حكاية موسم الزيتون .. حين يصبح الزيت سؤالاً عن البقاء

13/10/2026

كتب عبد الله ريان : في الخريف، تعرف قرى الضفة الغربية موعدها مع الأرض من دون تقويم.

تعرفه من برودة تشرين، ومن الأغصان التي تنحني بما حملت، ومن أب يقف عند باب البيت فجراً وينادي:
"يلا… عالزيتون" .
كان موسم الزيتون يشبه عيداً لا يحتاج إلى إعلان
تخرج البيوت إلى الجبال.
الأب والأم والأبناء. الجد والجدة. العم والخال، ومن يستطيع من الجيران. سلالم، ومفارش، وشِوَل، وخبز وزعتر، وقدر طعام، وإبريق شاي، وركوة قهوة.
نار صغيرة بين حجرين.
دخان يتسلل بين الأشجار.
رائحة قهوة.
وطنجرة على النار.
وأطفال
و "العونة"
يأتي الناس بعضهم إلى بعض، فيصبح الكرم بيتاً أكبر من البيت، ويصبح تعب النهار مناسبة للغناء.
تعلو «الدلعونا» بين الأشجار.
يرد هذا على ذاك.
وتضحك النساء.
ويصرخ الجد في طفل يضرب الغصن بعنف:
«على مهلك… بتكسر الشجرة».
كان أكثر ما يخشاه الأب أن يقع ابنه من أعلى السلم.
وكانت النار التي تُشعل بين الزيتون تعني، في الغالب:
القهوة جاهزة.
________________________________________
هذا الخريف، ما زالت النار موجودة.
لكنها لم تعد دائماً نار القهوة ..صارت شجرة تحترق
وما زالت حبات الزيتون  تسيل على تراب الكروم
لكنه لم يعد الزيت ...صار الدم
في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، خرج مزارعون إلى أراضيهم بين برقة وسهل رامين لقطف الزيتون. قُتل علي حسن يسر البزاري، ابن الرابعة والأربعين، وأصيب آخرون في هجوم للمستوطنين على القاطفين. وفي الأيام التالية توالت الاعتداءات من قرية إلى أخرى: ضرب، تكسير عظام ، تحطيم رؤوس ، إطلاق نار، طرد من الأراضي، سرقة محصول، اقتلاع أشجار، وإحراق ممتلكات. وفي التاسع من أكتوبر وحده، قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إنها رصدت 19 اعتداءً مرتبطاً بالموسم في أنحاء مختلفة من الضفة . ومع كل يوم من خريف    2027تتطاير الأرقام في توثيق  الاعتداءات وتتسابق العدسات في نقل المأساة  .
لكن هناك ما هو أشد قسوة من الأرقام.
سبق الدمُ الزيتَ
كان يفترض لحبات الزيتون أن تنزل من الغصن إلى المفرش، ومن المفرش إلى الشوال، ومن الشوال إلى المعصرة.
وكان ينبغي للزيت أن ينساب بطيئاً، أخضرَ مائلاً إلى الذهب  لكن الدم سال أولاً..
ومنذ هذه اللحظة، لم يعد ممكناً أن ننظر إلى موسم هذا العام  كما كنا ننظر إلى موسم مضى وإلى مواسم قادمة !

________________________________________
في مواسم كثيرة، كان ظهر الفلاح إلى العالم ووجهه إلى الزيتون.
هذا العام يقطف حبة…
ثم يرفع رأسه.
ينظر إلى طرف الجبل.
يقطف أخرى.
وينظر إلى الطريق.
لم يعد يحمل إلى الأرض السلم والمفرش فقط.
هاتف مشحون.
أرقام للاتصال.
ربما حقيبة إسعاف.
وربما متضامن أو صحفي.
وذاكرة لما حدث أمس في القرية المجاورة.
عين على الغصن.
وعين على القادم من خلف التلة.
________________________________________
سابقا كان سؤال الفلاحين عن الموسم :
هل السنة "ماسية" ؟
"شلتونة "؟
"قحط "؟
يتقلبون تماشيا مع ظاهرة " المعاومة " التي ارتبطت بشجرة الزيتون 
اليوم صار للفلاح أسئلة أخرى  .
هل الطريق مفتوح؟
هل المستوطنون هناك؟
هل الجيش معهم؟
هل يأتي معنا متضامنون؟
هل هناك صحافة ؟
هل أذهب ؟
وصار للفلاح مخاوف أخرى .
هل سأستطيع العودة غداً ؟
هل سأجد المحصول؟
هل  سأجد الشجرة نفسها ؟
هل  سأستطيع  الوصول إليها؟
________________________________________

