المشهد السياسي الفلسطيني بعد السابع من أكتوبر.. مفروض من الخارج أم متجدد من الداخل؟

09/10/2026

 كتب اسماعيل جمعه الريماوي: على إثر السابع من أكتوبر، تقف القضية الفلسطينية أمام مرحلة شديدة التعقيد، بعدما اهتزت قواعد اللعبة التي حكمت المشهد الفلسطيني والإسرائيلي لعقود ، لم يعد بالإمكان التعامل مع القضية بالأدوات القديمة نفسها، ولا افتراض أن المعادلات التي سبقت السابع من أكتوبر قادرة على إنتاج مستقبل مختلف.

ومع ذلك، يبدو أن النظام الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يحاول استعادة القاموس السياسي القديم، وإعادة تقديمه في صورة جديدة: دولة فلسطينية، حل الدولتين، إصلاح السلطة، وتشكيل قيادة فلسطينية قادرة على التعامل مع مرحلة ما بعد الحرب.
إنها، في جوهرها، محاولة لإعادة تدوير وصفة سياسية استُهلكت حتى نهايتها، ثم جرى إخراجها من الأدراج بعد أن أثبتت السنوات الطويلة أنها عاجزة عن إنهاء الاحتلال أو تحقيق الدولة الفلسطينية.
السؤال هنا ليس ما إذا كان الفلسطينيون بحاجة إلى إصلاح نظامهم السياسي، فهذا أمر لا خلاف عليه، وإنما من يحدد طبيعة هذا الإصلاح؟ ولأي هدف؟ وبأي شروط؟
فإذا كان المطلوب إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس الشراكة والتمثيل والانتخابات، فذلك شأن فلسطيني داخلي.
أما إذا كان المقصود إعادة هندسة السلطة بما يتناسب مع التصور الإسرائيلي والأميركي لمرحلة ما بعد الحرب، فنحن أمام مشروع مختلف تمامًا؛ مشروع هدفه إدارة المرحلة الجديدة أكثر من معالجة جذور الصراع.
من إصلاح السلطة إلى إعادة هندسة المشهد
خلال السنوات الماضية، تحولت السلطة الفلسطينية تدريجيًا من مشروع سياسي مؤقت إلى بنية سياسية وإدارية تعيش في منطقة رمادية: ليست دولة، ولا تملك السيادة، ولا تملك القدرة على إنهاء الاحتلال، وفي الوقت نفسه أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة إدارة الحياة اليومية للفلسطينيين.
وهنا تكمن إحدى أكبر المعضلات.
فالسلطة لا تستطيع أن تكون دولة، لأنها لا تملك مقومات الدولة، ولا تستطيع أن تكون حركة تحرر، لأنها مقيدة بالتزامات سياسية وأمنية واقتصادية نشأت منذ اتفاق أوسلو.
وبين هذين الحدين، نشأ فراغ سياسي عميق.
ولهذا فإن تغيير الحكومة أو استبدال بعض الوزراء أو إعادة توزيع المناصب لن يكون كافيًا.
المطلوب ليس تبديل الواجهة، وإنما إعادة النظر في طبيعة المبنى السياسي نفسه.
فالسلطة تحتاج إلى إعادة تعريف وظيفتها، وعلاقتها بالشعب الفلسطيني، وعلاقتها بمنظمة التحرير، وعلاقتها بالاحتلال، والأهم علاقتها بالمشروع الوطني الفلسطيني.
واشنطن تبحث عن شريك لا عن تغيير قواعد اللعبة
المشكلة في الرؤية الأميركية والغربية أنها غالبًا ما تنطلق من سؤال: من يستطيع إدارة الفلسطينيين؟
بينما السؤال الفلسطيني الحقيقي ينبغي أن يكون: كيف يستطيع الفلسطينيون استعادة زمام قضيتهم؟
الفارق بين السؤالين كبير.
الأول يبحث عن جهة يمكن التعامل معها وضبطها وتمويلها ودعمها سياسيًا.
