
تستحق الدعوة الفرنسية إلى إجراء الانتخابات الفلسطينية نقاشاً يتجاوز تأييد الانتخابات أو الاعتراض على تأجيلها فالسؤال الجوهري الذي ينبغي أن تطرحه فرنسا والاتحاد الأوروبي على نفسيهما هو: كيف يمكن ضمان انتخابات حرة وشاملة ونزيهة لشعب يعيش تحت الاحتلال ولا يملك السيطرة الكاملة على أرضه وحدوده وحركته وأمنه؟ وهل يكفي الضغط على القيادة الفلسطينية لتحديد موعد للاقتراع أم أن دعم الديمقراطية يقتضي أيضاً العمل على إزالة العقبات التي تحول دون ممارستها؟
إن فرنسا التي اعترفت بدولة فلسطين تملك فرصة لتحويل موقفها من الانتخابات إلى خطوة عملية تعزز حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وبناء مؤسساتهم الديمقراطية لكن نجاح هذا الدور يتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين مطالبة القيادة الفلسطينية بتجديد الشرعية ومطالبة إسرائيل بتوفير الظروف التي تتيح للفلسطينيين ممارسة حقهم الانتخابي والعمل على إنهاء الانقسام الذي يقسم الأرض والسلطة والمؤسسات.
في بيانها الصادر في 11 تشرين الأول 2026 أعربت وزارة الخارجية الفرنسية عن أسفها لتأجيل الانتخابات ودعت السلطات الفلسطينية إلى التراجع عن القرار وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في أسرع وقت مؤكدة استعدادها للعمل مع شركائها الأوروبيين لدعم العملية الانتخابية ويعكس هذا الموقف اهتماماً فرنسياً واضحاً بتجديد الشرعية الديمقراطية الفلسطينية كما يفتح الباب أمام دور أوروبي أوسع في متابعة هذا الملف.
غير أن أهمية الموقف الفرنسي لا تتوقف عند مضمونه بل تمتد إلى تأثيره المحتمل في النقاش الأوروبي فباريس تستطيع أن تدفع باتجاه مقاربة أوروبية لا تكتفي بإصدار البيانات وإنما تربط دعم الانتخابات بخطة عملية لمعالجة العقبات السياسية والأمنية والقانونية التي تواجهها ومع ذلك فإن الموقف الفرنسي لا يعني تلقائياً وجود إجماع أوروبي على جميع تفاصيله فالمعيار الحقيقي هو ما ستتبناه مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء من خطوات ملموسة.
ومن هنا فإننا نطرح على أصدقائنا في فرنسا وأوروبا سؤالاً مشروعاً: هل ستقتصر المطالبة على تحديد موعد للانتخابات أم ستترافق مع تحرك دبلوماسي جاد لضمان إمكانية إجرائها فعلياً واحترام نتائجها وتمكين المؤسسات المنتخبة من ممارسة صلاحياتها؟ الانتخابات ليست مجرد صناديق اقتراع بل منظومة متكاملة من الحرية والأمان وتكافؤ الفرص واحترام النتائج.
في قطاع غزة لا يمكن تجاهل واقع سيطرة حركة حماس على الأرض والأجهزة القائمة فيها إلى جانب وجود مجموعات مسلحة موالية لإسرائيل تسيطر على أجزاء أخرى من القطاع وهذا الواقع يطرح أسئلة أساسية بشأن حرية الدعاية الانتخابية وسلامة المرشحين والناخبين واستقلال العملية الانتخابية ومنع التهديد والتزوير والعبث بالصناديق أو حرقها والسؤال الأهم هنا ليس فقط ما إذا كان ممكناً تنظيم الاقتراع بل ما إذا كانت جميع الأطراف ستلتزم بنتائجه هل ستسلم حركة حماس السلطة إلى الحكومة الفلسطينية التي تحظى بثقة المجلس التشريعي المنتخب وتمكّنها من ممارسة صلاحياتها كاملة إذا جاءت النتائج بما لا يتفق مع مصالحها السياسية؟ وهل ستخضع الأجهزة القائمة في القطاع للمؤسسات الشرعية والقانون بما يضمن عدم تحويل السيطرة الميدانية إلى وسيلة لتعطيل إرادة الناخبين؟ هذه ليست أسئلة موجهة إلى حماس وحدها بل هي جزء من الاختبار الديمقراطي الذي ينبغي أن تخضع له جميع القوى الفلسطينية.
