
وطن للأنباء: حذّر مدير مركز ثبات للدراسات واستطلاعات الرأي جهاد حرب من أن تقود الحوارات الفلسطينية الجارية في القاهرة إلى اتفاق على تأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، معتبرًا أن القوى السياسية، وفي مقدمتها حركتا فتح وحماس، تواجهان مخاوف جدية من نتائج صندوق الاقتراع في ظل التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الفلسطيني خلال السنوات الماضية.
وقال حرب، خلال مشاركته في "منصة مواطنات" الذي أطلقته جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، إن الحوارات الفلسطينية السابقة، من القاهرة إلى بكين، لم تتمكن من إنهاء الانقسام بصورة جدية، رغم تنفيذ أجزاء محدودة من بعض الاتفاقيات.
وأضاف أن "المسألة الأساسية في الحوار الجاري بالقاهرة أن حركتي فتح وحماس تحتاجان إلى مخرج من الأعباء القائمة"، موضحا أن حركة حماس تواجه تداعيات ما جرى بعد السابع من أكتوبر، فيما تواجه حركة فتح، صعوبات داخلية تتعلق بقدرتها على تأمين وحدة الحركة وتشكيل قائمة انتخابية موحدة.
ورأى حرب أن الرئيس عباس يحتاج أيضا إلى عوامل داخلية تسانده في حال الاتجاه نحو تأجيل الانتخابات، مرجحا أن يكون "الاتفاق على تأجيل الانتخابات" هو النقطة الأسهل التي يمكن أن تتوافق عليها القوى السياسية، بينما سيكون الوصول إلى اتفاق شامل لإنهاء الانقسام أكثر صعوبة.
حرب: صندوق الاقتراع قد يكشف تغييرات كبيرة في المجتمع الفلسطيني
وأشار حرب إلى أن المجتمع الفلسطيني شهد خلال العقدين الماضيين تغيرات جوهرية في بنيته الاجتماعية والسياسية، معتبرا أن هذه التحولات تجعل نتائج الانتخابات المقبلة غير محسومة بالنسبة للقوى التقليدية.
وقال إن نحو 40% من الفلسطينيين، وفق استطلاعات الرأي، لم يقرروا بعد لمن سيصوتون، معتبرا أن هذه النسبة تمثل "وزنا كبيرا" يمكن أن يحدث تغييرا في المشهد السياسي.
وأضاف أن الشباب يشكلون شريحة واسعة من الناخبين، في وقت تشير فيه بيانات واستطلاعات إلى ضعف انخراطهم في الأحزاب السياسية، ما يعكس، وجود فجوة واسعة بين الأجيال الجديدة والقوى السياسية القائمة.
وأكد أن "الفصائل لم تختبر الناس منذ عشرين عامًا"، في إشارة إلى غياب الانتخابات التشريعية، معتبرا أن عدم العودة إلى الشارع الفلسطيني وعدم تقديم برامج سياسية للناخبين يجعل القوى السياسية غير قادرة على معرفة اتجاهات الناخبين الحقيقية.
وقال حرب إن "هذا هو المأزق الرئيسي للمجتمع الفلسطيني، والمأزق الرئيسي للفصائل التي لا تريد أن تخرج منه"، مشيرا إلى أن الخوف من نتائج الانتخابات يرتبط أيضا بعدم معرفة التحولات البنيوية التي حدثت داخل المجتمع الفلسطيني.
"اتفاق على التأجيل" قد يشعل احتجاجات شعبية
وحذّر حرب من أن تأجيل الانتخابات دون تحديد موعد واضح وملزم قد يؤدي إلى احتجاجات شعبية، معتبرا أن أي احتجاجات جديدة قد تكون أكثر صعوبة من تلك التي شهدها عام 2021، في ظل ما وصفه بضعف السلطة الفلسطينية وتراجع قدرتها على تقديم الخدمات للمواطنين.
ورأى أن أحد المخارج الممكنة يتمثل في اتفاق وطني يحدد موعدًا جديدًا للانتخابات، على أن تكون هناك جدية في الالتزام به.
واقترح أن يجري، في حال تعذر تنظيم انتخابات 28 تشرين الثاني/نوفمبر، تحديد موعد خلال النصف الأول من عام 2027، مع ضرورة التزامن بين الانتخابات التشريعية والرئاسية، محذرًا من إعادة إنتاج تجربة عام 2006، عندما أفرزت الانتخابات التشريعية أغلبية سياسية مختلفة عن الرئاسة.
