
كتب: محمد مصطفى شاهين
هناك أشياء في السياسة تشبه الساعات التي تتوقف عن الحركة لكنها تظل معلقة على الجدار وكأن الزمن ما زال يعمل فيها والمؤسسات السياسية التي تتوقف عن تجديد شرعيتها تشبه تلك الساعات تماما فهي موجودة في الظاهر لكنها تفقد شيئا فشيئا قدرتها على إقناع الناس بأن لها الحق في تمثيلهم والتحدث باسمهم واتخاذ القرارات نيابة عنهم ومن هنا فإن تأجيل الانتخابات الفلسطينية ليس مجرد خبر سياسي عابر ولا قرار إداري يمكن تجاوزه بانتظار موعد آخر وإنما هو سؤال كبير عن معنى السلطة ومصدر الشرعية وحدود العلاقة بين الحاكم والمحكوم فالشعب الذي يمنح تفويضه مرة لا يفقد حقه في مراجعته وتجديده والشعوب التي تختار ممثليها لا تفعل ذلك لكي تتنازل لهم إلى الأبد عن حق الاختيار وإنما لكي تظل العلاقة بين الطرفين محكومة بالقانون والإرادة الحرة والمساءلة الدورية.
والسياسة في جوهرها ليست مجرد فن الوصول إلى السلطة وإنما هي أيضا فن معرفة حدود البقاء فيها فليس أخطر على النظام السياسي من أن ينسى أن المنصب العام ليس ملكا شخصيا وأن التفويض الشعبي ليس شيكا مفتوحا بلا تاريخ انتهاء ولهذا جاءت القواعد الدستورية لتحدد مدد الولايات وتنظم تداول السلطة وتحول دون تحول المؤسسات إلى مواقع مغلقة على أصحابها فالقانون الأساسي الفلسطيني المعدل ينص في المادة السابعة والأربعين على أن مدة المجلس التشريعي أربع سنوات من تاريخ انتخابه وأن الانتخابات تجري مرة كل أربع سنوات بصورة دورية كما تحدد المادة السادسة والثلاثون مدة رئاسة السلطة الوطنية بأربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط وهذه النصوص ليست زينة قانونية توضع في مقدمة الوثائق ولا عبارات جميلة يستشهد بها المسؤولون حين تكون الظروف ملائمة وإنما هي قواعد تنظم الحياة السياسية وتضع حدودا لممارسة السلطة وتحمي حق المواطن في اختيار ممثليه وتجديد تفويضهم.
وعندما يتعطل هذا الاستحقاق تتسع المسافة بين النص الدستوري والواقع السياسي وتظهر أزمة لا يمكن اختزالها في خلاف حول موعد الاقتراع أو في صعوبات إجرائية تتعلق بتنظيمه فالمسألة تتصل بمبدأ سيادة القانون وبالتوازن بين السلطات وبحق الشعب في الرقابة والمحاسبة وتجديد الشرعية ومن الضروري هنا التمييز بين التوصيف السياسي للأزمة والحكم القانوني على تفاصيلها إذ إن تحديد الآثار الدستورية المترتبة على استمرار شاغلي المناصب يحتاج إلى قراءة مجموع النصوص والأحكام ذات الصلة غير أن ذلك لا ينفي أن استمرار تعطيل الانتخابات يضعف الحياة الدستورية ويحد من فاعلية الرقابة البرلمانية ويفتح المجال أمام اتساع الاعتماد على المراسيم والقرارات التنفيذية في غياب مجلس تشريعي يمارس دوره الرقابي والتشريعي بصورة منتظمة وهكذا تتحول المشكلة من تأجيل موعد إلى خلل في آليات تجديد الشرعية ذاتها.