وفي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تواجه الانتخابات عقبات مختلفة لكنها لا تقل خطورة فالاحتلال الإسرائيلي يفرض قيوداً على الحركة والوصول إلى مناطق واسعة وتؤثر الحواجز والإغلاقات في قدرة المواطنين على التنقل فيما تتواصل اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم كما تبقى مشاركة القدس الشرقية مرتبطة بموقف السلطات الإسرائيلية والإجراءات التي تسمح للفلسطينيين بممارسة حقهم الانتخابي فيها فكيف يمكن الحديث عن انتخابات شاملة إذا لم يتمكن المرشحون من الوصول بحرية إلى المواطنين أو تعرض الناخبون للتهديد أو حالت القيود الإسرائيلية دون المشاركة في بعض المناطق؟ وكيف يمكن مطالبة الفلسطينيين بتجديد شرعيتهم الديمقراطية من دون مطالبة إسرائيل بتوفير الشروط اللازمة لممارسة هذا الحق؟ إن صناديق غزة لا يجوز أن تبقى خاضعة للأمر الواقع الذي تفرضه حماس أو لأي قوة مسلحة أخرى كما لا يجوز أن تبقى صناديق الضفة والقدس رهينة القيود الإسرائيلية واعتداءات المستوطنين والهدف ليس استخدام هذه العقبات لتبرير التأجيل إلى أجل غير معلوم بل وضع خطة وطنية ودولية لمعالجتها بحيث لا يصبح الانقسام الداخلي أو الاحتلال وسيلة لتعليق حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم .
وهنا تبرز مسؤولية فرنسا والاتحاد الأوروبي فإذا كانت أوروبا ترى أن الانتخابات ضرورية لتجديد الشرعية الفلسطينية فإن عليها أن تجعل إزالة العقبات جزءاً أساسياً من جهودها لا أن تتعامل معها باعتبارها مسؤولية فلسطينية داخلية فقط.
يمكن لفرنسا أن تقود حواراً أوروبياً يحدد بوضوح ما هو مطلوب من كل طرف فمن القيادة الفلسطينية يُطلب وضع مسار انتخابي واضح وضمان استقلال لجنة الانتخابات وحماية الحريات العامة وتكافؤ الفرص بين القوائم والمرشحين والعمل على إنهاء الانقسام ومن حركة حماس يُطلب ضمان حرية العمل السياسي والالتزام بنتائج الاقتراع واحترام التداول السلمي للسلطة ومن إسرائيل يُطلب عدم عرقلة الانتخابات وتوفير الظروف اللازمة لمشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية ورفع القيود التي تحول دون ممارسة حقهم الانتخابي واتخاذ إجراءات فعالة لمنع اعتداءات المستوطنين وحماية المواطنين.
أما الاتحاد الأوروبي فيمكنه توظيف علاقاته السياسية والدبلوماسية مع الأطراف المعنية ودعم لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية وتوفير المساعدة الفنية وإرسال بعثة مراقبة قادرة على تقييم العملية الانتخابية في مختلف المناطق التي يمكن الوصول إليها لكن ينبغي التمييز بين مراقبة الانتخابات وضمان شروطها فالمراقبون يستطيعون رصد المخالفات وتوثيقها لكنهم لا يستطيعون وحدهم إزالة الحواجز أو حماية المرشحين من التهديد أو فرض احترام النتائج على الأطراف المسلحة.
