خالد فحل يكتب لوطن: حين تريد إسرائيل أن تصبح شرطي الشرق الأوسط

14/10/2026

ليست المسألة أن إسرائيل تريد أن تكون أقوى دول المنطقة فحسب، بل أن يتحول تفوقها العسكري إلى قاعدة يُعاد على أساسها تعريف الشرق الأوسط كله: من يملك السلاح، ومن يحدد طبيعة التهديدات، ومن يرسم التحالفات، ومن يملك حق تقرير مستقبل المنطقة. هنا يتجاوز المشروع الإسرائيلي حدود الأمن والدفاع، ليطرح سؤالًا سياسيًا بالغ الخطورة: هل تسعى إسرائيل إلى بناء نظام إقليمي قائم على المصالح المتبادلة والسيادة المتكافئة، أم إلى شرق أوسط تصبح فيه القوة الإسرائيلية المرجعية الأساسية لتحديد قواعد الأمن والتعاون وحدود الحركة السياسية للدول الأخرى؟

إن أخطر ما في المشهد أن إسرائيل لا تكتفي بخوض الحروب وفرض الوقائع على الأرض، بل تسعى أيضًا إلى استثمار نتائج الصراعات والتحولات الإقليمية لإعادة ترتيب موازين القوة والنفوذ. فالمعركة لا تتوقف عند حدود غزة أو جنوب لبنان، ولا تختصرها المواجهة مع إيران، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك: من يملك حق رسم النظام الإقليمي الجديد، ومن يحدد أولوياته، ومن يقرر طبيعة العلاقات بين دوله؟ وبمعنى آخر، هل تريد إسرائيل أن تكون دولة ضمن دول المنطقة، أم أن تتحول إلى شرطي يحدد قواعد الحركة فيها، ويصنف التهديدات، ويرسم حدود المسموح والممنوع؟

تقوم المقاربة الإسرائيلية على أن التفوق العسكري والاستخباري لا يكفي وحده لضمان الأمن، ما لم يُترجم إلى نفوذ سياسي وشبكة من التحالفات والمصالح الاقتصادية والتكنولوجية. لذلك تسعى إسرائيل إلى توسيع علاقاتها الإقليمية والدولية، وتعزيز التعاون في مجالات الأمن والطاقة والمياه والتكنولوجيا، مستفيدة من المصالح المشتركة مع أطراف متعددة، ومن رغبة بعض الدول في مواجهة تحديات أمنية واقتصادية متزايدة. وبهذا المعنى، لا يعود التطبيع مجرد اتفاق دبلوماسي أو تبادل تجاري، بل يصبح أحد المسارات التي يمكن أن تمنح إسرائيل موقعًا أكثر تأثيرًا في صياغة مستقبل المنطقة.

وفي هذا السياق، تكتسب التصورات الإسرائيلية بشأن بناء شبكة تحالفات إقليمية، من بينها ما يُعرف بمفهوم «السداسي الإقليمي»، أهمية خاصة. فالفكرة تقوم على توسيع التعاون بين إسرائيل ودول عربية وأفريقية، إلى جانب الهند واليونان وقبرص، بما يفتح المجال أمام ترتيبات أمنية واقتصادية وسياسية أوسع. ولا تكمن أهمية هذه الرؤية في عدد الأطراف التي قد تنضم إليها فحسب، بل في الدور الذي تطمح إسرائيل إلى أدائه داخلها: الانتقال من دولة تسعى إلى ضمان أمنها في محيط مضطرب، إلى قوة تحاول التأثير في تعريف الأمن الإقليمي نفسه، وتحديد مصادر الخطر وأولويات التعاون.

غير أن بناء التحالفات لا يعني بالضرورة أن إسرائيل قادرة على إخضاع المنطقة لإرادتها، فالدول العربية ليست كتلة واحدة، ولكل دولة حساباتها ومصالحها ومخاوفها الخاصة. كما أن التعاون في ملف أمني محدد لا يعني تسليم القرار السياسي لطرف آخر، ولا يمنح أي دولة تفويضًا مفتوحًا لتحديد مستقبل جيرانها. وهنا يظهر الفارق بين أن تكون إسرائيل قوة مؤثرة في الشرق الأوسط، وأن تصبح صاحبة الكلمة العليا فيه؛ فالأولى قد تفرضها موازين القوة، أما الثانية فتحتاج إلى شرعية وتوافق إقليميين لا يمكن إنتاجهما بالسلاح وحده.

وتحتل إيران موقعًا مركزيًا في الحسابات الإسرائيلية. فمن خلال تقديمها بوصفها التهديد الاستراتيجي الأبرز، تستطيع إسرائيل الدفع باتجاه توسيع التعاون الأمني مع دول تتقاطع معها في مخاوفها من النفوذ الإيراني وبرامج طهران العسكرية وشبكة حلفائها الإقليميين. وبهذه الطريقة، يصبح الخصم المشترك مدخلًا لتقريب المصالح، وتطوير منظومات الدفاع، وتوسيع تبادل المعلومات والتنسيق الأمني.

