رزق عطاونة يكتب لوطن: حوار بشروط الشعب ؟

11/10/2026

 ليس أخطر ما يمكن أن يحدث للشعب الفلسطيني أن تؤجل الانتخابات مرة أخرى، بل أن تنجح النخبة السياسية في إقناعه بأن تأجيل الانتخابات هو ثمن لا بد من دفعه مقابل حوار لا يثق بنتائجه، فبعد تسعة عشر عاماً من غياب الانتخابات، أصبح السؤال لماذا نثق مجدداً في الأطراف نفسها التي فشلت في إنهاء الانقسام، ونمنحها حق تقرير موعد استعادة شرعية الشعب، وكأن هذه الشرعية قابلة للتأجيل كلما تعارضت مع حساباتها السياسية؟

إننا أمام مفارقة سياسية، القضية الفلسطينية تمر بمرحلة وجودية، والاحتلال يسعى إلى اقتلاع الشعب من أرضه، والإبادة في غزة تستدعي أعلى درجات الوحدة الوطنية، لكن القوى السياسية تعجز عن تحويل هذه القناعة إلى نظام سياسي موحد ومؤسسات منتخبة.
منذ الانقسام عام 2007، غابت الانتخابات العامة، وتعطلت إحدى أهم أدوات الرقابة والمساءلة، واتسعت الفجوة بين المجتمع ومؤسساته السياسية. وتشكلت حكومات متعاقبة من دون نيل ثقة مجلس تشريعي منتخب يمارس صلاحياته الدستورية، لقد تراجعت القدرة على بناء استراتيجية وطنية مشتركة، وأصبح القرار أكثر عرضة للتفرد، كما زادت حالة الاغتراب عن مؤسسات النظام لدى فئات اجتماعية تجد نفسها مطالبة بتحمل نتائج قرارات لم تشارك في صنعها، ومواجهة واقع سياسي لا تملك وسيلة ديمقراطية  لتغييره.
ولا يعني ذلك أن إجراء الانتخابات وحده كفيل بإنهاء الاحتلال ووقف الإبادة أو استعادة الوحدة. لكنه يعني أن شعباً يخوض معركة وجودية لا يستطيع أن يواصل هذه المعركة بنفس الادوات السياسية، ومؤسسات محدودة الحيوية التمثيلية، وقيادة لا تخضع بصورة منتظمة للمساءلة والتجديد الشعبي.
لقد جربت الحوارات الفلسطينية في مكة وموسكو وغيرهما من العواصم، وتكررت اللقاءات البيانات التي بشرت بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ما عدد الالتزامات التي نفذتها القوى وحجم التغيير الذي لمسه المواطن في حياته.
إذا هذه القوى عجزت على مدى سنوات طويلة، عن تحويل اتفاقاتها إلى وحدة سياسية ومؤسساتية فما الذي تغير اليوم حتى يطلب من الشعب أن يمنحها ثقة جديدة، من دون ضمانات مختلفة، أو قواعد تفاوض جديدة.

فإن المطلوب تحرير الحوار من احتكار الفصائل له ومن تحويله إلى أداة لتأجيل الاستحقاق الديمقراطي. فالتوافق الذي يحمي المصالح الوطنية العليا هو الذي يفتح الطريق أمام الشعب ليقرر.
ولنفترض جدلاً أن القوى السياسية جادة هذه المرة في إنهاء الانقسام، واستعادة الحق في تجديد الشرعيات، وإعادة الحيوية إلى مؤسسات النظام السياسي، وفتح المجال أمام الراغبين في إدارة الشأن العام من خلال الاقتراع. عندها،لابد أن تختلف آليات الحوار عن سابقاتها، وإلا فلن يكون هناك مبرر لتوقع نتائج مختلفة.
أولًا: تغيير تركيبة الوفود التفاوضية، وعدم استدعاء الوجوه نفسها التي شاركت في جولات سابقة من دون أن تنجح في تنفيذ مخرجاتها وفتح المجال أمام شخصيات مستقلة وفاعلين في الشأن العام، الشباب والنساء والمجتمع المدني، ممن يمتلكون القدرة على تقديم تصورات تتجاوز حسابات البقاء في السلطة.
ثانياً: أن يعقد الحوار داخل فلسطين، فالحوار الذي يقرر مستقبل الفلسطينيين ينبغي أن يكون قريباً من الناس ومن تطلعاتهم ولا يبقى حوار مغلق تتقدم فيها الحسابات التنظيمية على المصلحة الوطنية.
ثالثاً: أن يكون الحوار علنياً و إتاحة الاطلاع على المقترحات والمواقف وأسباب الخلاف. لضمان الحصول على تغذية مباشرة من الرأي العام ومعرفة من يسعى إلى التوافق ومن يعطل الوصول إليه.
رابعاً: الاتفاق على جدول زمني ملزم ومخرجات محددة قابلة للقياس وآلية مستقلة لمتابعة التنفيذ، مع نشر محاضر الالتزامات وتحديد المسؤوليات. فلا يجب أن يتفق المجتمعون على ترك تفاصيل التنفيذ لمفاوضات جديدة لا تنتهي.
خامساً: أن يكون تجديد الشرعيات عبر الانتخابات جزءاً أساسياً من مخرجات الحوار. وبحث الضمانات العملية لإجراء الانتخابات في القدس والضفة وغزة، ومواجهة عراقيل الاحتلال، من دون تحويلها إلى مبرر دائم لتعليق الحق الديمقراطي.
إن أخطر ما يمكن أن ينتجه الحوار المقبل هو إعادة تدوير الأزمة،وتأجيل الانتخابات، ثم تحميل الظروف الخارجية لوحدها مسؤولية الاخفاق لذلك، يجب أن يشارك صناع القرار في هذا الحوار وهم يدركون أن الفشل لن يمر من دون ثمن سياسي والمطلوب التزام معلن من قادة الوفود بأن تكون هذه الجولة فرصة أخيرة لهم في إدارة ملف المصالحة وتجديد الشرعيات وأن يترتب على إخفاقها تنحيهم عن مواقع القيادة والاعتزال السياسي، وفق آليات واضحة ومتفق عليها مسبقاً، تضمن ألا تتحول هذه المسؤولية إلى شعار أخلاقي بلا أثر. قد يعترض البعض بأن هذا الشرط متشدد، وأن المرحلة لا تحتمل فراغاً سياسياً أو مغامرات غير محسوبة. لكن السؤال المقابل أكثر إلحاحا هل تحتمل المرحلة استمرار الفراغ التمثيلي والتفرد وتعطيل المؤسسات إلى أجل غير معلوم؟ وهل يجوز أن يبقى الشعب رهينة حسابات النخب، بينما تتعرض أرضه وحقوقه ووجوده الوطني لمحاولات التصفية؟