نبهان خريشة يكتب لوطن: تأجيل الانتخابات: من يضمن الموعد الجديد؟

09/10/2026

ليس تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية، التي كانت مقررة في الثامن والعشرين من تشرين الثاني ٢٠٢٦، مجرد تعديل في روزنامة سياسية. إنه تمديد لحرمان الفلسطينيين من اختيار ممثليهم، وإبقاء نظامهم السياسي خارج المساءلة الشعبية. فالحديث عن "عقبات جوهرية" لا يجيب عن السؤال الأساسي: ماذا فعلت القيادة لتجاوز هذه العقبات قبل أن تقرر، أو تتوافق مع فصائل أخرى، على إرجاء الاستحقاق؟ وبحسب ما نقلته رويترز عن رسالة نائب الرئيس الفلسطيني إلى وزير الخارجية الفرنسي، فإن النصف الأول من أيلول ٢٠٢٧ طُرح موعداً بديلا، في إطار توصية بإصدار مرسوم جديد. لكن تغيير التاريخ لا يشكل، بحد ذاته، ضمانة لإجراء الانتخابات.

من حق الناس أن يسألوا: ما الذي سيحدث خلال الأشهر المقبلة ليجعل الانتخابات ممكنة؟ هل توجد تعهدات قابلة للتنفيذ بإنهاء العراقيل الإسرائيلية؟ هل هناك خطة منشورة لمعالجة صعوبات الاقتراع في غزة والقدس؟ أم أننا أمام موعد آخر يتقدم في التصريحات، ثم يتراجع عندما تقترب لحظة الاختيار؟ بعد هذا الانتظار الطويل، لم يعد كافياً أن تقول القيادة إنها تريد الانتخابات. المطلوب أن تثبت أنها مستعدة لتحمل نتائجها، وأن تعرض على المواطنين ما ستنجزه لضمانها، بدلا من مطالبتهم بتجديد الثقة بوعد سبق أن خذلهم.
الاحتلال ليس تطورا طارئا اكتشف بعد تحديد موعد الاقتراع. والتحكم الإسرائيلي بالحركة والمعابر، والتضييق على العمل السياسي الفلسطيني، وأزمة القدس، والانقسام الداخلي، كلها عناصر عرفها الفلسطينيون قبل الإعلان عن الانتخابات. وكانت لجنة الانتخابات قد أعلنت جدولها، ثم أكدت استمرار استعداداتها الفنية والإدارية لتنفيذ الاستحقاق في موعده. ولذلك يصبح السؤال مشروعا: إذا كانت هذه القيود معروفة، فلماذا جرى تحديد الموعد من دون خطة لمواجهتها؟ وإذا كانت قابلة للمعالجة آنذاك، فما الذي جعل التأجيل اليوم يبدو الخيار الوحيد؟
لكن نقد التأجيل لا يحتاج إلى القول إن الظروف لم تتغير إطلاقاً منذ ٢٠٠٦. لقد تغيرت، وبعضها ازداد قسوة بصورة كارثية، وخصوصاً في غزة. إنكار ذلك يضعف الحجة الديمقراطية بدلاً من تقويتها. المسألة هي أن استمرار الاحتلال وتفاقم الأزمات لا يجوز أن يتحولا إلى تفويض مفتوح بتعليق حق الشعب. فالظروف الاستثنائية تستدعي ترتيبات استثنائية، وخططاً واضحة، وتقديرا علنيا لما يمكن تنفيذه وما يتعذر تنفيذه. أما الانتقال من وصف الصعوبات إلى تعطيل الاقتراع، من دون عرض البدائل واختبارها، فيجعل الأزمة وسيلة لإدامة الحكم القائم.
ولنفترض أن أيلول ٢٠٢٧ هو الموعد الذي سيعتمد. من يضمن أن تكون الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية أفضل؟ الاحتلال يستطيع مواصلة العرقلة، والاستيطان يستطيع التوسع، والأزمة المالية قد تتفاقم. وإذا بقي إجراء الانتخابات مشروطاً بتحسن هذه العناصر جميعها، فإن الموعد الجديد يحمل منذ الآن أسباب تأجيله. لا يقاس جد التأجيل بعدد الأشهر، بل بما يتضمنه من التزامات قابلة للمراجعة: إجراءات محددة، ومسؤوليات معلنة، وتمويل، ورقابة، وضمانات تمنع إعادة استخدام المبررات نفسها عند اقتراب الموعد التالي.
وتزداد المفارقة حين تأتي الموافقة على التأجيل من قوى طالما انتقدت احتكار القرار وتعطيل تجديد الشرعية. فالتفاهمات المنقولة عن لقاءات القاهرة شملت فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية. ومع ذلك، ينبغي عدم تعميم هذا الموقف على الجميع؛ فقد نقل عن قيادي في الجبهة الديمقراطية اعتراض صريح على استخدام التوافق ذريعة لتأجيل الانتخابات. هذا الاختلاف يستحق أن يذكر، لأنه يكشف أن التأجيل اختيار سياسي قابل للنقد، وليس حقيقة فنية لا يملك أحد الاعتراض عليها.
