محمود كلّم يكتب لوطن: سمر حمد… حين تُغيَّب الأم وينكسر قلب الطفولة

12/10/2026

ما أقسى الظلم حين تكون الأم خلف القضبان، وأطفالها الصغار ينتظرون عودتها، يبحثون عن دفء حضنها وحنانها، ولا يعرفون لماذا غابت عنهم، ولا متى ستعود!

سمر حمد، مربية الأجيال، ليست مجرد معتقلة؛ إنها أمٌّ تركت قلبها بين أطفالها، وروحٌ لا بد أن تظل معلّقة بهم مهما ابتعدت المسافات واشتدّت القضبان. إن وجعنا عليها، وعلى أطفالها وزوجها وأهلها، أكبر من أن تحيط به الكلمات، فخلف كل أمٍّ غائبة حكاية أسرة تحاول أن تتماسك في مواجهة قسوة الانتظار.

أيُّ ذنبٍ اقترفه طفلٌ حين يُحرم من حضن أمه؟ وأيُّ وجعٍ يسكن قلب أمٍّ تعرف أن أطفالها يحتاجون إليها، بينما تقف جدران السجن حائلاً بينها وبينهم؟ هناك أحزان لا تُقاس بالأيام، بل بدمعة طفل، وبسؤال يتكرر في البيت، وبأيدٍ صغيرة تمتدّ بحثاً عن حضنٍ لا تصل إليه.

وفي حكاية سمر حمد، تحضر أسماء لا يمكن فصلها عن الذاكرة الفلسطينية؛ الشهيد نزار بنات، الذي بقيت كلماته حاضرة بعد رحيله، والمعتقل علاء الريماوي، الذي نرجو أن تنتهي محنته بعودته إلى الحرية.

ثلاثة أسماء، وثلاث حكايات مختلفة، يجمعها حضور الإنسان الفلسطيني في مواجهة المحنة، وما تتركه هذه المحن من آثار في العائلات والأصدقاء وكل من يحمل في قلبه ذكرى أو سؤالاً لم يجد جواباً. الشهيد نزار بنات الذي غاب جسده وبقي صوته في الذاكرة، وعلاء الريماوي الذي ننتظر له الحرية، وسمر حمد التي ينتظر أطفالها عودتها؛ لكلٍّ منهم حكايته، لكن خلف كل حكاية قلوباً معلّقة بالأمل، وأحبةً يثقلهم الغياب.

لم يعد نزار بنات إلى أحبّته، وما زال غيابه حاضراً في ذاكرة من عرفوه وتابعوا كلماته. أما علاء الريماوي، فتبقى أمنية الحرية حاضرة في الدعاء له. وفي حالة سمر حمد، تتخذ الحكاية وجهاً أكثر إيلاماً حين نتخيل أطفالاً ينتظرون أمهم، ولا يملكون سوى السؤال عنها وانتظار اليوم الذي تعود فيه إليهم.

فالاعتقال لا يقف أثره عند الشخص الذي يفقد حريته؛ إنه يمتد إلى بيتٍ تتغير تفاصيل حياته، وأطفالٍ يفتقدون وجود أحد الوالدين، وزوجٍ وأسرةٍ يحاولون مواصلة أيامهم رغم القلق. وقد لا يعرف الطفل كيف يصف ما يشعر به، لكنه يعرف جيداً أن مكاناً ما في يومه قد أصبح فارغاً، وأن شخصاً عزيزاً لم يعد موجوداً إلى جانبه.

إلى سمر حمد، أقول: إن قوة الإنسان لا تعني أنه لا يتألم، بل أن يظل متمسكاً بالأمل رغم الألم. نسأل الله أن يثبّتك، ويحفظ أطفالك، ويخفف عن زوجك وأهلك، ويجمعك بهم قريباً، لتعودي إلى حضنهم الذي لا يعوّضه شيء، وإلى تفاصيل الحياة التي حُرمتِ منها.

وإلى زوجة نزار بنات وأطفاله، وإلى محبّي علاء الريماوي، وإلى كل أسرة تنتظر عودة عزيزٍ غائب، نقول إن الذاكرة لا تُغلق أبوابها، وإن الكلمات التي تترك أثراً في الناس لا تختفي بمجرد غياب أصحابها. قد تُحاصر الكلمة، وقد يُقيَّد الجسد، لكن الأسئلة التي يتركها الظلم تبقى بحاجة إلى إجابات، والحقوق لا تفقد قيمتها بمرور الزمن.

إن أصعب ما في حكاية سمر ليس القضبان وحدها، بل المسافة التي تفصل أمًّا عن أطفالها، وتحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية؛ أن يعيشوا بقربها، وأن يجدوا في حضنها الأمان والطمأنينة. لذلك، فإن أمنيتنا لها ليست مجرد نهاية للاعتقال، بل عودة إلى بيتها وأطفالها، وإلى حياةٍ تستعيد فيها الأسرة شيئاً من دفئها الذي انتزعه الغياب.

سنظل نتمسك بالأمل من أجل سمر وأطفالها، ومن أجل علاء الريماوي وكل إنسان ينتظر حريته، وسنظل نذكر الشهيد المغدور نزار بنات بما تركه من كلمات ومواقف في ذاكرة من عرفوه. فالحرية ليست أمنية فردية فحسب، بل قيمة إنسانية تتصل بكرامة الإنسان وحقه في الحياة الآمنة والكريمة.
للحرية فجرٌ قادم، وإن طال ظلامُ الليل.