ومن المهم أيضاً أن تتناول أي مبادرة أوروبية مسألة ما بعد الانتخابات فنجاح الاقتراع لا يكتمل بإعلان النتائج بل يتطلب اتفاقاً سياسياً وقانونياً واضحاً بشأن تشكيل الحكومة وصلاحياتها وخضوع الأجهزة والمؤسسات للقانون واحترام نتائج الصناديق و هذا يتطلب حوار شامل بين كل الأطراف الفلسطينية و حتى الاسرائيلية وينبغي أن يكون هذا الالتزام متبادلاً: فإذا فازت حركة فتح في الانتخابات لا يجوز لأي طرف أن يمنعها من ممارسة صلاحياتها القانونية في غزة و الضفة وإذا فازت حماس أو أي قائمة أخرى فإن على فتح وسائر القوى احترام النتيجة والتداول السلمي للسلطة وفقاً للقانون و لا يمكن الدفاع عن الديمقراطية عندما تخدم مصالحنا ثم التشكيك بها عندما تمنح الآخرين حق الحكم.
إن هذا المبدأ هو ما يمنح الانتخابات معناها الحقيقي وهو أيضاً ما ينبغي أن يكون محور الدعم الأوروبي: بناء نظام سياسي فلسطيني يستطيع الاحتكام إلى صناديق الاقتراع بدلاً من السلاح أو السيطرة الميدانية أو التدخل الخارجي.
وفي المقابل لا يمكن أن يصبح الاحتلال والانقسام ذريعة مفتوحة لتأجيل الانتخابات إلى أجل غير معلوم فالشعب الفلسطيني يستحق تجديد مؤسساته واستعادة وحدته السياسية والجغرافية واختيار ممثليه بحرية ومن حق فرنسا وأوروبا مطالبة القيادة الفلسطينية بتحمل مسؤولياتها لكن من حق الفلسطينيين أيضاً أن يسألوا شركاءهم الدوليين عن مسؤولياتهم في مواجهة الاحتلال والقيود التي تمنعهم من ممارسة هذا الحق.
إن الاعتراف الفرنسي بدولة فلسطين يكتسب بعداً عملياً إضافياً عندما يقترن بالدفاع عن قدرة الشعب الفلسطيني على ممارسة سيادته السياسية واختيار قيادته ومحاسبتها وتغييرها عبر الانتخابات فالدولة ليست اعترافاً دبلوماسياً فحسب بل مؤسسات شرعية وحقوقاً سياسية وقدرة على إدارة الشأن العام بإرادة المواطنين.
لهذا فإننا لا نطالب فرنسا بالتراجع عن دعوتها إلى الانتخابات ولا نرى في تجديد الشرعية الديمقراطية مسألة ثانوية بل ندعوها إلى توسيع مبادرتها بحيث تشمل إزالة العقبات وضمان حرية الاقتراع واحترام النتائج ونأمل أن يتحول موقفها إلى تحرك أوروبي عملي يوازن بين المطالبة الفلسطينية بالالتزام الديمقراطي ومطالبة الأطراف التي تعرقل هذا الالتزام بتحمل مسؤولياتها.
إن السؤال الذي نضعه أمام فرنسا وأوروبا ليس: هل تريدون إجراء الانتخابات الفلسطينية؟ بل: هل أنتم مستعدون للمساعدة في جعلها ممكنة وحرة وشاملة وضمان احترام نتائجها؟ فالديمقراطية لا تُختبر بقدرة الشعب على الوصول إلى صندوق الاقتراع وحده بل بقدرته على الاختيار من دون خوف وبقدرة المؤسسات المنتخبة على ممارسة صلاحياتها وبالتزام الجميع بقبول النتائج وإذا كانت فرنسا وأوروبا تريدان أن تكون الانتخابات مدخلاً إلى تجديد الشرعية وإنهاء الانقسام وتعزيز حل الدولتين فإن الطريق إلى ذلك يبدأ من تحويل الضغط السياسي إلى ضمانات عملية ومن التعامل مع حقوق الفلسطينيين باعتبارها التزاماً يجب حمايته لا مجرد مطلب يُوجَّه إليهم.