المؤسسات التي يفترض أن تجعلها مركزا وطنيا فاعلا، لكنها تفتقر إلى القدرة السياسية التي تحول هذه المؤسسات إلى أدوات لمواجهة الواقع الذي ينقض وظيفتها. فالمجلس التشريعي، ومقار القيادة، والوزارات، ومكاتب المسؤولين، لا تمنح المكان سيادة بمجرد وجودها فيه، ولا تجعل من المدينة عاصمة لمجرد أن القرارات تصدر عنها. وحين تصل قوات الاحتلال إلى جوار مقر المجلس التشريعي، فإن المشهد لا يختصر انتهاكا مكانيا فحسب، بل يضع صورة المؤسسة الفلسطينية نفسها أمام امتحان قاس .. أي معنى يبقى للمؤسسة حين يعجز وجودها عن فرض أي اعتبار على القوة التي تقتحم محيطها، وأي معنى يبقى للقرار حين يستطيع الاحتلال أن يضعه جانبا ويمارس سلطته الفعلية على الأرض؟
لقد اعتدنا أن نتحدث عن الدولة الفلسطينية كما لو أن إعلانها أو الاعتراف بها أو بناء بعض مؤسساتها يمكن أن يختصر المسافة بين الحلم والحقيقة. واعتدنا أن نعامل رام الله بوصفها نموذجا لما يمكن أن تكون عليه العاصمة الفلسطينية، وأن نرى في اتساع المؤسسات وتزايد المرافق وامتداد النشاط السياسي دليلا على تقدم مشروع الدولة. لكن الاقتحامات المتكررة تعيد طرح السؤال الذي لم تستطع كل هذه المظاهر أن تجيب عنه .. ما قيمة البناء المؤسسي إذا ظل الاحتلال قادرا على اقتحام المكان الذي يقوم فيه هذا البناء، وما جدوى الحديث عن العاصمة إذا كانت حدود الحركة فيها تحددها القوة العسكرية الإسرائيلية، وما الذي يبقى من صورة الدولة إذا كان الاحتلال قادرا على انتهاك مركزها المفترض ثم الانسحاب، تاركا وراءه بيانات الإدانة ومشاهد الاستنكار؟
ليس المطلوب التقليل من قيمة المؤسسات الفلسطينية أو إنكار أهمية وجودها، كما أن المسألة لا تتعلق بمدينة رام الله وأهلها، بل بطبيعة المشروع السياسي الذي جعل من الإدارة بديلا عمليا عن السيادة، ومن استمرار المؤسسات دليلا على استمرار المشروع الوطني، حتى عندما تتآكل شروطه على الأرض. فالمؤسسة التي لا تستطيع أن تحمي المجال الذي تعمل فيه، والقرار الذي لا يغير شيئا في موازين السيطرة، والخطاب الذي يكرر مفردات الدولة والعاصمة والاستقلال بينما تتكرر الاقتحامات، كلها تضعنا أمام أزمة لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد خلل في الأداء أو نقص في الإمكانات. إنها أزمة في العلاقة بين ما نقوله عن واقعنا وما يسمح لنا الواقع بأن نفعله، وبين الصورة التي نقدمها عن أنفسنا والحقيقة التي يفرضها الاحتلال علينا.
ولم تكن القدس بعيدة عن هذا السراب منذ بدايته. فقد ظلت القدس في الخطاب الفلسطيني عاصمة الدولة المنشودة، ومركز الهوية الوطنية والسياسية، فيما انتقلت الحياة المؤسسية والإدارية إلى رام الله، واتسعت المسافة بين العاصمة التي نقول إنها لنا والعاصمة التي نمارس فيها ما تبقى من شؤون الحكم. ولم يكن انتقال المؤسسات إلى رام الله مجرد انتقال جغرافي فرضته الظروف، بل صار مع الوقت جزءا من واقع سياسي أعاد ترتيب الأولويات، وأنتج مركزا إداريا أخذ يؤدي وظائف العاصمة، فيما بقيت القدس محاصرة بالاستيطان والتهويد ومصادرة الأرض وتقييد الوجود الفلسطيني. واليوم، حين تتعرض رام الله نفسها للاقتحام المتكرر، يعود السؤال أكثر إلحاحا.. إذا كانت القدس قد غيبت عن مركز الفعل الوطني بفعل الاحتلال، وإذا كانت رام الله، التي احتضنت مؤسسات السلطة، عاجزة عن حماية نفسها من اقتحاماته، فأين هو المركز الوطني الذي يستطيع أن يحول القضية الفلسطينية من ملف تديره الوقائع الإسرائيلية إلى مشروع سياسي يواجهها؟
لقد تحولت القدس في كثير من الخطاب إلى لازمة جاهزة، تستدعى في المناسبات والبيانات، بينما استقرت رام الله في موقع العاصمة الفعلية للإدارة الفلسطينية، من دون أن تكون عاصمة للسيادة. وها نحن أمام مفارقة أخرى .. المدينة التي حلت عمليا محل القدس في إدارة الشأن الفلسطيني لا تستطيع أن تمنع قوات الاحتلال من الوصول إلى قلبها، والقدس التي يقال إنها العاصمة لا تزال تواجه مشروعا يستهدف هويتها ووجود أهلها ومقدساتها. وبين المدينتين تتسع مساحة السراب، لا لأن إحداهما لا تستحق أن تكون مركزا وطنيا، بل لأن المشروع الذي يفترض أن يجمعهما في أفق التحرر والسيادة لم ينجح في وقف تآكل الجغرافيا الفلسطينية ولا في تحويل الاعترافات والقرارات والخطابات إلى قوة سياسية قادرة على تغيير الواقع.
