
أمس وفي التاسع من تشرين الأول ، أستعدنا ذكرى إستشهاد قائدين ثوريين تركا بصمتهما في تاريخ النضال الإنساني والتحرر الوطني ، إرنستو تشي جيفارا ، الذي اغتيل في بوليفيا عام ١٩٦٧ على يد وكالة المخابرات المركزية الآمريكية وأعوانها ، وماجد أبو شرار ، القائد الوطني والمثقف الثوري الفلسطيني الذي اغتاله الموساد الإسرائيلي في روما عام ١٩٨١ .
ورغم اختلاف الجغرافيا والتجربة والظروف التاريخية ، فقد جمعتهما رؤية إنسانية تقدمية آمنت بأن الحرية لا تتجزأ ، وأن النضال ضد الإستعمار والأحتلال الاستيطاني يرتبط بالنضال من أجل العدالة الإجتماعية والديمقراطية وكرامة الإنسان .
تأتي ذكراهما هذا العام بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة والتدمير والتهجير في قطاع غزة ، وتصاعد سياسات القتل والأستيطان والضم في الضفة الغربية والقدس ، وفي عالم يشهد تحولات عميقة تكشف اختلال موازين القوة وتراجع دور المؤسسات الدولية أمام مصالح الهيمنة الإستعمارية ، رغم بروز قوى دولية جديدة .
لم يكن جيفارا مجرد مقاتل حمل البندقية ، بل طبيباً ومفكراً ثورياً أدرك أن الإستقلال السياسي لا يكتمل دون تحرير الإنسان من الفقر والإستغلال والتبعية . وقد تجاوزت تجربته حدود كوبا إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية حتى الى فلسطين ، مؤمناً بوحدة المصير الإنساني والتضامن الأممي مع الشعوب المناضلة .
أما القائد الوطني ماجد أبو شرار ، فقد جسّد نموذج المثقف الثوري المشتبك مع قضايا شعبه ، جامعاً بين الفكر والكتابة والعمل التنظيمي والسياسي والإعلامي في حركة «فتح» كعضو في اللجنة المركزية ، وفي مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية . وكان من أبرز رموز الفكر التقدمي داخل «فتح» ، مدركاً أهمية الثقافة والإعلام في بناء الوعي الوطني وربط القضية الفلسطينية بحركات التحرر العالمية .
لقد جمع الرجلين منهج فكري تقدمي يساري ، لم يفصل بين التحرر الوطني والتحرر الإجتماعي ، ولا بين الإنتماء الوطني والتضامن الأممي . وأدركا أن الثورة ليست مواجهة عسكرية فحسب ، بل مشروع تغيير سياسي واجتماعي وثقافي ووعي وطني وانساني ، وأن قوة حركات التحرر تكمن أيضاً في تنظيم الجماهير وبناء الوعي وتجديد أدوات النضال .
وهنا تكتسب ذكراهما دلالة خاصة في واقعنا الفلسطيني اليوم ، فبعد التضحيات الجسيمة التي قدمها شعبنا وما زال ، وما تعانيه الحركة الوطنية من انقسام وأزمة بنيوية في تجديد الشرعيات والمؤسسات ، لم يعد كافياً استحضار التاريخ النضالي مصدراً للشرعية .
إن الوفاء الحقيقي لتضحيات الأجيال السابقة يقتضي شجاعة المراجعة والنقد والتجديد كما يقتضي الاعتزاز والفخر ، كما وإعادة الإعتبار للشعب باعتباره صاحب المشروع الوطني ومصدر السلطات والشرعية .
كما أن الفكر التقدمي اليساري الذي التقت عند قِيمه تجربتا جيفارا وماجد أبو شرار ، ليس حكراً على أحزاب وتنظيمات تحمل هذه التسمية ، بل هو منهج في قراءة الواقع والانحياز للعدالة والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان ورفض الاستغلال والتبعية وحُكم الفرد . وقد شكّل هذا الفكر جزءاً أصيلاً من التراث السياسي والثقافي للحركة الوطنية الفلسطينية ، بما فيها حركة «فتح» التي احتضنت تيارات فكرية تقدمية متعددة .
إن استلهام تجربتيهما اليوم لا يعني استنساخ الماضي ، بل استعادة الروح الثورية النقدية القادرة على تجديد المشروع الوطني التحرري وأدواته ، وربط مقاومة الأحتلال وصولاً للخلاص منه ببناء مجتمع ديمقراطي تقدمي ، وتوسيع المشاركة الشعبية ، واستعادة دور الشباب والمثقفين ، وحماية الحريات والعدالة الإجتماعية والديمقراطية .
وبعد تسعة وخمسين عاماً على اغتيال جيفارا ، وخمسة وأربعين عاماً على اغتيال ماجد ، تبقى سيرتهما تذكيراً بأن حركات التحرر لا تحيا بالشعارات وحدها ، وأن الوفاء للشهداء يكون بمواصلة النضال من أجل القيم التي حملوها ، وبالقدرة على تجديد الفكر والأدوات وفق متطلبات كل مرحلة .
واليوم نقول لهم ، كلما أمعنتما في الغياب ، أمعن فينا حضوركما ، المجد لجيفارا وماجد ، ولكل الذين جعلوا من حرية الإنسان وكرامة الشعوب وتحررها الوطني الديمقراطي والعدالة الإجتماعية غاية لنضالهم .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح".