
لم تعد رام الله والبيرة اليوم مدينتين تفصل بينهما حدود عمرانية واضحة. فقد تمددت الكتلة الإسمنتية بينهما بصورة متسارعة، وتداخلت الأبنية والمحال والمشاريع التجارية، بينما تراجعت المساحات المفتوحة والخضراء التي كانت تمنح المكان شيئًا من طبيعته وملامحه.
المشكلة ليست في التوسع العمراني بحد ذاته؛ فالمدن تتوسع، والسكان يتزايدون، والحاجات الاقتصادية والاجتماعية تتغير. المشكلة في النمط الذي جرى به هذا التوسع، والمنطق الذي حكمه خلال العقدين الأخيرين.
فمع صعود النشاط العقاري والتجاري، أصبحت الأرض أكثر فأكثر جزءًا من دورة السوق. ارتفعت قيمتها، وتزايدت المنافسة على استثمارها، وتحولت المساحات المفتوحة تدريجيًا من مورد اجتماعي وبيئي إلى فرص استثمارية محتملة. وكلما ارتفعت قيمة الأرض، أصبح الحفاظ على المساحات غير المبنية أكثر صعوبة، لأن منطق السوق يدفع باستمرار نحو الاستخدام الأكثر ربحية.
وهنا تظهر آثار السياسة النيوليبرالية في العمران بوضوح. فالمشكلة ليست في وجود القطاع الخاص أو الاستثمار، وإنما في أن السوق أصبح يمتلك قدرة متزايدة على التأثير في شكل المدينة، بينما تراجعت وظيفة التخطيط العام بوصفها أداة لحماية المصلحة العامة.
خلال عقدين تقريبًا، لم تعد الأرض مجرد أرض، بل أصبحت أصلًا عقاريًا تتحدد قيمته بما يمكن أن ينتج عنه من عائد. وأصبح البناء أحد أهم مظاهر النشاط الاقتصادي، بحيث بات كل متر مربع تقريبًا يُنظر إليه من زاوية ما يمكن أن يحققه من قيمة اقتصادية. وهكذا أخذ تسليع الأرض مكانًا متقدمًا في تشكيل المشهد العمراني.
لكن الأرض ليست مجرد قيمة عقارية.
فالمساحة المفتوحة تؤدي وظيفة بيئية، والمساحة الخضراء جزء من جودة الحياة، والأرض غير المبنية تسمح بتسرب مياه الأمطار وتخفف من الجريان السطحي، بينما يؤدي التوسع في الإسمنت والإسفلت إلى زيادة الحرارة والضغط على البنية البيئية للمدينة.
لهذا فإن خسارة المساحات الخضراء ليست مجرد خسارة جمالية؛ إنها خسارة بيئية واجتماعية في الوقت نفسه.
ومن هنا يأتي مفهوم الحق في المدينة. فالمدينة الحديثة ليست مجرد أبنية وطرق وأسواق، وإنما هي أيضًا حق السكان في بيئة صحية، ومساحات عامة مفتوحة، وحدائق، وأماكن يستطيع الناس استخدامها دون أن تتحول كل ممارسة اجتماعية إلى خدمة مدفوعة.
وهنا تظهر إحدى نتائج هذا المسار العمراني: الخصخصة الضمنية للفضاء العام.
فعندما تتراجع الحدائق والمساحات المفتوحة، يجد الناس أنفسهم مضطرين بصورة متزايدة إلى استخدام المقاهي والمطاعم والمجمعات التجارية لقضاء الوقت واللقاء والترفيه. وهكذا يحل المكان التجاري تدريجيًا محل المكان العام، وتصبح بعض احتياجات الحياة الاجتماعية مرتبطة بالقدرة على الإنفاق.
وهذه ليست قضية بيئية فقط، بل قضية عدالة اجتماعية أيضًا. فالذي يملك القدرة على الإنفاق يستطيع أن يجد مكانًا في المدينة، أما الفئات الأقل قدرة فتتقلص أمامها المساحات التي تستطيع استخدامها بحرية. وبذلك يصبح تراجع الفضاء العام أحد أشكال عدم المساواة داخل المدينة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نتعامل مع رام الله والبيرة باعتبارهما حالة واحدة تمامًا.
