يونس العموري يكتب لوطن: السابع من اكتوبر... حين خرجت فلسطين من الزمن

08/10/2026

 كانت فلسطين قبل السابع من اكتوبر تشبه ساعة معلقة على جدار قديم. عقاربها تتحرك، نعم، لكنها تعود دائما الى المكان نفسه، كأن الوقت يمضي ولا يصل. احتلال يتقدم، ومستعمرات تكبر، وحصار يطول، وارض تضيق، وانقسام يترسخ، وسياسة تبحث عن نافذة في جدار لا يريد ان يفتح، وعالم اعتاد ان يسمع عن فلسطين اكثر مما يريد ان يسمع منها. كانت الايام تتشابه الى الحد الذي صار فيه الفلسطيني يعرف مسبقا كثيرا مما سيحمله الغد، اقتحام هنا، اعتقال هناك، شهيد جديد، بيت يهدم، مستوطنة تكبر، تصريح دولي جديد، بيان عربي جديد، ومفاوضات لا تصل الى مكان. كان كل شيء يتحرك حول فلسطين، بينما تبدو فلسطين نفسها محاصرة في الزمن، كأن احدا امسك بعقارب ساعتھا وقال لها ان هذا هو الوقت الذي يجب ان تبقى فيه.

وكان ذلك هو الزمن الذي سبق السابع من اكتوبر. زمن بدا فيه الاحتلال وكأنه حقيقة نهائية، والانقسام وكأنه قدر فلسطيني، والحصار وكأنه جغرافيا لا تتغير، والتطبيع وكأنه طريق المنطقة الجديد، والقضية الفلسطينية وكأنها ملف قديم يمكن للعالم ان يضعه جانبا ثم يعود اليه عندما تسمح الظروف. كانت اسرائيل تبني صورتها بعناية، دولة قوية، دولة ديمقراطية، دولة تحارب من اجل امنها، دولة محاطة بالخطر، دولة لا تفعل الا ما يفرضه عليها الدفاع عن النفس، وكان العالم يتعامل مع هذه الصورة كما لو انها حقيقة مكتملة لا تحتاج الى كثير من الاسئلة. اما الفلسطيني فكان مطلوبا منه ان يثبت في كل مرة انه ما زال موجودا، وان يشرح من جديد لماذا لا يقبل ان يتحول الاحتلال الى امر طبيعي، ولماذا لا يستطيع ان ينسى ارضه، ولماذا لا تكفيه وعود السلام التي طال عمرها اكثر من اللازم.
ثم جاء السابع من اكتوبر. لم يأت مثل يوم من ايام السنة، بل جاء كأنه خروج مفاجئ للزمن من مكانه. كأن الساعة التي ظلت معلقة طويلا على الجدار تحطمت دفعة واحدة، وتناثرت عقاربها في كل الاتجاهات. لم يكن الصباح يشبه الصباحات التي سبقته، ولم يكن ما بعده يشبه ما قبله. في ذلك اليوم لم يتغير مشهد واحد فقط، بل انكسر مشهد كامل. انكسرت فكرة ان كل شيء يمكن ان يبقى على حاله، وان الاحتلال يستطيع ان يضمن استمراره بالقوة وحدها، وان الفلسطيني يمكن ان يبقى محاصرا في دور الضحية التي تنتظر العالم كي ينصفها. خرجت غزة من حصارها الى قلب الصورة، وخرجت فلسطين من هامش المشهد الى مركزه، وخرج السؤال الفلسطيني من الملفات المؤجلة ليقف امام العالم مرة اخرى بكل ثقله.
ولم يأت السابع من اكتوبر وحده. جاءت معه سنوات طويلة من القهر، وذاكرة لم تتعلم النسيان، وسجون امتلأت بالاسماء، ومخيمات بقيت تحفظ مفاتيح البيوت الاولى، وارض كانت تتقلص كل يوم تحت اقدام اصحابها، ومدينة اسمها القدس ظلت تقاوم محاولات تحويلها الى مجرد عنوان في بيان. جاءت معه غزة التي عاشت سنوات الحصار وهي تتعلم كيف تصنع من القليل الكثير، وكيف تعيش على حافة الموت دون ان تتخلى عن الحياة، وكيف تحمل البحر والحدود والسماء والجدار في يوم واحد. جاءت معه فلسطين التي لم تغب عن التاريخ يوما، حتى حين غابت عن اولويات العالم.
