شادي صافي يكتب لوطن: النظام السياسي الفلسطيني امام أزمة سياسية بنيوية: حين تغيرت قواعد الصراع

08/10/2026

 بينما تغيرت قواعد الصراع جذرياً، بقيت أدوات النظام السياسي الفلسطيني إلى حد كبير أسيرة المرحلة التي أنشئت فيها. لم تعد الأزمة التي تواجه النظام السياسي الفلسطيني مجرد أزمة في مسار المفاوضات أو نتيجة لتعثر التسوية السياسية. المشهد الراهن يشير إلى أزمة أعمق تمسّ الأسس التي قام عليها النظام السياسي الفلسطيني، والأدوات التي أُديرت بها القضية خلال العقود الماضية، في وقت تتغير فيه قواعد الصراع على الأرض بصورة متسارعة.

بينما استمر الفلسطينيون في التعامل مع القضية ضمن إطار سياسي تأسس بصورة رئيسية على الاعتراف المتبادل، وحل الدولتين، والتفاوض، وبناء مؤسسات السلطة الوطنية، مضت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وبصورة أكثر وضوحاً في ظل صعود اليمين الإسرائيلي المتشدد، في إعادة تشكيل البيئة التي يفترض أن يجري فيها أي حل سياسي.

ولم يعد الأمر متعلقاً فقط بتوسّع المستوطنات، انما في تغيير الجغرافيا، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وتقييد الحركة الفلسطينية، وتكريس واقع قانوني وإداري جديد في الضفة الغربية. وفي تقريرها الصادر في أيلول/سبتمبر 2026، قالت الأمم المتحدة إن الإجراءات الإسرائيلية المتواصلة تؤدي إلى ترسيخ السيطرة على الضفة الغربية وتقويض فرص قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة. كما وثقت استمرار التوسع الاستيطاني وإجراءات تسجيل الأراضي في المناطق المصنفة "ج"، إلى جانب ارتفاع العنف الاستيطاني وعمليات التهجير.

من إدارة الصراع إلى تغيير شروطه
تكمن أهمية التحولات في دولة الاحتلال الإسرائيلية الحالية أنها لا تتعامل مع الصراع بوصفه حالة سياسية مؤجلة إلى حين التوصل إلى اتفاق، وإنما تعمل على تغيير الظروف التي سيجري فيها الصراع وأي تسوية مستقبلية.
الاعتداءات المتكررة على الفلسطينيين من قبل المستوطنين والتوسع الاستيطاني، وتثبيت البؤر الاستيطانية، والسيطرة على مساحات جديدة من الأرض، وتغيير ترتيبات الإدارة المدنية في الضفة الغربية، ليست إجراءات منفصلة عن بعضها.
هنا تحديدا تتغير طبيعة التحدي السياسي الفلسطيني. المشكلة لم تعد فقط في غياب الاتفاق، وإنما البيئة التي كان يفترض أن ينتج فيها الاتفاق تتغير بصورة مستمرة. ومع كل توسع استيطاني، وكل طريق جديد، وكل منطقة تُغلق أمام الفلسطينيين، وكل مجتمع يُدفع إلى النزوح، تصبح الخريطة السياسية التي يفترض أن يقوم عليها الحل أكثر تعقيد. وبذلك يصبح الزمن عنصر سياسي في الصراع، وليس مجرد إطار زمني للأحداث. فكل تأخير في إنتاج مسار سياسي فاعل يسمح باستمرار إنتاج وقائع جديدة على الأرض.

التحدي الأكبر: الفجوة بين المشروع الوطني والواقع السياسي
في المقابل، يواجه النظام السياسي الفلسطيني أزمة لا يمكن اختزالها في الانقسام بين فتح وحماس، رغم أن الانقسام يمثل أحد أبرز مظاهرها.
المشكلة الأعمق تتمثل في اتساع الفجوة بين مشروع وطني تاريخي ما زال يستند إلى أهداف وحقوق فلسطينية واضحة، وبين نظام سياسي ومؤسسات واستراتيجيات لم تعد قادرة بالفاعلية نفسها على التعامل مع التحولات التي طرأت على طبيعة الصراع.
السلطة الفلسطينية نشأت في سياق سياسي مختلف، حين كان الاعتقاد بأن المرحلة الانتقالية ستقود في نهاية المطاف إلى تسوية نهائية وإقامة الدولة الفلسطينية. لكن المرحلة الانتقالية طالت، بينما توسعت السيطرة الإسرائيلية وتغيرت الوقائع، وبقيت السلطة تعمل ضمن قيود سياسية وميدانية واسعة.

