نبهان خريشة يكتب لوطن: لا تحاكموا الأب.. اسألوا من تركه وحيدا

13/10/2026

وقفت مذهولا أمام مشهد الأب الذي فر هاربا عندما هاجم المستوطنون سيارته في يبرود، وبقي ابنه داخلها للحظات. كان المشهد مؤلما، وكان سؤالي الأول: كيف يترك أب ابنه ويهرب؟ لكنني تراجعت عن التسرع في الحكم عليه. أنا أشاهد ما حدث من مكان آمن، أما هو فكان يواجه اعتداء لا يعرف أين ينتهي، ولا إن كان سيخرج منه حيا.
لا نعرف ما الذي فكر فيه ذلك الأب. ربما خشي أن يقتلوه، وظن أنهم لن يؤذوا طفله، وربما أربكه الهجوم فلم يعد قادرا على التفكير. هذه احتمالات، وليست حقائق نملك إثباتها. وما نراه في ثوان قليلة لا يكفي للحكم على أبوته، ولا على مقدار حبه لابنه. فالإنسان حين يفاجئه خطر شديد قد يتصرف بطريقة لا يفهمها هو نفسه بعد زواله.
هذا لا يجعل بقاء الطفل في السيارة أمرا هينا. إن وجع المشهد كله يكمن هنا: أب يهرب تحت وطأة الخوف، وطفل يبقى للحظات دون الحماية التي ينتظرها من أبيه. لكن التعاطف مع الطفل لا يتطلب إدانة الأب. كلاهما تعرض للاعتداء، وكلاهما يستحق أن نفهم ألمه، وأن نوجه غضبنا إلى الذين صنعوا هذا الرعب.
أفكر في الأب بعد الحادثة، حين يهدأ خوفه ويتذكر أن ابنه بقي خلفه. أتخيل صعوبة أن ينظر في عينيه، وأن يحاول شرح تلك اللحظة. قد يلوم نفسه أكثر مما يستطيع أي شخص أن يلومه. وقد تظل تلك الثواني تؤلمه طويلا. فلماذا نضيف إلى ألمه كلمات قاسية، ونحوله من ضحية اعتداء إلى متهم مطالب بإثبات محبته لطفله؟
السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: إلى أي حد بلغ عنف المستوطنين حتى أصبح أب يخشى على حياته بهذه الصورة؟ وكيف صار الفلسطيني يشعر بأن خروجه في سيارته مع ابنه قد ينتهي باعتداء، وأن نجاته تتوقف على قدرته على الفرار؟ هنا تكمن المأساة السياسية وراء المشهد الإنساني: مواطن لا يجد حماية، ولا يثق بأن هناك من سيصل لإنقاذه.

فالمجتمع الدولي الذي يكرر بيانات الإدانة لا يمنح هذا الأب الأمان الذي يحتاجه. الإدانة لا توقف يدا ترفع عصا، ولا تفتح طريقا حاصرته مركبات المعتدين. وحين تتكرر الاعتداءات، تصبح الكلمات التي لا تتبعها إجراءات عاجزة عن طمأنة الناس. يشعر الفلسطيني أنه مطالب بتحمل الخطر، ثم انتظار بيان يصف ما وقع له.

ويصبح هذا الشعور أشد قسوة حين لا يجد لدى سلطته ما يبدد خوفه. فالناس يريدون أن تكون حمايتهم والدفاع عن بقائهم في أرضهم في مقدمة الأولويات، بينما يرون السياسة منشغلة بحسابات الحكم، وتحديد مواعيد الانتخابات والحديث عن تأجيلها. أي معنى لكل هذه الحسابات إذا كان المواطن لا يشعر بالأمان على الطريق مع طفله؟ وأي ثقة تبقى حين يبدو له أنه وحده ساعة الاعتداء؟

لا أطلب من هذا الأب أن يكون بطلا لا يخاف. أريد له أن يعيش حياة لا يضطر فيها إلى الاختيار المرتبك بين الهرب والبقاء تحت الضرب. وأريد لابنه أن يستعيد شعوره بالأمان، وأن يجد في حضن أبيه ما يخفف أثر تلك اللحظة.

لقد أحزنني فرار الأب، لكن ما أحزنني أكثر هو الوحدة التي كشفها المشهد. لهذا لن أحاكمه من وراء شاشة. سأبقى أسأل عن المعتدين، وعن الحماية الغائبة، وعن الذين تركوا أبا وطفله يواجهان هذا الرعب وحدهما.