ولذلك لم يكن السابع من اكتوبر مجرد لحظة عسكرية، مهما كانت القراءة التي يختارها المرء لتفاصيلها. كان لحظة في الوعي الفلسطيني نفسه. لحظة قالت ان الزمن ليس دائما ملكا لمن يظن انه يملك القوة، وان الجدار مهما ارتفع لا يصبح قدرا، وان الاحتلال مهما طال لا يتحول الى حق، وان الشعوب التي تعيش تحت القهر لا تفقد بالضرورة قدرتها على الفعل. كان في ذلك اليوم شيء من استعادة الفلسطيني لحقه في ان يكون فاعلا في حكايته لا مجرد شخصية تنتظر ان يكتب الاخرون نهايتها.
ومنذ ذلك الصباح لم يعد السابع من اكتوبر يوما انتهى بانتهاء ساعاته. هناك ايام تمر، وهناك ايام تبقى، وهناك ايام تتحول الى زمن كامل. والسابع من اكتوبر من تلك الايام التي لم تغادرنا. بقي في غزة، في كل بيت هدم، وفي كل عائلة فقدت ابنا او ابنة، وفي كل ام تنتظر خبرا، وفي كل طفل عرف الحرب قبل ان يعرف معنى الطفولة. بقي في الشوارع التي تغيرت ملامحها، وفي الاحياء التي لم يعد يعرفها اصحابها، وفي الذاكرة التي صارت تحمل اسماء اكثر مما تستطيع الكلمات ان تحمل.
لكن ذلك اليوم لم يترك اثره في غزة وحدها. لقد غير وجه المشهد الاسرائيلي ايضا. فالدولة التي بنت صورتها لعقود على التفوق الامني والقدرة على حماية مواطنيها وجدت نفسها امام لحظة اهتزت فيها الصورة التي صنعتها عن نفسها. لم تعد المسألة فقط كيف تحمي الدولة حدودها، بل ماذا تفعل القوة حين تتحول الى وسيلة دائمة لادارة شعب كامل تحت الاحتلال. لم تعد المسألة فقط من يملك السلاح الاكثر، بل من يملك القدرة على اقناع العالم بأن استخدام هذا السلاح لا يحتاج الى سؤال اخلاقي. ومع اتساع الحرب وتراكم صور الدمار والنزوح والقتل في غزة، بدأت تلك الصورة القديمة تتشقق امام العالم، وخرجت الى السطح اسئلة ظلت زمنا طويلا خلف الستار.
هنا بالذات تكمن واحدة من اعمق دلالات السابع من اكتوبر. فهو لم يكشف فقط ما يمكن ان تفعله المقاومة، بل كشف ايضا ما يمكن ان تفعله الدولة حين تشعر ان قوتها وشرعيتها وصورتها كلها اصبحت موضع اختبار. انكشف الوجه الذي كانت الكلمات الناعمة تخفيه، وانكشف ان الدولة التي تحدثت طويلا عن الديمقراطية والامن والقانون ليست خارج التاريخ ولا فوق المساءلة. صارت غزة مرآة، وكلما ارتفع الركام فيها انعكست في المرآة صورة اخرى. صورة الاحتلال حين يصبح عاديا في نظر من يمارسه، وصورة القوة حين تفقد حدودها، وصورة الايديولوجيا حين تتحول الى سياسة، وصورة الخوف حين يصبح مبررا دائما لمزيد من القوة.
ولم يكن انكشاف هذه الصورة اسرائيليا فقط، بل كان عالميا ايضا. فالسابع من اكتوبر هز الرواية التي ظلت تقدم الفلسطيني باعتباره مشكلة امنية قبل ان يكون انسانا، واعاد الانسان الفلسطيني الى مركز المشهد. صار العالم يرى طفلا في غزة قبل ان يرى الرقم، وامراة قبل ان يرى الخبر، وبيتا قبل ان يرى الخريطة، ومدينة قبل ان يسمع اسم العملية العسكرية. وبدأت فلسطين تظهر من جديد لا بوصفها قضية قابلة للتأجيل، بل بوصفها قضية حية تتصل بالاحتلال والحرية والارض والكرامة والحق في الحياة.
ولذلك تغيرت لغة العالم. دخلت كلمات كانت تبدو بعيدة عن المشهد الى قلب النقاش. الاحتلال، الاستيطان، العقاب الجماعي، التهجير، التدمير، الجرائم، المسؤولية، القانون، والمساءلة. صارت المحاكم والمؤسسات الدولية ساحات جديدة في الصراع على الرواية والشرعية. ولم يعد ممكنا ببساطة ان تبقى صورة اسرائيل محصنة بالعبارات القديمة. فالصور التي خرجت من غزة كانت اقوى من كثير من البيانات، والاسئلة التي طرحتها الحرب تجاوزت قدرة السياسة على اخفائها تحت لغة الامن.
