
كتب فراس صالح : ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، وثلاث سنوات على حرب لم تغيّر فقط المشهد الميداني، بل هزّت منظومة سياسية كاملة قامت لعقود على إبقاء القضية الفلسطينية في دائرة «إدارة الصراع» لا حله، وعلى التعامل مع غزة باعتبارها ملفاً أمنياً وإنسانياً قابلاً للاحتواء بالحصار والتهدئة والمساعدات، فيما يتواصل الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأرض والتهجير.
جاء السابع من أكتوبر ليكشف هشاشة هذه المعادلة. وبصرف النظر عن المواقف من أحداث ذلك اليوم، فإن ما تلاه أثبت أن القوة العسكرية لا تستطيع إلغاء قضية وطنية، وأن الحرب، مهما بلغ حجمها، لا تنتج حلاً سياسياً للصراع. وقد دفعت غزة ثمناً بشرياً ومادياً هائلاً، لكن القضية الفلسطينية استعادت موقعها في قلب الاهتمام الدولي، وسقط وهم إمكانية بناء استقرار إقليمي يتجاوز الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية.
لقد كشفت الحرب أيضاً أزمة عميقة في النظام الدولي. فالفجوة بين خطاب حقوق الإنسان وتطبيق القانون الدولي، وبين ما يقال عن السلام وما يجري على الأرض، أصبحت أكثر وضوحاً أمام الرأي العام العالمي. وتحولت غزة إلى اختبار لمصداقية المؤسسات الدولية والدول الكبرى، كما أسهمت في اتساع النقاش حول حدود الهيمنة الغربية وطبيعة النظام الدولي المتجه نحو مزيد من التعددية.
والأهم أن غزة أحدثت تحولاً في الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية. فالصورة المباشرة للدمار والتهجير والمأساة الإنسانية كسرت إلى حد كبير احتكار الرواية السياسية التقليدية، ودفعت قطاعات واسعة من الرأي العام، خصوصاً بين الأجيال الجديدة، إلى إعادة النظر في الرواية التي قدمت الصراع لعقود باعتباره نزاعاً أمنياً معزولاً عن الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني.
لكن هذه التحولات تضع الفلسطينيين أمام مسؤولية تاريخية. فإذا كانت غزة قد أسقطت وهم «إدارة الصراع» على المستوى الدولي، فلا يجوز أن يُعاد إنتاجه فلسطينياً تحت عناوين جديدة.
المطلوب أولاً تثبيت وقف دائم وشامل لإطلاق النار، وضمان عدم استئناف العدوان، ووقف التهجير، وفتح المعابر، وتأمين المساعدات والحماية الدولية للمدنيين. لكن هذه الإجراءات يجب أن تكون مدخلاً إلى مسار سياسي، لا بديلاً عنه.
والمطلوب ثانياً رفض أي ترتيبات تفصل غزة عن الضفة والقدس، أو تفرض عليها وصاية أو إدارة خارج القرار الوطني الفلسطيني. غزة جزء من الأرض الفلسطينية، ومستقبلها يجب أن يُبحث في إطار وحدة الأرض والشعب والقضية والقرار الوطني.
أما إعادة الإعمار، فيجب أن تكون تحت مرجعية وطنية فلسطينية وبمشاركة عربية ودولية، وألا تتحول إلى مشروع اقتصادي منفصل عن السياسة أو إلى أداة لفرض شروط جديدة على الشعب الفلسطيني. فلا يمكن إعادة بناء غزة مع إبقاء الأسباب التي أنتجت دمارها قائمة.
ومن هنا تأتي الأولوية السياسية الأهم: إعادة بناء الوحدة الوطنية على أساس الشراكة. فقد أثبتت الحرب أن استمرار الانقسام يضعف القدرة الفلسطينية على تحويل التضحيات والصمود إلى إنجاز سياسي. المطلوب حوار وطني شامل يعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني، ويعيد تفعيل منظمة التحرير على أساس مشاركة جميع القوى والتيارات، ويفتح الطريق أمام انتخابات عامة، وفي مقدمتها انتخابات المجلس الوطني، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل.
إن تجديد الشرعية الفلسطينية شرط لبناء قرار وطني موحد قادر على إدارة المرحلة المقبلة ومواجهة الضغوط الدولية والإقليمية.
وفي موازاة ذلك، يجب الانتقال من سياسة انتظار المبادرات إلى امتلاك رؤية فلسطينية واضحة تضع إنهاء الاحتلال في مركز أي مسار سياسي. فلا يجوز اختزال القضية في غزة، أو في إعادة الإعمار، أو في الاعتراف الدولي، أو في ترتيبات أمنية مؤقتة. المطلوب إنهاء الاحتلال والاستيطان والضم، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس، وضمان حقوق اللاجئين الفلسطينيين وفي مقدمتها حق العودة وفق القرار 194.
وهذا يعني رفض أي «حلول» تقوم على السلام الاقتصادي أو التهدئة الدائمة أو إدارة السكان بدلاً من معالجة القضية الوطنية. كما يعني تفعيل كل أدوات النضال السياسي والشعبي والدبلوماسي والقانوني، واستثمار التحول في الرأي العام العالمي واتساع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية للضغط من أجل إنهاء الاحتلال، لا الاكتفاء بخطوات رمزية.
وفي هذا السياق، تتحمل الدول العربية والمجتمع الدولي مسؤولية مباشرة. المطلوب ألا يتوقف الدور الدولي عند المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، بل الانتقال إلى إجراءات سياسية وقانونية تضغط لإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وحماية الشعب الفلسطيني، وإنهاء حالة الإفلات من المساءلة.
إن الدرس المركزي بعد ثلاث سنوات هو أن وقف الحرب وحده لا يكفي، كما أن إعادة الإعمار وحدها لا تكفي، وأن أي ترتيبات أمنية لا تعالج أصل الصراع ستبقى مؤقتة وقابلة للانفجار من جديد.
لذلك فإن المعادلة الفلسطينية المطلوبة يجب أن تكون واضحة: وقف دائم للحرب، حماية الشعب ومنع التهجير، وحدة الأرض الفلسطينية، رفض الوصاية والفصل، إعمار تحت مرجعية وطنية، إنهاء الانقسام، إعادة بناء منظمة التحرير، وتجديد الشرعية بالانتخابات، وصولاً إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الحقوق الوطنية الفلسطينية.
بهذا المعنى، لا ينبغي أن تكون الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر مناسبة لاستعادة مشاهد الحرب فقط، بل مناسبة لتحديد اتجاه المرحلة المقبلة. لقد أسقطت غزة وهم إمكانية تجاوز القضية الفلسطينية، وكشفت حدود القوة العسكرية وسياسة إدارة الصراع، وأعادت فلسطين إلى مركز المشهد الدولي.
والآن تقع المسؤولية على الفلسطينيين في تحويل هذه اللحظة إلى مسار سياسي جديد.
فلا عودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر، لأن العودة تعني إعادة إنتاج الشروط نفسها التي قادت إلى الانفجار. المطلوب هو الانتقال من إدارة نتائج الاحتلال إلى إنهائه، ومن إدارة الانقسام إلى الوحدة، ومن انتظار الحلول الخارجية إلى بناء القرار الوطني الموحد