من خلاف سياسي إلى أزمة في القدرة على الفعل
على مدى سنوات، كان الانقسام الفلسطيني يُطرح باعتباره عقبة أمام الوحدة الوطنية. لكن استمرار الانقسام لفترة طويلة جعله يتجاوز كونه خلافاً بين قوى سياسية إلى بنية سياسية ومؤسسية يصعب تجاوزها بمجرد اتفاق جديد بين الفصائل.
وجود سلطتين سياسيتين، وتباين المؤسسات، وانفصال المجالين السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، أضعف القدرة على إنتاج موقف وطني موحد، وأوجد فجوة بين المجتمع والقوى السياسية، وبين مؤسسات النظام السياسي ومكونات المجتمع الفلسطيني.
وتشير دراسات فلسطينية حديثة إلى أن الانقسام تحول إلى حالة بنيوية طالت الحياة السياسية والمؤسسية والاجتماعية، وأن تكرار جولات الحوار الفصائلي لم يؤدِ إلى تغيير نوعي في الواقع القائم.
الأخطر أن استمرار الانقسام يتزامن مع تحول إسرائيلي متسارع. بينما تحتاج البيئة الفلسطينية إلى قدر أعلى من الوحدة والقدرة على اتخاذ القرار، تتحرك السياسة الإسرائيلية بسرعة لإنتاج وقائع جديدة. ولذلك لا يصبح الانقسام مجرد مشكلة داخلية، انما عامل يؤثر بصورة مباشرة في قدرة الفلسطينيين على مواجهة التحولات الخارجية.

غزة والضفة: أزمة وحدة القضية
أضافت الحرب في غزة بُعداً جديداً إلى الأزمة السياسية الفلسطينية، ليس فقط بسبب حجم الدمار والخسائر البشرية، وإنما بسبب الأسئلة السياسية التي فرضتها حول مستقبل القطاع وعلاقته بالضفة الغربية والنظام السياسي الفلسطيني.
إن أي مسار سياسي للقضية الفلسطينية يواجه اليوم تحدي إعادة تعريف العلاقة بين غزة والضفة والقدس، ومن يمثل الفلسطينيين، ومن يمتلك الشرعية لاتخاذ القرارات الكبرى، وكيف يمكن إعادة بناء نظام سياسي قادر على استيعاب مختلف القوى والمجتمعات الفلسطينية. وهذا البعد مهم لأن فصل غزة سياسياً وجغرافياً عن الضفة لا يعني فقط استمرار الانقسام الداخلي، انما يمكن أن يتحول إلى أحد أخطر التحديات أمام وحدة القضية الفلسطينية نفسها.