ولعل تجربة عام 2021 وما رافقها من تأجيل الانتخابات الفلسطينية تقدم مثالا واضحا على خطورة أن يصبح الاستحقاق الديمقراطي رهينة الظروف السياسية وحسابات القوى المختلفة فالانتخابات ليست مضمونة النتائج لأحد ولا ينبغي أن تكون كذلك لأنها تفقد معناها عندما تصبح نتيجتها معروفة سلفا أو عندما تتعامل معها الأطراف السياسية بوصفها مغامرة ينبغي تجنبها لا حقا شعبيا يجب احترامه ومن الطبيعي أن تتباين القوى في برامجها وأن تخشى بعضها خسارة مواقعها لكن الديمقراطية لا تقوم على ضمان البقاء في السلطة وإنما على قبول احتمال مغادرتها وحين يشعر المواطن بأن الحسابات الفصائلية قد تتقدم على المصلحة الوطنية وأن المواقع القائمة تحظى بالحماية بينما يؤجل حقه في الاختيار فإن الثقة تبدأ في التراجع ويحل الإحباط محل المشاركة ويصبح الصمت في الشارع علامة على أزمة لا على الرضا.
وهنا تظهر واحدة من أخطر نتائج التأجيل المتكرر وهي أن المواطن قد يفقد ثقته بالقيادة والفصائل معا فلا يعود يرى في المؤسسات القائمة مجالا حقيقيا للتغيير ولا في المشاركة السياسية وسيلة مؤثرة لصنع المستقبل وعندما تتراجع الثقة تتراجع معها الرغبة في الانخراط في العمل العام وتضعف الأحزاب والحركات المدنية وتزداد الفجوة بين المجتمع والنظام السياسي وقد يجد بعض الناس أنفسهم مدفوعين إلى البحث عن وسائل أخرى للتعبير عن غضبهم أو مطالبهم خارج الأطر المؤسسية وليس في ذلك ما يخدم استقرار المجتمع أو يعزز قدرته على مواجهة التحديات الوطنية بل إنه يضيف إلى الانقسام الفلسطيني القائم أزمة جديدة تتعلق بشرعية التمثيل ومن يملك حق اتخاذ القرار باسم الشعب.
إن القضية الفلسطينية بما تواجهه من احتلال وانقسام وتحديات وطنية كبرى تحتاج إلى نظام سياسي متجدد يستمد قوته من شعبه لا من طول بقائه وتحتاج إلى مؤسسات قادرة على جمع الفلسطينيين حول مشروع وطني مشترك لا إلى هياكل تتآكل فاعليتها بفعل الجمود السياسي فالانتخابات وحدها ليست حلا سحريا لكل الأزمات لكنها تظل إحدى أهم الأدوات السلمية والدستورية لتجديد الشرعية وإعادة بناء الثقة وتصحيح مسار التمثيل السياسي ولذلك فإن المطلوب ليس البحث عن مبررات جديدة للتأجيل وإنما توفير الإرادة السياسية والضمانات القانونية التي تسمح بإجراء انتخابات حرة ونزيهة وتكفل التنافس العادل وتحترم نتائج صناديق الاقتراع.
وفي النهاية فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفلسطينيين ليس من سيكسب الانتخابات المقبلة وإنما كيف يمكن استعادة حقهم في الاختيار أصلا فالأوطان لا تبنى بالخوف من النتائج ولا تستقر بتجميد الحياة السياسية ولا تكتسب مؤسساتها الشرعية لمجرد استمرارها في أداء وظائفها الشكلية وإنما تكتسبها حين يشعر المواطن أن صوته مسموع وأن القانون يسري على الجميع وأن السلطة مسؤولية مؤقتة وليست امتيازا دائما فالدستور الذي لا يحمي حق الشعب في تجديد ممثليه يفقد جانبا أساسيا من وظيفته والديمقراطية التي تؤجل كلما اقترب موعد الاختبار تتحول إلى وعد مؤجل والشرعية التي لا تتجدد تظل معرضة للتآكل مهما طال بقاؤها ولهذا فإن استعادة الانتخابات ليست مجرد استحقاق سياسي مؤجل بل خطوة ضرورية نحو استعادة الثقة وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس سيادة القانون والإرادة الشعبية والشراكة الوطنية الحقيقية.