أما الفصائل المؤيدة للتأجيل، فعليها أن تشرح لجمهورها كيف أصبح ما كانت تدينه مقبولاً اليوم. هل تغير المبدأ، أم تغيرت الحسابات؟ المطالبة بالانتخابات تفقد صدقيتها عندما تُرفع في مواجهة الخصم، ثم تُسحب عندما تتقاطع مصالح القوى القائمة. ولا يمنح اجتماع القيادات، مهما اتسعت المشاركة فيه، حق التصرف بصوت المواطن. التوافق الوطني مطلوب لحماية العملية الانتخابية واحترام نتائجها، لكنه يصبح مشكلة حين يتحول إلى اتفاق بين أصحاب المواقع على إرجاء اللحظة التي يستطيع فيها الناس تغييرهم.
من هنا يبرز الخوف من صندوق الاقتراع بوصفه تفسيرا سياسيا يصعب تجاهله، وإن لم يكن حقيقة يمكن إثباتها بمجرد قراءة النيات. الصندوق يضع الجميع أمام اختبار لم يخوضوه منذ سنوات طويلة: السلطة، والمعارضة، والفصائل الكبيرة والصغيرة. وقد يكشف أن شرائح واسعة لم تعد تجد نفسها في التشكيلات القديمة، وأن أجيالاً جديدة تريد تمثيلاً مختلفاً. ليس مضمونا أن تطيح الانتخابات بالنظام القائم، لكنها تجعل هذا الاحتمال ممكنا. وهذه الإمكانية هي جوهر الديمقراطية: أن يملك المواطن حق إبدال الحاكم، لا أن يبقى رهينة رضاه عن توقيت الاختيار.
وفي تبرير العرقلة، نقلت تقارير عن مصدر فلسطيني مسؤول أن إسرائيل رفضت السماح للجنة الانتخابات بدخول غزة والقدس لمتابعة التحضيرات. هذا عائق جدي، لكنه يحتاج إلى تفكيك، لا إلى تحويله فورا إلى حكم باستحالة الانتخابات. هل يشمل المنع انتقال مسؤولي اللجنة فقط، أم إدخال المواد وتجهيز المراكز أيضاً؟ ما الأعمال التي تستطيع الطواقم المحلية إنجازها؟ وما الدعم الذي تحتاج إليه؟ إن منع الدخول يستدعي خطة بديلة وضغطاً سياسياً، ولا يعفي القيادة من تقديم إجابات تفصيلية للمواطنين.
في غزة، ينبغي أن يبدأ البحث من الكادر المحلي والخبرة المتاحة داخل القطاع، ومن إمكان تفويض الصلاحيات وتوزيع مراكز الاقتراع بما يراعي النزوح وسلامة الناخبين. وجود طواقم لا يحل تلقائيا مشكلات الأمن والمواد والرقابة، لكنه يمنع اختزال العملية كلها في قدرة وفد قادم من الضفة على الوصول. المطلوب تقييم مهني معلن تشرف عليه لجنة الانتخابات: ماذا يمكن إنجازه، وفي أي مدة، وبأي احتياجات؟ عندها يستطيع الناس التمييز بين ضرورة تأجيل محدودة، وبين قرار سياسي يبحث عن مبرر إداري.
وفي القدس، يمكن بحث التصويت الإلكتروني ضمن بدائل أخرى تكفل مشاركة المقدسيين. غير أن الاقتراع عبر الإنترنت يحتاج إلى إعداد قانوني وتقني يضمن التحقق من الهوية، وسرية الصوت، ومنع الإكراه، وإمكان التدقيق المستقل، ومشاركة من لا يملكون الوسائل الرقمية. طرحه بجدية يعني تكليف المختصين بدراسته واختباره، لا الاكتفاء بشعار سهولته. والأصل أن يُبحث كيف يمارس المقدسيون حقهم رغم الرفض الإسرائيلي، بدلاً من منح الاحتلال قدرة دائمة على تعطيل الانتخابات الفلسطينية كلها. حماية القدس تكون بتثبيت مشاركة أهلها وصوتهم.
الفلسطينيون لا يحتاجون إلى ظروف مثالية كي يستحقوا التمثيل. يحتاجون إلى قيادة تعتبر هذا التمثيل حقاً واجب التنفيذ، وتصارحهم بالصعوبات وتعمل على تجاوزها. والانتخابات وحدها لن تنهي الاحتلال أو تعالج جميع أزمات النظام، لكنها تعيد للمواطن قدرة أساسية على المحاسبة والتغيير. أما تأجيلها من دون خطة ملزمة، فيترك الشعب خارج القرار، ويُبقي مستقبله موضوعاً لتفاهمات لا يشارك فيها. أخطر ما في التأجيل ليس ضياع موعد آخر، بل ترسيخ فكرة أن أصحاب السلطة يستطيعون تحديد متى يُسمح للشعب بأن يقول كلمته.