وأكد أن "الشرعية، على المستوى الأكاديمي، هي القائمة على تأييد أغلبية المواطنين الفلسطينيين من خلال صندوق الاقتراع، في ظل انتخابات حرة ونزيهة"، مشيرًا إلى أن مؤشرات الثقة والرضا عن مؤسسات الحكم الفلسطينية تراجعت خلال السنوات الماضية.
سهام البرغوثي: الانتخابات مدخل لإعادة بناء النظام السياسي
من جانبها، أكدت نائب الأمين العام لحزب فدا سهام البرغوثي أن الانتخابات يجب أن تكون مدخلًا لتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، معتبرة أن استمرار الانقسام أدى إلى تآكل الشرعيات والمؤسسات.
وقالت البرغوثي إن الشعب الفلسطيني "كان ولا يزال يتطلع إلى أهمية الحوارات والوصول فعلاً إلى إنهاء الانقسام ووحدة الأرض والقضية والشعب"، لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة التعلم من التجارب السابقة التي لم تؤدِ إلى إنهاء الانقسام.
وأضافت أن الانتخابات تمثل، من وجهة نظر حزب فدا، "مسارًا ومدخلًا لإعادة تجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني"، موضحة أن مشاركة مختلف مكونات الشعب الفلسطيني يمكن أن تفضي إلى مجلس تشريعي جديد يضم مختلف القوى والمكونات، ومن ثم الانطلاق نحو حكومة توافق وطني.
البرغوثي: لا نريد تكرار تجربة 2021
وشددت البرغوثي على ضرورة معالجة ملف الانتخابات قبل الوصول إلى مرحلة تسجيل القوائم، حتى لا تتكرر تجربة عام 2021، عندما أُجلت الانتخابات بعد مراحل متقدمة من التحضير لها.
وقالت إن حزب فدا يؤيد إجراء الانتخابات في موعدها، لكنه في حال التوافق على تأجيلها يشترط أن يكون التأجيل لفترة محددة، وألا يتحول إلى إلغاء للاستحقاق، مع ضرورة تحديد موعد جديد ملزم.
وأكدت أن "التوافق مهم"، لكن يجب ألا يكون التوافق ذريعة مفتوحة لتعطيل الانتخابات، مشيرة إلى أن أي اتفاق يجب أن يشمل مختلف الأطراف والمكونات، بما فيها مؤسسات المجتمع المدني، وأن يعكس إرادة فلسطينية واسعة.
ورأت البرغوثي أن إجراء الانتخابات لا ينفصل عن الحاجة إلى توافق وطني يتيح مواجهة الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون، قائلة إن المطلوب هو "خطة وطنية جامعة تجمع الكل الفلسطيني".
البرغوثي: الأحزاب بحاجة إلى تجديد داخلي
وفيما يتعلق بتجديد الحياة السياسية، أكدت البرغوثي أن المشكلة لا تقتصر على الانتخابات العامة، بل تمتد إلى واقع الأحزاب والفصائل الفلسطينية نفسها، التي تحتاج إلى مؤتمرات دورية وتجديد قياداتها وفتح المجال أمام دماء جديدة.
من جانبه، اعتبر حرب أن غياب الديمقراطية الداخلية عن الأحزاب والفصائل يمثل جزءًا أساسيًا من أزمة النظام السياسي، مشيرًا إلى أن بعض القيادات تتولى مواقعها لعقود طويلة دون مراجعة حقيقية للأداء أو البرامج أو القيادات.
وقال إن "المشكلة في المنهج والأدوات وأيضًا في الأشخاص"، منتقدًا ما وصفه بـ"تقديس الأشخاص" داخل بعض الفصائل، ومعتبرًا أن بقاء القيادات في مواقعها لعشرات السنوات دون مراجعة أو تداول ديمقراطي يضعف قدرة هذه القوى على التجدد.
وشدد على أن الانتخابات ليست مجرد إجراء تقني، بل فرصة لاختبار اتجاهات المجتمع الفلسطيني وتجديد المؤسسات وإدخال قوى ووجوه جديدة إلى الحياة السياسية.
وفي ختام النقاش، اتفق الضيفان على أهمية حماية الحق الدستوري للمواطن الفلسطيني في اختيار ممثليه، مع اختلافهما في تقدير مسار الحوار الجاري في القاهرة، حيث حذّر حرب من أن ينتهي إلى تأجيل جديد، فيما شددت البرغوثي على أن أي تأجيل، إذا تم التوافق عليه، يجب أن يكون محددًا ومقترنًا بموعد واضح وملزم لإجراء الانتخابات.