الانتخابات الفلسطينية: نحو خطة وطنية لا تنتظر نضوج الظروف بل تصنعها

13/10/2026

كتب وليد العوض: أثار قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية حالة من الجدل في الأوساط السياسية والوطنية والشعبية، امتدت أصداؤها إلى المواقف الدولية، وفي مقدمتها الموقف الفرنسي، الذي أعاد تسليط الضوء على أهمية تجديد الشرعيات الفلسطينية عبر العملية الديمقراطية. وأمام ذلك، بدأ الحديث عن إمكانية تقديم موعد إجراء الانتخابات إذا توفرت الظروف المناسبة، الأمر الذي يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ننتظر نضوج الظروف، أم نبادر إلى صناعتها عبر خطة وطنية واضحة؟

لا شك أن الظروف التي يمر بها شعبنا، وخاصة في قطاع غزة الذي تعرض لحرب إبادة مدمرة، وما يواجهه من مخططات الفصل والوصاية، إلى جانب استمرار العدوان والاستيطان والضم في الضفة الغربية والقدس، تجعل إجراء الانتخابات مهمة معقدة. غير أن هذه التعقيدات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتأجيل مفتوح، بل إلى حافز لصياغة خطة سياسية متكاملة، تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة.

أولاً: المسار الفلسطيني.. استعادة الوحدة وتوفير البيئة الديمقراطية

تبدأ صناعة الظروف فلسطينياً بإطلاق حوار وطني شامل، يقوم على مراجعة سياسية حقيقية، برعاية منظمة التحرير الفلسطينية، ويفضي إلى توافق على رؤية وطنية وبرنامج عمل ملزم، ينهي الانقسام، ويوحد المؤسسات، ويضمن وحدة الولاية السياسية والقانونية على قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس.

ويتطلب ذلك توفير الحريات العامة، وإزالة القيود أمام العمل السياسي، ومعالجة الأوضاع الإنسانية والمعيشية الكارثية في غزة، والشروع الجاد في التعافي وإعادة الإعمار، بما يوفر الحد الأدنى من شروط المشاركة الديمقراطية الحرة.

كما ينبغي الاتفاق على طبيعة الانتخابات وأهدافها، باعتبارها محطة للانتقال من مرحلة السلطة الانتقالية إلى مرحلة الدولة، واستكمال بناء مؤسسات دولة فلسطين، وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً لشعبنا.

ثانياً: المسار العربي.. الانتقال من المساندة إلى الشراكة الفاعلة

تملك الدول العربية، وفي مقدمتها مصر والأردن، إلى جانب الدول ذات العلاقات الدولية المؤثرة، إمكانات سياسية ودبلوماسية يمكن توظيفها لدعم إجراء الانتخابات.

والمطلوب بلورة تحرك عربي منسق، يستند إلى قرارات القمم العربية، ويهدف إلى توفير الضمانات اللازمة لإجراء الانتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية، وحماية وحدة الولاية السياسية والقانونية والإدارية لقطاع غزة والضفة الغربية والقدس، ورفض أي ترتيبات تكرس الفصل أو الوصاية.

كما يتعين جعل قضية مشاركة القدس عنواناً مركزياً للتحرك العربي، والضغط على إسرائيل لوقف إجراءاتها التي تعرقل العملية الانتخابية، إلى جانب حشد الدعم لتوفير متطلبات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة.

ثالثاً: المسار الدولي.. تحويل الاعتراف بالدولة إلى التزامات عملية

يمتلك الشعب الفلسطيني اليوم عناصر قوة سياسية وقانونية مهمة، أبرزها اتساع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، وتنامي المواقف الرافضة للاحتلال  والتهجير والاستيطان والضم، فضلاً عن قرارات الشرعية الدولية.

ويمكن توظيف هذه العناصر عبر مبادرة دبلوماسية فلسطينية تستهدف فرنسا والدول الأوروبية المعترفة بفلسطين، والأمم المتحدة، والدول المؤثرة في القرار الدولي، بهدف بناء موقف دولي ضاغط يضمن حق الشعب الفلسطيني في إجراء انتخابات حرة وشاملة.

وفي هذا السياق، فإن الدول التي تطالب الفلسطينيين بتجديد شرعياتهم عبر الانتخابات، وفي مقدمتها فرنسا، مطالبة بدورها بالانتقال من الدعوة السياسية إلى الفعل العملي، والمساهمة في إزالة العقبات التي يفرضها الاحتلال أمام إجرائها. فلا يستقيم أن يُطالَب الفلسطينيون بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، فيما يواجههم الاحتلال بصناديق الرصاص لمنعهم من الوصول إليها بحرية وأمان، دون أن يقابل ذلك ضغط دولي جدي لإلزام إسرائيل باحترام حقهم في اختيار ممثليهم، وخاصة في القدس وقطاع غزة.

ويجب أن تتضمن هذه المبادرة المطالبة بضمانات دولية لإجراء الانتخابات في القدس، وحرية تنقل المرشحين والناخبين، وتأمين العملية الانتخابية في قطاع غزة، وإرسال بعثة رقابة دولية، ورفض أي تدخل إسرائيلي أو اشتراطات خارجية تمس حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم.

من الجدل حول التأجيل إلى خطة لإنهائه

إن نجاح هذه المسارات يستدعي الاتفاق على آلية وطنية لمتابعة تنفيذها، ووضع جدول زمني معلن، وتحديد المسؤوليات، وقياس التقدم المحرز، بما يتيح تقديم موعد الانتخابات متى تحققت الشروط الأساسية لإجرائها، أو الالتزام بموعدها المحدد على أقل تقدير.

فالمطلوب اليوم ليس استمرار الجدل بين مؤيد للتأجيل ومعارض له، ولا الاكتفاء بتبادل المسؤوليات، وإنما تحويل هذا الجدل إلى فرصة لمراجعة وطنية جادة، وصياغة خطة قابلة للتنفيذ، تجعل من إجراء الانتخابات استحقاقاً وطنياً لا رهينة للظروف أو الحسابات السياسية.

إن الظروف المناسبة للانتخابات لا تهبط من السماء، ولا يمنحها الاحتلال طوعاً، بل تصنعها الإرادة الوطنية الموحدة، وتسندها المواقف العربية، وتحميها الضمانات الدولية. وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لجدية الحديث عن الالتزام بموعد الانتخابات أو تقديمه.