الجبهة الشعبية وتأجيل الانتخابات… ما الذي تغيّر؟

09/10/2026

كتب د. حسام عرفات: في الثاني من آب/أغسطس الماضي، أعلنت اللجنة المركزية العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قرارها المشاركة في انتخابات المجلسين التشريعي والوطني، مؤكدة أن الانتخابات جزء من معركة الدفاع عن الوجود الوطني الفلسطيني، وحماية التمثيل، وتعزيز الوحدة، وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية.
لكن انتقال الجبهة لاحقاً إلى طرح تأجيل الانتخابات يثير سؤالاً مشروعاً: ما الذي تغيّر بين قرار المشاركة ومبادرة التأجيل؟
من حق أي قوة سياسية مراجعة مواقفها في ضوء المستجدات، لكن القرارات المتعلقة بحق الشعب في اختيار ممثليه تحتاج إلى تفسير واضح، خصوصاً عندما تتغير المواقف خلال فترة قصيرة. فما المستجدات التي جعلت التأجيل، بعد تأكيد أهمية المشاركة، الخيار الأنسب لتحقيق الأهداف الوطنية نفسها؟
إن قضايا القدس وغزة والقيود الإسرائيلية وضمانات نزاهة الانتخابات ليست مسائل جديدة. وإذا طرأت معطيات غيّرت الحسابات، فمن حق الرأي العام أن يعرفها، وأن يسمع كيف ستضمن مبادرة التأجيل ألا يتحول إلى تعطيل مفتوح للاستحقاق الديمقراطي.
هنا تبرز مسؤولية الجبهة الشعبية، بما تمثله من موقع تاريخي وسياسي في اليسار الفلسطيني. فالمطلوب منها ليس مجرد تفسير التحول في موقفها، بل توظيف رصيدها في جمع القوى الديمقراطية واليسارية حول رؤية مشتركة، بدلاً من استمرار التباعد في القضايا المصيرية.
لقد عجزت القوى الديمقراطية واليسارية سابقاً عن الاتفاق على قائمة انتخابية موحدة. واليوم، ينبغي ألا تتحول مبادرة التأجيل إلى سبب جديد للخلاف، بل إلى فرصة لاستعادة الحوار والثقة. ومن هنا، تقع على عاتق الجبهة الشعبية مسؤولية المبادرة إلى حوار جاد مع القوى الديمقراطية واليسارية والمستقلين، بهدف التوافق على ورقة سياسية موحدة تُطرح في حوارات القاهرة.
وينبغي أن تتضمن الورقة موعداً محدداً لإجراء الانتخابات خلال ستة إلى اثني عشر شهراً، وضمانات واضحة لاحترامه، وآلية للمتابعة والمساءلة إذا جرى التراجع عنه. وبالتوازي، يُفتح مسار جدي لإعادة بناء منظمة التحرير وتفعيل مؤسساتها، وإعادة تشكيل المجلس الوطني على أسس وطنية وديمقراطية، استناداً إلى إعلان بكين.
إن مسؤولية الجبهة الشعبية اليوم هي أن تثبت أن مبادرة التأجيل تنطلق من الحرص على النسيج الوطني، لا أن تكتفي بتأكيد ذلك. ويكون الإثبات بقيادة حوار جامع، وتوحيد موقف القوى الديمقراطية واليسارية والمستقلين، والتوجه إلى القاهرة بمقترح عملي وضمانات واضحة، يحفظ حق الشعب في الاختيار ويمنع تكرار التأجيل بلا أفق.
فإذا كانت الوحدة الوطنية من مبررات المشاركة، فيجب أن تكون أيضاً معيار الحكم على مبادرة التأجيل. وهذه فرصة أمام الجبهة الشعبية لتؤكد دورها التاريخي، لا بالانفراد في القرارات، بل بجمع القوى حول موقف وطني مشترك.
________________________________________
تنويه
تأتي هذه المقالة ضمن سلسلة تهدف إلى فتح نقاش جاد حول أزمة اليسار الفلسطيني، لا لمحاكمته أو الإساءة إليه، بل انطلاقاً من الحرص على دوره وجمهوره، والسعي إلى تجاوز حالة التراجع والتشتت، وتوحيد القوى الديمقراطية واليسارية وبناء البديل الثالث.