أما الثاني فيبحث عن نظام سياسي يمتلك الشرعية الشعبية والقدرة على اتخاذ القرار والتعبير عن مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
ولهذا فإن الحديث عن "سلطة متجددة" يمكن أن يتحول بسهولة إلى محاولة لإنتاج شريك فلسطيني مقبول دوليًا وإسرائيليًا، بدل إنتاج قيادة فلسطينية تستمد قوتها من مجتمعها وقرارها الوطني.
وهنا يكمن الخطر.
فالسلطة التي تحصل على شرعيتها من الخارج ستظل بحاجة إلى الخارج كي تبقى، بينما السلطة التي تستمد شرعيتها من الشعب تستطيع أن تفاوض العالم من موقع مختلف.
السابع من أكتوبر أسقط كثيرًا من المسلمات
السابع من أكتوبر لم يكن مجرد حدث عسكري كبير، بل كان لحظة كشفت هشاشة النظام السياسي الذي تشكل حول القضية الفلسطينية خلال العقود الماضية.
لقد سقطت مسلمات كثيرة كانت تبدو ثابتة: أن الصراع يمكن احتواؤه إلى ما لا نهاية، وأن الاحتلال يستطيع الاستمرار دون ثمن سياسي، وأن القضية الفلسطينية يمكن إبقاؤها في غرفة الانتظار، وأن إدارة الأزمة يمكن أن تحل محل إنهائها.
لكن بعد كل ما حدث، أصبح من الصعب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
لقد تغيرت المنطقة، وتغيرت طبيعة الصراع، وتغيرت حسابات الأطراف، ولم يعد الفلسطينيون قادرين على العودة ببساطة إلى نقطة ما قبل السابع من أكتوبر.
ولهذا فإن أي مشروع سياسي جديد يتجاهل هذا التحول سيكون مشروعًا منفصلًا عن الواقع.
غزة ليست ملفًا منفصلًا عن فلسطين
ومن أكثر الأخطاء خطورة التعامل مع غزة باعتبارها مشكلة أمنية أو إنسانية منفصلة عن القضية الفلسطينية.
غزة جزء من النظام السياسي الفلسطيني، ومستقبلها مرتبط بمستقبل الضفة الغربية والقدس واللاجئين والأرض والسيادة.
وأي محاولة لفصل القطاع سياسيًا عن بقية الجغرافيا الفلسطينية ستؤدي إلى تكريس الانقسام بدل إنهائه.
كما أن محاولة اختيار إدارة فلسطينية لغزة وفق معايير إسرائيلية أو أميركية ستصطدم عاجلًا أم آجلًا بالسؤال الأهم: أين الشعب الفلسطيني من هذه الترتيبات؟
لا يمكن بناء شرعية فلسطينية من خارج المجتمع الفلسطيني.
ولا يمكن فرض قيادة فلسطينية من خلال المؤتمرات الدولية وغرف التفاوض المغلقة.
فالشرعية تُبنى من الداخل، ثم تبحث عن اعتراف الخارج، وليس العكس.
هل تستطيع السلطة إعادة إنتاج نفسها؟
السلطة أمام اختبار تاريخي.
فإما أن تنظر إلى السابع من أكتوبر باعتباره فرصة لإعادة تقييم التجربة الفلسطينية بأكملها، وإما أن تتعامل معه باعتباره أزمة عابرة يمكن تجاوزها ببعض التعديلات الوزارية والإدارية.
الخيار الثاني يعني استمرار المنظومة نفسها.
أما الخيار الأول فيحتاج إلى شجاعة سياسية حقيقية.
ويبدأ ذلك بإنهاء حالة الانقسام، وإعادة بناء منظمة التحرير، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وإجراء انتخابات حقيقية عندما تسمح الظروف، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الفلسطينية، ووقف احتكار القرار، وبناء استراتيجية وطنية يشارك فيها الفلسطينيون بمختلف توجهاتهم.
عندها فقط يمكن الحديث عن تجديد حقيقي.
أما التجديد الذي يقتصر على تغيير الأشخاص، فلن يكون سوى إعادة إنتاج للأزمة بأسماء جديدة.
ثلاثة طرق أمام السلطة
الطريق الأول هو الاستمرار في المسار التقليدي: انتظار الدعم الأميركي والأوروبي، الحفاظ على البنية القائمة، وإجراء تعديلات محدودة دون المساس بجوهر العلاقة مع الاحتلال.