السلطة وأزمة تلبية الاحتياجات اليومية
إلى جانب أزمة الشرعية والتمثيل، هناك بعد آخر لا يقل أهمية يتعلق بعلاقة السلطة الفلسطينية بالمواطن وقدرتها على تلبية احتياجاته الأساسية. منذ إنشاء السلطة، بقيت قدرتها على بناء نظام مستقر ومستدام لتقديم الخدمات العامة محدودة، سواء بسبب القيود التي فرضها واقع الاحتلال على الحركة والموارد والسيطرة على الأرض، أو بسبب الاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية، أو بسبب الأزمات المالية والمؤسسية المتراكمة.
وقد انعكست هذه القيود بصورة مباشرة على قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. ومع تفاقم الأزمة المالية في السنوات الأخيرة، أصبحت آثارها أكثر وضوحاً في انتظام الخدمات وقدرة المؤسسات العامة على القيام بوظائفها.
وفي قطاع الصحة تحديداً، أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية أن الأزمة المالية أثرت في انتظام عمل المرافق الصحية وتوفير الأدوية، فيما كانت نسبة كبيرة من مراكز الرعاية الصحية الأولية تعمل بصورة جزئية وبأيام محدودة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عام 2023. وفي التعليم، الضغوط المالية وتأخر دفع رواتب المعلمين، إلى جانب القيود الأمنية والحركية، أثرت في انتظام التعليم في الضفة الغربية.
استمرار الأزمة يطرح في الوقت نفسه سؤالاً سياسياً يتعلق بقدرة النظام القائم على بناء مؤسسات عامة قادرة على حماية الحد الأدنى من احتياجات المواطنين، وعلى تحويل الموارد المحدودة إلى خدمات أكثر استدامة.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الأداء الإداري لتصبح جزءاً من أزمة العلاقة بين المواطن والنظام السياسي. شرعية أي نظام سياسي لا تتشكل فقط من خلال الانتخابات والتمثيل، وإنما تتأثر أيضاً بقدرته على توفير الخدمات الأساسية، وحماية الحقوق، والاستجابة للاحتياجات اليومية للمجتمع. وكلما اتسعت الفجوة بين المؤسسات والمواطن، أصبح من الصعب بناء الثقة اللازمة لأي مشروع سياسي طويل الأمد.
بذلك تصبح أزمة الخدمات جزءاً من الأزمة البنيوية الأوسع: نظام سياسي يواجه قيوداً خارجية شديدة، لكنه في الوقت نفسه لم يتمكن، على مدار سنوات عمله، من بناء قدرة مؤسسية ومالية كافية تضمن استدامة تقديم الخدمات وتقلل هشاشته أمام الأزمات.

أزمة الاستراتيجية لا أزمة الهدف
ربما تكون هذه النقطة هي الأكثر أهمية في تشخيص الأزمة الفلسطينية.
الهدف الوطني الفلسطيني لم يتغير في جوهره: إنهاء الاحتلال، وتحقيق حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة، والحفاظ على الحقوق الوطنية. لكن المشكلة تتعلق بالاستراتيجية التي يمكن أن تقود إلى تحقيق هذه الأهداف في ظل بيئة تغيرت بصورة جوهرية.
الاستراتيجية التي قامت على افتراض أن المفاوضات ستقود تدريجياً إلى إنهاء الاحتلال اصطدمت بواقع توسع الاستيطان واستمرار السيطرة الإسرائيلية. والاستراتيجية القائمة على الانقسام أثبتت محدودية قدرتها على حماية وحدة المشروع الوطني. كما أن الاعتماد على التحرك الدولي وحده لم يؤدِ إلى تغيير كافٍ في موازين القوى.
لذلك فإن جوهر الأزمة ليس غياب الأهداف، وإنما الفجوة بين الأهداف الوطنية وأدوات تحقيقها.
وهذه الفجوة تفرض مراجعة سياسية لا تقتصر على تغيير الأشخاص أو إعادة توزيع المناصب، انما تمتد إلى إعادة التفكير في العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة، وطبيعة النظام السياسي، وآليات اتخاذ القرار، وأشكال النضال، وموقع المجتمع والقوى السياسية خارج البنية التقليدية في صناعة القرار الوطني.

إن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني لا تعني بالضرورة إسقاط المؤسسات القائمة أو تجاوزها، وإنما إعادة تعريف وظائفها وعلاقاتها ضمن رؤية وطنية أكثر اتساقاً. المرحلة الراهنة تحتاج إلى نظام سياسي أكثر قدرة على تمثيل المجتمع الفلسطيني بمختلف مكوناته، وأكثر قدرة على إنتاج القرار الوطني، وأوسع مشاركة للقوى السياسية والاجتماعية والشباب والنساء والمجتمع المدني.
وتأتي الانتخابات هنا كأداة ضمن عملية أوسع، لا كحل منفرد للأزمة. التجديد السياسي لا يتحقق فقط بصندوق الاقتراع، وإنما بإعادة بناء قواعد المشاركة والتمثيل والشرعية، وضمان احترام نتائج الانتخابات، وإعادة تفعيل المؤسسات الوطنية الجامعة. لكن نجاح أي عملية تجديد سياسي سيبقى مرتبطاً بقدرتها على معالجة أصل الأزمة: إنتاج قيادة واستراتيجية قادرتين على التعامل مع واقع سياسي جديد.
في هذا السياق، أشار المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية "مسارات" في تحليل نشر في أيلول/سبتمبر 2026 إلى أن المأزق الفلسطيني يتجاوز مسألة الشرعية الانتخابية، ليشمل غياب المشروع الوطني الجامع، وأزمة القيادة والمؤسسات والاستراتيجيات وأشكال النضال، معتبراً أن الانتخابات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة أزمة المسار السياسي.