لكن اختزال أزمات الشرق الأوسط في المواجهة مع إيران يتجاهل حقيقة أن المنطقة تعاني أزمات متعددة، لا يمكن حلها بمجرد تشكيل تحالفات عسكرية أو إعادة توزيع النفوذ. فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأمن الدول العربية، والتنافس الإقليمي، وأزمات التنمية والاقتصاد، كلها قضايا تتطلب مقاربات سياسية تتجاوز منطق الاصطفاف. كما أن الاتفاق على مواجهة تهديد محدد لا يعني الاتفاق على شكل النظام الإقليمي الذي ينبغي أن ينشأ بعد ذلك، ولا على الجهة التي يحق لها تحديد قواعده.

وهنا تصل الرؤية الإسرائيلية إلى تناقضها الأبرز: القضية الفلسطينية. فبينما تتحدث إسرائيل عن السلام والتعاون والتكامل الإقليمي، يستمر الاحتلال والاستيطان، وتبقى حقوق الشعب الفلسطيني في السيادة وتقرير المصير موضع صراع، فيما خلّفت الحرب على غزة دمارًا هائلًا ومعاناة إنسانية واسعة. فكيف يمكن بناء منظومة إقليمية مستقرة بينما يُطلب من المنطقة أن تتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها ملفًا قابلًا للتأجيل، بدل الاعتراف بأنها قضية شعب يسعى إلى حريته وحقه في إقامة دولته المستقلة؟

إن تجاوز فلسطين لا ينهي الصراع، كما أن توسيع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية لا يعالج وحده جذوره. وقد تستطيع الاتفاقيات الرسمية فتح أبواب للتعاون، لكنها لا تضمن سلامًا مستدامًا إذا بقي الاحتلال قائمًا واستمرت المظالم السياسية والإنسانية. ومن هنا، فإن أي مشروع إقليمي يضع المصالح الإسرائيلية فوق الحقوق الفلسطينية، أو يحاول فصل التطبيع عن إنهاء الاحتلال، سيظل يواجه سؤال الشرعية والاستقرار، مهما اتسعت شبكة التحالفات المحيطة به.

ولا يعني ذلك أن دول المنطقة عاجزة عن بناء علاقات أو شراكات جديدة، بل إن التحدي يكمن في طبيعة هذه العلاقات والقواعد التي تحكمها. فهناك فرق بين تعاون إقليمي يقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة، وبين ترتيبات تجعل أمن طرف واحد معيارًا لأمن الجميع، وتسمح له بتحديد طبيعة التهديدات أو توجيه أولويات الآخرين. وفي الحالة الثانية، لا يكون النظام الإقليمي إطارًا للتعاون بقدر ما يصبح ساحة لإعادة إنتاج تفاوت القوة والنفوذ.

ومن هنا تبرز مسؤولية الدول العربية في صياغة رؤية مستقلة للأمن الإقليمي، تقوم على حماية سيادة الدول، وتعزيز العمل العربي المشترك، وربط التعاون الاقتصادي والتكنولوجي بأهداف التنمية والاستقرار، لا بمجرد الاصطفاف في مواجهة خصم معين. كما أن القضية الفلسطينية يجب أن تبقى جزءًا أساسيًا من أي تصور لمستقبل المنطقة، لأن السلام الذي يتجاهل حقوق الفلسطينيين لا يعالج أسباب الصراع، بل يؤجل انفجاره إلى وقت آخر.

أما فلسطينيًا، فإن الانقسام الداخلي يضعف القدرة على التأثير في التحولات الإقليمية، ويمنح الآخرين مساحة أوسع لتحديد موقع القضية في حساباتهم. ولذلك، فإن استعادة الوحدة الوطنية وصياغة استراتيجية سياسية مشتركة ليستا شأنًا داخليًا منفصلًا عن المشهد الإقليمي، بل ضرورة لحماية الحقوق الفلسطينية ومنع تحويلها إلى ورقة تفاوضية في مشاريع لا يملك الفلسطينيون قرارها.

في المحصلة، تريد إسرائيل توظيف تفوقها العسكري وعلاقاتها الدولية وشبكة تحالفاتها لتوسيع نفوذها، وربما لترسيخ موقعها بوصفها قوة مركزية في النظام الإقليمي المقبل. لكن القدرة على التأثير لا تعني امتلاك حق الوصاية على المنطقة، والتفوق العسكري لا يمنح صاحبه حق تحديد مستقبل الشعوب أو رسم حدود سيادتها.

إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى شرطي جديد بقدر ما يحتاج إلى نظام يحترم استقلال دوله، ويعالج أسباب صراعاته، ويضع حدًا للاحتلال، ويمنح الشعوب حقها في تقرير مصيرها. أما تحويل القوة إلى مرجعية وحيدة لتنظيم العلاقات الإقليمية، فلن ينتج بالضرورة استقرارًا، بل قد يكرس اختلالات تظل قابلة للانفجار كلما تغيرت موازين القوة أو تبدلت المصالح.

فإسرائيل قد تسعى إلى أن تصبح شرطي الشرق الأوسط، لكن المنطقة ليست ملكًا لأحد، وفلسطين ليست تفصيلًا يمكن شطبه من خرائط المستقبل. ومن يريد نظامًا إقليميًا مستقرًا، عليه أن يبدأ بإنهاء أسباب الصراع، لا بإعادة ترتيب القوة فوق أنقاض الحقوق.