وهذا الطريق قد يضمن استمرار السلطة، لكنه لن يعالج أزمة الشرعية ولا أزمة المشروع الوطني.
الطريق الثاني هو القبول بإعادة هندسة السلطة من الخارج، بحيث تصبح جزءًا من ترتيبات إقليمية ودولية لما بعد الحرب.
وهذا قد يوفر لها دعمًا سياسيًا وماليًا، لكنه يحمل خطر تحويلها إلى أداة لإدارة المرحلة بدل أن تكون إطارًا للتحرر الوطني.
أما الطريق الثالث فهو الأصعب والأكثر كلفة سياسيًا، لكنه الأكثر أهمية: إعادة تأسيس النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية والشرعية الشعبية والاستقلال في القرار.
وهذا يعني أن السلطة لا تكون هدفًا بذاتها، ولا تصبح المحافظة على وجودها أهم من القضية التي يفترض أنها جاءت لخدمتها.
القضية أكبر من السلطة
المشكلة الفلسطينية ليست مشكلة حكومة فقط، ولا مشكلة رئيس أو رئيس وزراء، ولا مشكلة أسماء تتغير في المواقع.
إنها أزمة مشروع سياسي.
فبعد عقود من المفاوضات، ما زال الاحتلال قائمًا، والاستيطان يتوسع، والأرض تتآكل، والدولة الفلسطينية لم تولد.
ولهذا فإن إعادة تقديم "حل الدولتين" دون تغيير موازين الواقع لن تكون سوى محاولة جديدة لشراء الوقت.
لقد أثبتت التجربة أن الوقت ليس محايدًا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ فبينما ينتظر الفلسطينيون الحل السياسي، يستمر الاحتلال في إعادة تشكيل الأرض.
وهنا يصبح الزمن نفسه جزءًا من المعركة.
لا يمكن صناعة المستقبل بأدوات الماضي
بعد السابع من أكتوبر، لم يعد السؤال الحقيقي هو كيف نحافظ على السلطة، وإنما كيف نعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني بحيث يصبح قادرًا على تمثيل شعبه والدفاع عن قضيته؟
ولم يعد السؤال: من سيحكم غزة؟
بل: كيف يمكن توحيد غزة والضفة والقدس ضمن مشروع وطني واحد؟
ولم يعد السؤال: هل تريد إسرائيل سلطة فلسطينية؟
بل: أي سلطة تريد إسرائيل؟ وأي سلطة يريد الفلسطينيون؟
هذا هو جوهر الصراع السياسي المقبل.
فإذا كان المقصود من "السلطة المتجددة" تغيير بعض الوجوه وإعادة ترتيب المقاعد، فلن يتغير شيء جوهري.
أما إذا كان التجديد يعني إعادة بناء الشرعية الفلسطينية، وتوحيد المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير، واستعادة القرار الوطني، فهنا يمكن أن نتحدث عن بداية مرحلة جديدة.
القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى ترميم مؤقت للهيكل القديم، بل إلى إعادة بناء البيت السياسي كله.
ولا يمكن أن يكون مستقبل الفلسطينيين نتيجة هندسة تجري في العواصم الغربية أو في غرف التفاوض الإسرائيلية.
فالمستقبل الذي يُرسم للفلسطينيين من الخارج سيبقى مشروعًا مفروضًا عليهم، أما المستقبل الذي يصنعه الفلسطينيون بأنفسهم، فهو وحده القادر على إنتاج شرعية جديدة ومسار مختلف.
لقد انتهى زمن شراء الوقت بالشعارات.
والمرحلة الجديدة لا تحتاج إلى إعادة تدوير الماضي، بل إلى إعادة تأسيس السياسة الفلسطينية على قاعدة جديدة: وحدة، وشراكة، وشرعية شعبية، وقرار وطني مستقل.
فالمشكلة لم تعد أن القضية الفلسطينية تفتقر إلى الحلول.
المشكلة أن العالم ما زال يحاول إحياء حلول ماتت قبل أن يولد السابع من أكتوبر.