هنا تكسرت صورة الموسم
في الخريف القديم
النار التي كانت تُشعل تحت إبريق الشاي قد تُرى هذا الخريف  في طرف الكرم تأكل زيتونة.
والمفرش الذي كان ينتظر سقوط الحبّ، قد يصبح قريباً من جسد ينزف.
واليد التي تمتد إلى الغصن لم تعد تنظر إلى الغصن وحده.
تقطف حبة.
ثم ترفع رأسها نحو التلة.
تقطف أخرى.
وتنظر إلى الطريق.
عين على الزيتون.
وعين على القادم من خلف الجبل.
التعريف الدقيق " للقهر" أن تكون في أرضك وتضطر إلى مراقبة الطريق كأنك الغريب.
لم تعد الدلعونا قادرة على ان تحتفظ بفرحها القديم هذا الخريف
لم تعد أهزوجة موسم ..صارت رثاء شهيد .
________________________________________
ما يجري هذا الخريف لم يبدأ هذا الخريف.
كان المشهد يتقدم عاماً بعد عام.
مرةً اعتداء في قرية.
ثم قرى.
شجرة مقطوعة هنا.
محصول مسروق هناك.
مزارع يُضرب.
عائلة تُمنع من الوصول.
ثم أخذ الاستثناء يتكاثر حتى بدأ يشبه القاعدة.
وثقت الأمم المتحدة 203 اعتداءات للمستوطنين مرتبطة مباشرة بموسم الزيتون في 2024، بعدما كانت الأعداد السنوية في الفترة نفسها بين 2020 و2023 تدور تقريباً بين 30 و60 اعتداءً. وفي موسم 2025 وثقت 178 اعتداءً؛ أقل عدداً من 2024، لكن الاعتداءات امتدت إلى 88 بلدة وقرية، وهو أوسع نطاق جغرافي تسجله OCHA منذ 2020، مع إتلاف أكثر من ستة آلاف شجرة وشتلة.
الإعتداءات تكاثرت حتى أصبحت مناخاً.
ثم جاء خريف 2026.
ومن أيامه الأولى، لم يُمنح الموسم حتى فرصة أن يبدأ.
وصار إرهاب المستوطنين   واحداً من طقوسه المفروضة.
وصارت الأسماء كثيرة.
برقة.
عقربا.
بيتا.
قصرة.
جوريش.
اللبن الشرقية.
عبوين.
دير السودان.
دير بلوط.
كفر الديك.
وغيرها.
مأساة حقيقية  قد نرى  الأسماء والأشجار  فيها  قائمة أخبار.
لكن الفلاح يعرفها بطريقة مختلفة 
يعرفها منذ كان أقصر من جذعها.
كان طفلاً حين صعد أبوه إلى أغصانها.
كبرت الزيتونة.
وكبر الطفل.
مات الأب.
صار الابن أباً.
ثم جداً.
وبقيت هي.
يعرف الجهة التي تعطي أكثر.
والجهة التي يبدأ بها القطاق
الغصن الذي انكسر قبل سنوات.
السنة التي حملت فيها كثيراً.
والسنة التي «عاومت» فيها وبخلت.
يعرفها كما يعرف غرفة في بيته
ثم يصل هذا الخريف  فيجدها مقطوعة.

لكن قطع الشجرة ليس الطريقة الوحيدة لقتل الفلاح وقتل الأرض.
في هذا الموسم هناك طريقة أكثر قساوة.
أن تترك الزيتونة واقفة… وتقطع صاحبها عنها.
طريق مغلق.
بوابة.
بؤرة استيطانية.
أمر عسكري.
مستوطن يحمل بندقية.
جيش يمنع الوصول.
أو أب ينظر إلى أبنائه فيقرر أن سلامتهم أهم من موسم كامل.
يرى الرجل زيتونه من سطح البيت.
قريباً.
إلى درجة أنه يستطيع أن يميز بعض الأشجار.
لكنه لا يستطيع الوصول.
وهنا يصبح للقرب معنى ساخر.
فبين العين والقدم قد تكون بضع مئات من الأمتار.
لكن بينهما بندقية.
وهذه المسافة لا تُقاس بالأمتار.
إذا مُنع المزارع من الوصول، تتغير علاقته بأرضه.
إذا قُطعت الأشجار، يتغير إنتاجها.
إذا أقيمت بؤرة على التلة، يتغير الطريق إليها.
إذا أصبح الحقل مكان خطر، يقل وجود الناس فيه.
ومع الوقت، يبدأ شكل المكان نفسه بالتغير.
وهنا تكمن المسألة الأكبر.