ولا يمكن فصل ما يحدث في رام الله عن مجمل الحالة الفلسطينية، حيث تتراكم الأزمات السياسية والوطنية، وتتراجع القدرة على الفعل، وتتقدم إدارة الأزمة على محاولة إنهائها. فالاحتلال لا يقتحم مدينة معزولة عن محيطها، بل يتحرك داخل واقع فلسطيني تتوزع فيه المسؤوليات وتتنازع فيه القوى على الشرعية والتمثيل والقرار، بينما يبقى الشعب هو من يدفع ثمن الانقسام والعجز وتآكل المشروع الوطني. وحين يصبح الاقتحام خبرا يوميا، فإن ذلك لا يكشف عن قوة الاحتلال وحدها، بل يكشف أيضا عن مدى اختلال البيئة السياسية الفلسطينية التي لم تستطع أن تجعل من هذه الاعتداءات مدخلا إلى مراجعة جدية لطبيعة العلاقة مع الاحتلال، ولا إلى إعادة بناء أدوات المواجهة الوطنية، ولا إلى استعادة معنى الوحدة في مواجهة خطر يتجاوز الحسابات الفصائلية والاعتبارات السلطوية.
إن رام الله لا تحتاج إلى مزيد من الصور التي تؤكد أنها مركز السلطة، ولا إلى مزيد من الخطابات التي تعيد وصفها بالعاصمة، ولا إلى مزيد من الطقوس السياسية التي توحي بأن انتظام المؤسسات دليل على سلامة المشروع. ما تحتاج إليه هو أن يتوقف التعامل مع الاقتحام باعتباره تفصيلا أمنيا متكررا، وأن يستعيد الفعل الوطني قدرته على مساءلة الواقع ومواجهة نتائجه، وأن تصبح حماية الناس والأرض والحقوق معيارا لجدوى السياسات والمؤسسات، لا مجرد فقرة في البيانات. فالمسألة ليست كيف نعيد ترميم صورة رام الله بعد كل اقتحام، بل كيف نواجه واقعا يسمح للاحتلال بأن يهدم هذه الصورة كل يوم، ثم يترك لنا مهمة إعادة رسمها من جديد.
لقد صار من الضروري أن نخرج من دائرة الأسماء والشعارات إلى دائرة الفعل والمساءلة. فالعاصمة لا تصنعها اللافتات، والسيادة لا تنتجها المراسم، والدولة لا تقوم على انتظام الدوائر الرسمية وحده. وإذا كانت رام الله ستظل مركزا للقرار الفلسطيني، فإن عليها أن تكون مركزا للسؤال الوطني أيضا .. سؤال السلطة وحدودها، والمؤسسات ووظيفتها، والقيادة ومسؤوليتها، والمشروع الوطني وقدرته على حماية ما تبقى من الأرض والحقوق. أما أن تستمر الحياة السياسية في أداء طقوسها المعتادة بعد كل اقتحام، وأن تعود المكاتب إلى أعمالها والخطابات إلى مفرداتها، وأن يطوى المشهد حتى الاقتحام التالي، فذلك لا يعني أن الحياة انتصرت على الاحتلال، بل يعني أن الاحتلال نجح في فرض إيقاعه حتى على الطريقة التي نتعامل بها مع انتهاكاته.
رام الله ليست سرابا في ذاتها، ولا أهلها مسؤولون عن واقع فرضه الاحتلال على المدينة وسائر الأرض الفلسطينية. السراب هو أن نعامل مركز الإدارة بوصفه مركز السيادة، وأن نخلط بين استمرار المؤسسات واستمرار المشروع الوطني، وأن نكرر الحديث عن العاصمة والدولة بينما يصبح اقتحام المدينة حدثا اعتياديا لا يبدل في حساباتنا شيئا. السراب هو أن نرى في بقاء المقرات دليلا على بقاء السلطة، وفي بقاء السلطة دليلا على بقاء القرار، وفي بقاء القرار دليلا على أن لنا قدرة على تحديد مصيرنا، فيما الوقائع اليومية تقول غير ذلك.
رام الله عاصمة السراب، ما دام الاحتلال قادرا على اقتحامها متى شاء، وما دامت الاقتحامات تتكرر فيما يظل السؤال السياسي مؤجلا، وما دامت صورة الدولة تسبق حقيقتها، وتسبقها أيضا القدرة على حمايتها. وليس في ذلك انتقاص من رام الله، بل إدانة لواقع جعل المدينة واجهة لمشروع لم تكتمل شروطه، ومركزا إداريا لا يستطيع أن يتحول إلى مركز سيادي، وعنوانا سياسيا تتجاور فيه مظاهر السلطة مع حقيقة العجز عن منع الاحتلال من انتهاك المكان.
وفي كل مرة تقتحم فيها قوات الاحتلال رام الله، وعلى مقربة من المجلس التشريعي أو أي مؤسسة فلسطينية أخرى، لا يكون السؤال عما إذا كانت المدينة عاصمة أم لا، بل عما إذا كنا نريد أن نبقى أسرى الصورة التي صنعناها لأنفسنا، أم نمتلك الشجاعة لمواجهة الحقيقة التي تكشفها الوقائع. فالعاصمة لا تكون عاصمة لأننا نصر على تسميتها كذلك، والدولة لا تصبح حقيقة لأننا نكرر إعلانها، والسيادة لا تتحقق لأننا نضعها في مقدمة الخطب. وبين رام الله التي نريدها مركزا وطنيا حرا، ورام الله التي يقتحمها الاحتلال كلما شاء، ستظل المسافة قائمة ما لم يتحول السؤال من وصف الواقع إلى تغييره، ومن إدارة السراب إلى استعادة الأرض والقرار والقدرة على الفعل.