وفي ذلك انكشاف اخر لا يقل اهمية. انكشفت فاشية الاحتلال لا فقط في ما يقوله خصومه عنه، بل في اللغة التي خرجت من داخله وفي السياسات التي مورست على الارض وفي التعامل مع الفلسطيني باعتباره كتلة سكانية يمكن اخضاعها بالعقاب والقوة والاقتلاع. انكشفت عنصرية المنظومة حين صار الفلسطيني هو المتهم دائما حتى عندما يكون هو الذي يعيش تحت الاحتلال، وانكشفت مفارقة دولة تقدم نفسها للعالم باعتبارها نموذجا ديمقراطيا بينما يعيش شعب اخر تحت سيطرتها محروم من ابسط شروط الحرية والسيادة. وهكذا لم تعد المسألة مجرد خلاف بين روايتين، بل اصبح هناك سؤال اخلاقي كبير يلاحق الصورة الاسرائيلية نفسها .. كيف يمكن لدولة ان تطلب من العالم ان يرى انسانيتها وهي تحاول في الوقت ذاته ان تمنع انسانية الفلسطيني من ان تكون مرئية.
ولعل السابع من اكتوبر كان ايضا لحظة انكشاف للوهم الذي ظن ان القضية الفلسطينية يمكن تجاوزها من دون حلها. سنوات من الاتفاقات والتحالفات والتطبيع والترتيبات الاقليمية حاولت ان ترسم للمنطقة مستقبلا يمكن فيه الحديث عن كل شيء الا فلسطين. فجاءت فلسطين نفسها لتقول ان الجغرافيا لا تنسى، وان التاريخ لا يقبل الحذف، وان القضية التي يراد لها ان تصبح هامشا يمكن ان تعود فجأة الى قلب المتن. لم يعد ممكنا ان تتحدث المنطقة عن مستقبلها وكأن فلسطين ليست جزءا من هذا المستقبل.
وعربيا، تغير شيء في الوعي ايضا. عادت فلسطين الى الشارع، الى الجامعات، الى النقاش العام، الى الذاكرة التي حاولت سنوات الانقسامات والحسابات الرسمية ان تثقلها. لم تعد غزة بعيدة كما كانت في الخرائط، بل صارت قريبة من كل بيت يرى صورها. وعاد اسم فلسطين الى لغة الاجيال الجديدة التي لم تعد ترى القضية كما رآها جيل سابق فقط، بل تراها من خلال عالم مفتوح لا تستطيع الرواية الواحدة ان تسيطر عليه كما كانت تفعل من قبل.
وعالميا، بدا ان جيلا جديدا يولد من قلب هذه الحرب. جيل لا يعرف فلسطين فقط من كتب التاريخ، ولا من بيانات الحكومات، ولا من نشرات الاخبار التقليدية، بل يعرفها من الصور والشهادات والاصوات المباشرة. جيل بدأ يسأل عن معنى ان يعيش شعب تحت الاحتلال لعقود، وعن معنى ان تكون هناك دولة تمتلك القوة والسلاح والحدود والدعم الدولي، بينما يبقى شعب كامل يبحث عن حقه في ان يعيش حرا فوق ارضه. وربما كان هذا من اخطر ما حدث للصورة الاسرائيلية، ان المعركة لم تعد تجري فقط على الارض، بل دخلت الى وعي اجيال جديدة يصعب اعادة تشكيله باللغة القديمة نفسها.
وفلسطينيا، كان السابع من اكتوبر مرآة اخرى. رأينا فيها قوتنا وضعفنا، قدرتنا وعجزنا، وحدتنا وانقسامنا، شجاعتنا وخوفنا، ورأينا ايضا كم تراكمت السنوات من دون ان نمتلك مشروعا يوازي حجم القضية. لقد سقطت اشياء كثيرة في ذلك اليوم، لكن ليس كل سقوط خسارة. بعض الصور حين تسقط تمنحنا فرصة ان نرى ما كان مخفيا خلفها. سقطت اوهام كثيرة، وسقطت يقينيات، وسقطت حسابات كانت تبدو نهائية، وصار مطلوبا من الفلسطيني ان يعيد التفكير في مستقبله لا من موقع اليأس، بل من موقع من اكتشف ان التاريخ لم يغلق ابوابه بعد.