الخطر الحقيقي: أن تصبح الأزمة هي الوضع الطبيعي
الخطر الأكبر على القضية الفلسطينية لا يكمن فقط في استمرار الاحتلال الإسرائيلي أو التوسع الاستيطاني، انما في أن تتحول هذه الوقائع إلى "الوضع الطبيعي" الذي تتكيف معه السياسة الفلسطينية بدل أن تعيد بناء أدواتها لمواجهته.
حين يصبح الانقسام أمراً معتاداً، والانتقال بين الأزمات هو القاعدة، وتصبح التسوية المؤجلة بديلاً عن الاستراتيجية، وتتراجع المشاركة الشعبية، وتبقى المؤسسات عاجزة عن التجدد، فإن الأزمة تتحول من حالة مؤقتة إلى بنية سياسية مستقرة.
القضية الفلسطينية تقف اليوم أمام أزمة سياسية بنيوية، لكن تشخيص الأزمة لا يعني أن المشروع الوطني فقد قدرته على الاستمرار. انما يعني أن استمرار المشروع يتطلب إعادة بناء أدواته السياسية.
المطلوب ليس التخلي عن الأهداف الوطنية، وإنما إعادة صياغة الطريق إليها في ضوء واقع تغير بصورة كبيرة. وليس المطلوب اختيار شعار جديد بقدر ما هو مطلوب استعادة القدرة على الفعل السياسي.
وهذا يبدأ من إعادة بناء الوحدة الوطنية على أساس سياسي ومؤسسي، وتجديد شرعية المؤسسات، وإعادة تفعيل منظمة التحرير بوصفها إطاراً جامعاً، وربط الضفة وغزة والقدس في رؤية سياسية واحدة، وفتح المجال أمام قوى ومبادرات مجتمعية وسياسية جديدة، إلى جانب تطوير استراتيجية قادرة على التعامل مع التحولات الإسرائيلية والدولية بدل الاكتفاء برد الفعل عليها.
المشكلة، في جوهرها، لم تعد فقط أن الاحتلال مستمر، وإنما أن قواعد الصراع نفسها تتغير بسرعة أكبر من قدرة النظام السياسي الفلسطيني على التكيف معها.
وهذا يجعل السؤال الأساسي أمام الفلسطينيين اليوم ليس فقط: كيف نواجه سياسة إسرائيلية جديدة؟ بل كيف نعيد بناء القدرة الوطنية التي تمكننا من مواجهة هذه السياسة، وتحويل القضية من حالة انتظار سياسي إلى مشروع قادر على المبادرة والفعل.
فإذا كان الاحتلال يعمل على تغيير الجغرافيا، فإن التحدي الفلسطيني هو إعادة بناء السياسة. وإذا كان الاستيطان يعمل على تفتيت المكان، فإن الوحدة السياسية تصبح أكثر من شعار؛ وإذا كانت التحولات الدولية تعيد ترتيب أولويات العالم، فإن تجديد الخطاب والأدوات الفلسطينية يصبح شرطاً لاستعادة الحضور والتأثير.
في النهاية، لا تتحدد قدرة القضية الفلسطينية على الاستمرار فقط بما يفعله الخصم، وإنما أيضا بقدرة النظام السياسي الفلسطيني على إعادة إنتاج نفسه، وتجديد شرعيته، وتطوير استراتيجيته، واستعادة المجتمع إلى قلب العملية الوطنية.
الأزمة السياسية البنيوية لا تعني نهاية القضية، لكنها تعني أن استمرار النهج القائم لم يعد كافيا لمواجهة واقع يتغير بصورة أسرع من أدوات التعامل معه.