الانتخابات إلى أيلول 2027: تأجيل للاستحقاق أم هروب من الصندوق؟

11/10/2026

كتب فراس صالح: لم يكن الفلسطينيون بحاجة إلى موعد انتخابي جديد بقدر حاجتهم إلى قرار سياسي جاد يفتح الطريق أمام تجديد الشرعية الديمقراطية وإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة الوطنية. لكن ما جرى في 10 تشرين الأول/أكتوبر، بإصدار مرسوم رئاسي ألغى الموعد الذي كان محدداً في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وحدد أيلول/سبتمبر 2027 موعداً متزامناً للانتخابات التشريعية والرئاسية، يطرح سؤالاً مشروعاً لا يمكن القفز عنه: هل نحن أمام تأجيل مؤقت فعلاً، أم أمام إعادة إنتاج للنهج الذي أبقى المؤسسات الفلسطينية أسيرة الفراغ والتعطيل؟

في 9 تموز/يوليو 2026، صدر المرسوم الرئاسي الذي دعا إلى انتخاب المجلس التشريعي في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر، وبدأت لجنة الانتخابات فعلياً تنفيذ الجدول الزمني، من تسجيل الناخبين إلى إجراءات الترشح والاستعداد للاقتراع. بل إن لجنة الانتخابات أكدت في أواخر أيلول أن التعديلات القانونية التي طرأت على مدة الترشح لا تمس موعد الاقتراع، وأنها ماضية في التحضير للانتخابات.

ثم، في اللحظة التي اقترب فيها الاستحقاق من مراحله الحاسمة، جرى نقل الموعد عاماً كاملاً تقريباً. هنا تكمن المشكلة السياسية، لا في التأجيل بوصفه إجراءً قانونياً فحسب، بل في غياب الضمانات التي تجعل من التأجيل جسراً إلى الانتخابات، لا طريقاً مفتوحاً لإعادة تأجيلها مرة أخرى.

لقد حذرت التجربة الفلسطينية من هذا المسار. ففي عام 2021، جرى تأجيل الانتخابات العامة التي كانت مقررة آنذاك، وربط المرسوم التأجيل بتوفير شروط إجرائها، وفي مقدمتها القدس. وانتهى الأمر عملياً بعدم إجراء الانتخابات. لذلك فإن القلق من تكرار السيناريو ليس افتراضاً من فراغ، بل يستند إلى تجربة فلسطينية قريبة ما زالت ماثلة أمام الجميع.

والأكثر إلحاحاً أن السؤال لا يتعلق فقط بالاحتلال والعوائق الميدانية، وهي عوامل لا يمكن إنكارها، بل أيضاً بالإرادة السياسية الفلسطينية في مواجهة هذه العوائق. فإذا كانت الظروف غير ملائمة لإجراء الانتخابات، فلماذا لم يجرِ منذ صدور مرسوم 9 تموز فتح حوار وطني شامل وجاد، يشارك فيه الجميع، لوضع حلول سياسية وقانونية متوافق عليها، بالتوازي مع الاستعداد للانتخابات؟ ولماذا لا يكون الحوار وسيلة لحماية الاستحقاق الانتخابي، بدلاً من أن يتحول التأجيل إلى بديل عنه؟

إن الانتخابات ليست ترفاً، ولا موعداً إدارياً يمكن نقله كلما اشتدت الصعوبات. إنها إحدى الأدوات الأساسية لتجديد الشرعية وإعادة بناء مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة الاعتبار لإرادة الناخبين بعد سنوات طويلة من الانقسام والجمود. ومن هنا، فإن أي تأجيل لا يقترن بضمانات واضحة وملزمة، وجدول سياسي متفق عليه، وحوار وطني شامل، يبقى معرضاً لأن يتحول من تأجيل مؤقت إلى إلغاء غير معلن.

وهنا تبرز، أيضاً، القراءة السياسية التي ترى أن الخوف من صندوق الاقتراع قد يكون أحد دوافع التردد في الذهاب إلى الانتخابات. فالصندوق لا يمنح أحداً ضمانة مسبقة، ولا يحمي قوة سياسية من حكم الناخبين. وهذه هي جوهر الديمقراطية: أن تقبل القوى السياسية بنتائج الانتخابات قبل إجرائها، لا أن تعيد ترتيب موعدها كلما اقترب موعد الاحتكام إلى إرادة الناس. أما إذا كانت هناك خشية سياسية من النتائج، فإن معالجتها لا تكون بإغلاق الطريق أمام الانتخابات، بل بالذهاب إليها والاستناد إلى برنامج وطني قادر على كسب ثقة الناخبين.

المطلوب، لذلك، ليس الاكتفاء بإعلان موعد جديد، بل إطلاق حوار وطني فوري يضع الانتخابات في مركز العملية السياسية، ويبحث شروط إجرائها وضماناتها، ويشمل جميع القوى دون استثناء. كما ينبغي إشراك الجميع في اللجان التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني، بما يعزز الثقة بالعملية الانتخابية ومخرجاتها، ويمنع احتكار القرار الوطني.

إن تأجيل الانتخابات لعام، من دون اتفاق وطني ملزم على ضمان إجرائها، يبقى قفزة في الهواء. والخطر الحقيقي ليس في تأخير موعد الاقتراع وحده، بل في أن يتحول التأجيل إلى ثقافة سياسية دائمة، وأن يصبح صندوق الانتخاب هو الحلقة التي يجري تفاديها كلما اقترب موعدها. الخروج من هذه الدائرة لا يحتاج إلى مزيد من المراسيم، بل إلى إرادة سياسية تحتكم إلى الشعب، وحوار وطني يسبق الانتخابات ولا يستبدلها، وشراكة تعيد بناء النظام السياسي على قاعدة أن الشرعية مصدرها الناخب الفلسطيني، وأن لا أحد يملك حق مصادرة صوته أو تأجيل استحقاقه إلى أجل غير مسمى■