فهناك فرق في الثقافة الإدارية والتخطيطية بين المدينتين، حتى لو لم يكن الفرق كبيرًا في النتيجة العمرانية النهائية. فقد أظهرت رام الله، في مراحل مختلفة، اهتمامًا نسبيًا أكبر بالحدائق والتشجير وبعض عناصر المجال العام، إلى جانب محاولات للحفاظ على بعض ملامح النسيج العمراني القديم، واهتمام أوضح في خطابها التخطيطي بمفاهيم الاستدامة وجودة الحياة.
أما في البيرة، فقد بدا التعاطي في مراحل مختلفة أكثر التصاقًا بالوظيفة التجارية للمدينة وبالنشاط العقاري، مع توسع في بعض الاستخدامات التي تعكس حضور القيمة الاقتصادية للأرض والفضاء بصورة أكبر.
هذا الفرق مهم، ليس للقول إن إحدى المدينتين نجحت والأخرى فشلت، وإنما لأنه يكشف أن طريقة إدارة المدينة والنظر إلى المجال العام يمكن أن تختلف، حتى عندما تتحرك المدينتان داخل الظروف الاقتصادية والعمرانية نفسها.
ومع ذلك، تبقى النتيجة العامة متقاربة: ضغط عمراني متزايد، وتراجع في المساحات المفتوحة، ونقص في الفضاء العام، وتقدم مستمر للكتلة المبنية على حساب المجال الطبيعي.
وهنا تحديدًا تصبح البيئة قضية سياسية.
لدينا في فلسطين حزب أخضر، لكن حضوره السياسي والاجتماعي ظل محدودًا إلى درجة أن صوته يكاد لا يُسمع في الحياة العامة. وهذه ليست مشكلة البيئة، بل مشكلة الفعل السياسي الذي يفترض أن يحملها إلى المجال العام. فوجود حزب يحمل اسم البيئة لا يكفي إذا لم يتحول إلى قوة سياسية تضع الأرض والمياه والتخطيط والعمران والعدالة البيئية في قلب النقاش السياسي.
والسؤال هنا لا يتعلق بالحزب وحده، بل بقيادته السياسية أيضًا: ماذا فعلت طوال هذه السنوات لتحويل القضايا البيئية من ملف هامشي إلى قضية سياسية واجتماعية؟
فالبيئة ليست ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الاقتصاد والسياسة. عندما تصبح الأرض سلعة، ويتوسع البناء على حساب المساحات المفتوحة، وتصبح الخدمات والمساحات الاجتماعية أكثر ارتباطًا بالسوق، فإن البيئة تدخل مباشرة في صلب العدالة الاجتماعية.
لذلك فإن الدفاع عن البيئة في المدينة لا يعني رفض البناء أو الاستثمار، وإنما يعني إعادة التوازن بين حق السوق في العمل وحق المجتمع في مدينة قابلة للحياة. وهذا يتطلب تخطيطًا حضريًا أكثر صرامة، وحماية حقيقية للمساحات المفتوحة، وتوسيع المساحات الخضراء، واعتماد معايير للبناء الأخضر، وزيادة المساحات القابلة لنفاذ المياه، وإعادة الاعتبار لدور البلديات في حماية المصلحة العامة، بدل أن يتحول التخطيط إلى مجرد آلية لمنح التراخيص وتنظيم حركة التطوير العقاري.
فالمدينة ليست مجموع عقاراتها، وليست قيمة أراضيها وأسعار أبراجها.
المدينة هي أيضًا المساحات التي لا تُباع، والحدائق التي لا تحتاج إلى تذكرة دخول، والأماكن التي يستطيع الناس الجلوس فيها دون أن يكونوا زبائن، والشارع الذي يبقى مجالًا مشتركًا، والهواء والظل والماء والأرض التي لا يمكن اختزال قيمتها في سعر السوق.
ومن هنا يصبح الحق في المدينة أكثر من مفهوم عمراني. إنه حق اجتماعي وبيئي وسياسي.
رام الله والبيرة أمام مسار عمراني لن يتوقف، لكن استمرار هذا المسار بالمنطق نفسه يعني أن ما نخسره اليوم قد لا يكون من السهل استعادته غدًا.
فالمعركة ليست بين الإسمنت والخضرة فقط، ولا بين الاستثمار والبيئة.
إنها، في جوهرها، معركة على من يملك حق تشكيل المدينة، ولمن تُبنى المدينة أصلًا.