________________________________________
الأرض لا تُسلب دائماً بجرافة تصل في صباح واحد.
أحياناً تُسلب على جرعات.
مرة بالخوف.
مرة بطريق مغلقة.
مرة بمستوطن مسلح.
مرة بأمر عسكري.
مرة بشجرة مقطوعة.
مرة بمحصول مسروق.
ومرة بأب يقول لأولاده:
«خلينا هالسنة ما نروح».
يقولها لأنه يحبهم.
يخاف عليهم .
يريد أن يحميهم.
وقد تكون هذه الجملة، رغم كل الحب الذي قيلت به، أكثر ما ينتظره  الغريب الذي  يريد الأرض فارغة.
ولكن ما العمل ؟
الزيت صار دماً.
والجبل يحتاج الى جنازة كي يثبت لمن ينتمي.
خلينا هالسنة ما نروح».
لكن «هذه السنة» قد تصبح السنة التالية.
ثم موسمين.
ويبدأ الطريق الذي كان يعرف وقع أقدام أصحابه بالنسيان.
والأرض التي يعتاد صاحبها ألا يصل إليها، يعتاد آخر أن يراها حقه.
________________________________________
هنا يعود السؤال:
الشجرة أم الإنسان؟
الأرض أم الأبناء؟
والسؤال ظالم من أصله.
أنت تحمي ابنك لأنه المستقبل.
وتحمي أرضك لأنها المستقبل أيضاً.
كيف يختار الإنسان بين ميراثه ووارثه؟
________________________________________
هنا لا يعود الخوف هو الكلمة الكافية.
إنه القهر.
أن تقف في أرض تعرف أسماء حجارتها، ثم تضطر إلى مراقبة الطريق كأنك الغريب.
أن تكون في داخلك قادراً على قول:
هذه أرضي.
ثم تعرف أن تنفيذ هذه الجملة قد يكلفك دماً.
بين «لا» التي في الصدر و«لا» التي يستطيع الجسد أن ينفذها مسافة واسعة.
هذه المسافة اسمها القهر.
وهذه هي المسافة الأخطر.
ليست المسافة بين القرية والحقل.
بل بين الغياب المؤقت والغياب الذي يتحول إلى واقع.

________________________________________
لذلك يعود الناس حاملين شعورهم بالقهر
ليس لأنهم لا يعرفون الخطر.
بل لأنهم يعرفون معنى ألّا يعودوا.
________________________________________
ومع العودة  يستمر هذا الخريف وتستمر معه المشاهد القاسية ففي العديد من القرى خرج الدم من الحقل قبل أن تصل الثمار إلى المعصرة.
ولا تحتاج الصورة إلى استعارة أكبر.
الزيت من الشجرة.
والدم من صاحبها.
وكلاهما سقط هذا الخريف
________________________________________
في بعض المواقع لا يصل الناس إلى المعصرة بمحصول كامل.
قد يعودون بمفرش فارغ.
أو سلم مكسور.
او عظم مكسور
أو صورة لأغصان محترقة.
وأحياناً يعودون بأنفسهم فقط.
فتقول الأم:
«الحمد لله رجعتوا».
هذه الجملة وحدها تكشف مقدار ما تبدل.
كان نجاح يوم الزيتون يُقاس بعدد الشوالات.
صار يُقاس أحياناً بعدد الذين عادوا إلى البيت.
________________________________________
والإنسان لا يحب الأرض بالدونم.
يحبها بالتفاصيل.
هذه زيتونة أبي.
هذه زرعها جدي.
تحت هذه كنا نفطر.
من هنا كان يدخل الحمار إلى الأرض.
هنا وقع ابني وهو صغير.
هذه تعطي زيتاً أكثر.
وتلك تتأخر في النضج.
الأرض التي تظهر على الخريطة قطعة كبيرة، تتكون في ذاكرة صاحبها من آلاف الأشياء الصغيرة.
لهذا فإن منعه منها لا يعني فقط خسارة محصول.
إنه قطعٌ بطيء للصلة بين الإنسان وتفاصيله.
________________________________________
وهذا ربما ما يجعل موسم الزيتون مختلفاً.
فالزيتونة بطيئة.
لا تعرف الاستعجال.
تحتاج سنوات كي تعطي.
وتعيش أكثر من صاحبها.
يموت الذي زرعها، ويأتي ابنه.
ثم حفيده.
وفي كل خريف تعيد العلاقة من جديد:
اليد نفسها ليست موجودة.
لكن يداً من البيت نفسه تأتي.
لهذا ليست الشجرة وثيقة ملكية.
لكنها، بطريقة ما، وثيقة ذاكرة
________________________________________
وهنا يصبح السؤال عن الخريف القادم أكثر ثقلاً.
ليس لأننا نملك نبوءة.
بل لأننا رأينا الاتجاه.
من عشرات الاعتداءات قبل سنوات إلى مئات.
ومن حوادث متفرقة إلى عشرات القرى.
ومن سرقة محصول وقطع شجرة، إلى موسم يبدأ وفي أيامه الأولى قتل وضرب وإطلاق نار وطرد من الأرض.
فإذا كان المزارع هذا العام، قبل أن يغادر بيته، يسأل:
«هل سنعود جميعاً؟»
فما السؤال الذي سيحمله معه في الخريف القادم؟
________________________________________
ربما أخطر ما في الأمر ليس أن يصبح العنف أشد.
بل أن يصبح مألوفاً.
أن يضع الفلاح في سيارته السلم والمفرش والماء والهاتف وشنطة الإشعافات واحتمال الاعتداء أو الموت ، كما لو أنها كلها أدوات طبيعية لموسم واحد.
أن يسأل عن المستوطنين كما يسأل عن المطر.
أن يصبح وجود مسلح على طرف الكرم جزءاً من المشهد.
أن يتوقف الناس عن الدهشة.
فالإنسان يستطيع أن يتكيف مع أشياء كثيرة.
والمصيبة أن يتكيف مع ما لا ينبغي أن يصبح طبيعياً.
________________________________________
كان موسم الزيتون احتفالاً بأن الأرض أعطت.
صار في أماكن كثيرة امتحاناً لأسئلة صعبة .
كيف يحمي ابنه من دون أن يورثه الغياب.
كيف يحمي الشجرة من دون أن يجعل جسده ثمناً لها.
كيف يعود إلى البيت وفي يده زيت، لا دم.
أسئلة لن يعطيه الخريف الحالي والخريف القادم والمسافة بينهما الوقت الكافي  للتفكير
او لتقرير المصير

