
كتب اسماعيل الريماوي: ليست أخطر أشكال الفساد سرقة المال العام وحدها، بل استغلال النفوذ لتحويل حقوق المواطنين إلى أوراق ضغط، والقانون إلى أداة في يد الأقوياء، والاعتراض على التجاوزات إلى تهمة تستوجب العقاب، عندها تصبح السلطة، التي يفترض أن تحمي الناس، مصدر خوف لهم، ويجد المواطن نفسه في مواجهة منظومة من الضغوط لا لشيء سوى أنه تمسك بحقه ورفض الرضوخ.
في الحالة الفلسطينية، تزداد خطورة هذه الممارسات حين تتعلق بالأرض والملكية الخاصة، في وطن يواجه أصلاً الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير، فكيف ندافع عن الأرض في مواجهة الاحتلال، إذا كان المواطن يخشى على أرضه من متنفذين في حزب او جهة امنية يفترض ان تحمي القانون، فالدفاع عن حقه قد يُستخدم ضده للضغط عليه أو انتزاع حقوقه منه بقوة البلطجة واستغلال النفوذ ، وأي معنى للصمود الوطني إذا أصبح صاحب الأرض محاصراً بين التنازل عن حقه أو مواجهة الملاحقة والتشهير والتهديد؟
الأخطر أن تتحول اتهامات مثل «إثارة النعرات الطائفية» و«تهديد السلم الأهلي» و«الإضرار بالمصلحة العامة» إلى أدوات لإسكات الخصوم والمعارضين، بدلاً من الاحتكام إلى الأدلة والقضاء، فبدلاً من فحص الوثائق وحسم النزاع وفق القانون، قد يجد صاحب الحق نفسه متهماً، مطالباً بالدفاع عن سمعته وحريته، بينما تضيع القضية الأصلية وسط حملات الضغط والتشويه.
إن حماية السلم الأهلي واجب وطني، لكنها لا تعني إسكات المظلوم، ولا تحويل المطالبة بالحقوق إلى جريمة، ولا استخدام الشعارات الوطنية غطاءً لحماية المصالح الخاصة ، فاتهامات كهذه لا يجوز أن تصبح ذريعة لسد أبواب العدالة، او تُفرض بالخوف، بل تُبنى على الإنصاف والمساواة أمام القانون.
وحين يصبح المواطن أمام خيارين: الرضوخ للضغوط أو مواجهة السجن والتشهير والاستنزاف وربما التهجير، فإن المسألة تتجاوز نزاعاً على ملكية لتصبح اختباراً لهيبة القانون ومصداقية المؤسسات قائمة عليه او لحمايته ، وأي ادعاء باستغلال النفوذ أو الضغط على أصحاب الأراضي يستوجب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، لا تجاهل الشكوى أو التشكيك في صاحبها قبل فحص الوقائع.
إن المسؤولية العامة ليست امتيازاً شخصياً، والمنصب ليس حصانة، والنفوذ لا يمنح صاحبه حقاً في أملاك الآخرين ، ومن يثبت استغلاله موقعه لتحقيق منفعة غير مشروعة يجب أن يخضع للمساءلة، أياً كان اسمه أو انتماؤه أو موقعه ، فالدولة التي تحترم مواطنيها لا تتركهم أسرى موازين القوة، بل تضمن لهم قضاءً مستقلاً وسبلاً فعالة لحماية حقوقهم.
فلسطين ليست ملكاً لحزب أو مسؤول، وأرضها ليست غنيمة يتقاسمها المتنفذون، إنها وطن شعب دفع أثماناً باهظة دفاعاً عن حريته وكرامته وحقه في البقاء ، ومن حق هذا الشعب أن يسأل: من يحمي المواطن إذا أصبح النفوذ أقوى من القانون؟ ومن يحاسب من يستغل موقعه إذا تحولت المؤسسات إلى أبواب مغلقة أمام أصحاب الحقوق؟
إن ما يهدد السلم الأهلي ليس مطالبة المواطن بحقه، بل غياب العدالة التي تحميه ، وما يضعف الثقة بالسلطة ليس كشف التجاوزات، بل تركها بلا مساءلة.
فمن يريد حماية الوطن، فليحمِ حقوق أبنائه؛ ومن يريد صون الأرض، فليصن حق أصحابها فيها، فالسلطة أمانة وليست ملكية خاصة، والوطن ليس مزرعة لحزب او لمتنفذين، والعدالة الحقيقية تبدأ حين لا يخاف الضعيف من القوي، ولا يقف القانون عند حدود نفوذ أحد.
في النهاية، ما أقسى أن يقف الفلسطيني في وجه الاحتلال دفاعاً عن أرضه، ثم يجد نفسه مضطراً للدفاع عنها في وجه نفوذ أبناء وطنه! ما أقسى أن يحمل وثائقه بيد، ووجعه باليد الأخرى، ويطرق أبواب العدالة خائفاً من أن تتحول شكواه إلى تهمة، وصمته إلى تنازل، وصموده إلى سبب للعقاب، أيُّ وجع أكبر من أن يشعر الإنسان بالغربة في وطنه، وأن يخاف على أرض ورثها عن آبائه، لا من جرافات الاحتلال وحدها، بل من نفوذ قد يسلبه حقه ويتركه وحيداً في مواجهة مصيره؟
إن فلسطين التي حلم بها الشهداء ليست وطناً يخشى فيه المظلوم صوت المتنفذ، ولا أرضاً يصبح فيها صاحب الحق متهماً لأنه رفض التنازل، فالأرض ليست حجراً وشجراً فحسب؛ إنها عمر الآباء، وعرق الأجداد، وذاكرة البيوت، ومستقبل الأبناء، وحين يُدفع صاحبها إلى الرحيل أو الصمت أو الانكسار، فإن الخسارة لا تصيب فرداً وحده، بل تجرح كرامة وطن بأكمله.
فلا توجعوا الفلسطيني مرتين؛ مرةً باحتلال أرضه، ومرةً بكسر قلبه في وطنه، لا تجعلوا الغربة قدراً لمن رفض التفريط بحقه، ولا تجعلوا النفوذ أقسى على المواطن من الاحتلال، فسيأتي يوم لا تنفع فيه المناصب، ولا تحمي فيه الأسماء أصحابها من سؤال التاريخ: ماذا فعلتم بأرض الناس وكرامتهم؟ يومها لن يسأل الأبناء كم كان نفوذكم، بل لماذا بكى آباؤهم على أرضٍ كان يفترض أن يحميها القانون.
الأرض ليست ملكاً للمتنفذين، وحقوق الناس ليست موضع مساومة، ومن يجعل المطالبة بالحق تهمة، عليه أن يجيب: أيُّ سلم أهلي يبقى حين تغيب العدالة؟