ولعل اكثر ما يوجع في كل ذلك ان غزة دفعت الثمن الاكبر. غزة التي فتحت الباب في السابع من اكتوبر وجدت نفسها في مواجهة حرب هائلة، وتحولت من مكان محاصر الى قلب العالم، ومن شريط صغير على البحر الى جغرافيا تحمل سؤال فلسطين كله. لم تعد غزة مجرد قطاع محاصر، بل صارت اسما للانسان الذي يقاوم ان يمحى، وللبيت الذي يسقط ولا تسقط حكايته، وللام التي تبقى واقفة وسط الخراب، ولطفل يحمل من الحرب ما يفوق عمره، ولشعب يريد ان يقول ان وجوده ليس تفصيلا فائضا في هذا العالم.
ولذلك لا يمكن ان نقيس السابع من اكتوبر بما حدث في ساعاته الاولى فقط. بعض الاحداث تكون اكبر من لحظتها. انها تغير الاسئلة التي يأتي بعدها الزمن. وهذا ما حدث. صار السؤال عن فلسطين مختلفا، والسؤال عن اسرائيل مختلفا، والسؤال عن الاحتلال مختلفا، والسؤال عن المقاومة مختلفا، وحتى السؤال عن العالم نفسه صار مختلفا. ماذا يعني ان يكون العالم قادرا على رؤية كل شيء ثم يعجز عن ايقاف كثير منه. ماذا يعني ان يصبح القانون واضحا في الكتب وملتبسا حين يصل الى السياسة. ماذا يعني ان تتحدث الدول عن حقوق الانسان ثم تتباين مواقفها عندما يكون الانسان فلسطينيا.
السابع من اكتوبر لم يعط العالم اجابات جاهزة، لكنه اسقط كثيرا من الاجابات القديمة. وهذه ربما احدى اهم دلالاته. فقد جعل من الصعب العودة الى الزمن الذي سبق ذلك اليوم وكأن شيئا لم يحدث. صار هناك تاريخ قبل السابع من اكتوبر وتاريخ بعده، لا لان فلسطين بدأت في ذلك الصباح، فهي اقدم من كل هذه الايام، ولا لان المقاومة ولدت فيه، فهي اقدم من ذلك بكثير، بل لان ذلك اليوم كسر جدارا في الوعي، وجعل ما كان يبدو ثابتا قابلا للسؤال، وما كان يبدو مستحيلا قابلا للتخيل، وما كان يبدو مؤجلا قابلا للعودة الى قلب الحاضر.
ولهذا فاننا حين نحيي ذكرى السابع من اكتوبر لا نحيي يوما فقط. نحن نحيي لحظة خرجت فيها فلسطين من الزمن الذي رسم لها، واستعادت حقها في ان تكون جزءا من صناعة زمنها. نحيي لحظة قالت فيها غزة، وهي المحاصرة، للعالم كله ان الحصار لا يعني الغياب، وان الصمت لا يعني الموت، وان شعبا يمكن ان يعيش تحت القهر سنوات طويلة من دون ان يتخلى عن حلمه. ونستعيد في الوقت نفسه ذاكرة الذين مضوا، وذاكرة البيوت التي هدمت، وذاكرة الارض التي بقيت، وذاكرة شعب لم يتعلم كيف ينسى.
ربما لهذا سيبقى السابع من اكتوبر معنا طويلا. ليس لاننا نريد ان نبقى اسرى يوم، بل لان بعض الايام تصبح مفاتيح لابواب اكبر منها. وهذا اليوم كان واحدا من تلك المفاتيح. فتح بابا في التاريخ، وفتح بابا في الوعي، وفتح بابا في صورة الاحتلال، وفتح بابا في العالم الذي لم يعد يستطيع ان يدعي ان فلسطين قضية يمكن اخفاؤها خلف الستائر. ومن خلف ذلك الباب ظهرت اشياء كثيرة، ظهر الفلسطيني بوجهه الحقيقي، وظهرت غزة بحجمها الانساني، وظهرت دولة الاحتلال خارج صورتها المصقولة، وظهر العالم نفسه امام مرآته، يسأل عن معنى القوة، وعن معنى القانون، وعن معنى الاخلاق، وعن معنى ان يبقى شعب كامل ينتظر حريته كل هذا الزمن.
لقد كان السابع من اكتوبر يوما في التقويم، لكنه لم يبق في التقويم. خرج منه. خرج الى فلسطين، والى غزة، والى القدس، والى الضفة، والى الذاكرة، والى العالم. خرج من حدود اليوم الى معنى الزمن. ..ولهذا حين نقول اليوم السابع من اكتوبر، فاننا لا نشير الى يوم مضى فقط، بل الى يوم ما زال يفعل فعله فينا وفي العالم من حولنا.  ذلك اليوم بقي...  وبقيت فلسطين.