________________________________________
" هذه أرضنا " .
في هذا الخريف، صار على الفلسطيني أن يدافع حتى عن هذه الجملة الصغيرة.
«هذه أرضنا».
لا يقولها في محكمة.
يقولها بقدميه.
بالذهاب.
بالقطاف.
بالعودة.
وبأن يبقى الطريق معروفاً.
وهذا مقياس  غريب آخر لموسم كان نجاحه يُقاس ذات يوم بعدد تنكات الزيت.
________________________________________
ربما هنا تكمن المأساة الحقيقية.
أن يعاد تعريف الأشياء الصغيرة.
أن يصبح الوصول إنجازاً.
والعودة سلامة.
وقطف الزيتون موقفاً.
والجلوس تحت شجرة فعلاً يحتاج إلى حماية.
كانت الزيتونة طوال عمرها شجرة بطيئة.
لا تعرف العجلة.
تكبر عاماً بعد عام.
تتقدم في العمر كما تتقدم القرية.
وتعرف يد صاحبها التي تعود إليها في الخريف.
وربما لهذا أصبحت خطراً في طريق "الصهاينة" و"الصهيونية"   .
لأنها تحفظ العلاقة حين يحاول الواقع أن يقطعها.
وبين الاثنين يمشي الفلسطيني هذا الخريف على حبل ضيق.
يحاول أن يحمي الإنسان.
ويحمي الأرض.
ويحمي الشجرة.
«هل نذهب؟»
لا يكون السؤال عن يوم قطاف فقط.
إنه يسأل، من دون أن يقول:
كم نستطيع أن نتراجع قبل أن يصبح التراجع حدوداً؟
كم مرة نستطيع أن نؤجل العودة قبل أن يصبح الغياب عادة؟
وأين تنتهي حماية الإنسان…
ويبدأ فقدان المكان؟
في الخريف القادم ستثمر الأشجار التي بقيت.
سيبرد الليل.
وستسقط أولى الحبات على التراب.
وسيعود السؤال.
لكن الفلسطيني يعرف شيئاً تعلمه من الزيتون نفسه:
أن البقاء ليس حركة كبيرة تحدث مرة واحدة.
البقاء تكرار.
موسم بعد موسم.
خطوة بعد خطوة.
شجرة بعد شجرة.
________________________________________
ولهذا، حين تمتد اليد هذا الخريف إلى غصن الزيتون، لا تقطف حبة فقط.
إنها تختبر المسافة التي بقيت بين الإنسان وأرضه.
وكلما عاد صاحب الأرض إليها،
بقيت هذه المسافة أقصر من هذا خريف إلى الخريف القادم .