
وطن للأنباء: حذرت منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة من التداعيات المتراكمة للانتهاكات التي تتعرض لها التجمعات البدوية والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية، مؤكدة أن استمرار هدم المساكن والمنشآت، ومصادرة الممتلكات، والاعتداء على السكان والمزارعين، واستهداف الأراضي الزراعية ومصادر الرزق، يفاقم الظروف المعيشية والأمنية الصعبة التي يواجهها السكان. وقالت المنظمة في تقريرها الشهري إن شهر سبتمبر 2026 شهد رصد 2,200 انتهاكا في التجمعات البدوية والمناطق القروية والريفية، مشيرة إلى أن أهمية هذا الرقم لا تكمن في حجمه فقط، وإنما في تنوع الانتهاكات وتراكمها وتأثيرها المتزامن على الأمن والسكن والممتلكات والعمل والزراعة وحرية الحركة والوصول إلى الأراضي.
ووفق تصنيف منظمة البيدر الحقوقية، شملت الانتهاكات المرصودة 512 اعتداءا للمستوطنين، و169 اعتداءا وتخريبا للممتلكات، و115 حالة إطلاق نار، و49 حالة هدم لمنشآت سكنية، و31 حالة مصادرة للممتلكات، و21 حالة مرتبطة بالنشاطات الاستيطانية، وتوضح المنظمة أن هذه التصنيفات لا تمثل بالضرورة مجموعا حسابيا مستقلاً للرقم الإجمالي البالغ 2,200 انتهاك، إذ يمكن أن تتضمن الواقعة الواحدة أكثر من نوع من الانتهاكات.
وتظهر الوقائع التي وثقتها المنظمة خلال الشهر المنصرم، أن الانتهاكات طالت المساكن والمنشآت المرتبطة مباشرة بمصادر رزق السكان. فقد وثق التقرير هدم منازل ومنشآت سكنية، إلى جانب حظائر للأغنام ودفيئات زراعية ومخازن وغرف زراعية وإسطبلات وأسوار، وفي إحدى الحالات، هدمت قوات الاحتلال 12 دفيئة زراعية و8 مخازن تجارية و10 غرف زراعية وأسوار مزرعتين قرب مدخل قرية عرانة، بينما وثق التقرير في منطقة رأس الطويل بقرية عابا هدم أربع إسطبلات للخيول ودفيئات زراعية وبركسات لتربية الأغنام وسور وغرفتين زراعيتين. وترى منظمة البيدر أن هذه الأضرار لا تقتصر على فقدان مباني ومنشآت، وإنما تمتد إلى تعطيل النشاط الاقتصادي وفقدان أدوات الإنتاج ومصادر الدخل، بما يزيد من هشاشة الأسر المتضررة.
وفي السياق ذاته، رصد التقرير انتهاكات طالت الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون مع بداية موسم القطاف. فقد وثقت المنظمة اقتلاع أشجار الزيتون في أراضي المواطنين في عرابة، إضافة إلى الأمر العسكري رقم 107/26 لإزالة أشجار الزيتون والنباتات البرية على مساحة 128 دونماً من أراضي مدينة جنين وبلدة قباطية، كما وثقت الأمر العسكري رقم 98/26 الصادر في 27 أيلول، والقاضي بإزالة واقتلاع أشجار الزيتون المزروعة على مساحة 56.026 دونما جنوب كفر مالك بمحاذاة الطريق الرئيس، بذريعة الدواعي الأمنية.
وفي الأيام الأخيرة من الشهر، سجلت المنظمة حالات قطف وسرقة لمحصول الزيتون من أراضي المواطنين في سرطة ودير بلوط، إلى جانب منع مزارعين من الوصول إلى أراضيهم لقطف محاصيلهم. وتؤكد المنظمة أن الاعتداء على أشجار الزيتون لا يمثل بالضرورة خسارة محصول موسم واحد فقط، بل قد تكون له آثار اقتصادية ممتدة، خصوصا عندما يؤدي إلى اقتلاع الأشجار أو تعطيل قدرة أصحاب الأراضي على الوصول إليها واستثمارها.
وشكلت اعتداءات المستوطنين إحدى أبرز فئات الانتهاكات التي رصدها التقرير، بإجمالي 512 اعتداء. وتنوعت الوقائع بين مهاجمة المواطنين والمزارعين، ورشق المركبات بالحجارة، وقطع الأشجار، وسرقة الأغنام والمحاصيل، والاستيلاء على جرارات زراعية، وتخريب الممتلكات، وحرق الأراضي الزراعية، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم. ومن بين الحالات التي وثقتها المنظمة محاولة سرقة رؤوس من الأغنام في تجمع بدوي بين فرعتا وإماتين، وسرقة أغنام عند منطقة مفرق زعترة، والاعتداء على مزارعين في سهل عرابة، وسرقة محصول الزيتون في سنيريا ودير بلوط. كما سجل التقرير تخريب غرفة زراعية ودفيئة وجدار استنادي وخطوط مياه وبوابات زراعية في أراضي المواطنين شرق قراوة بني حسان.
وترى منظمة البيدر أن خطورة هذه الانتهاكات لا تتحدد فقط في الأضرار المباشرة التي تسببها كل حادثة، وإنما في تراكم آثارها على حياة السكان وقدرتهم على الاستمرار. فهدم المسكن يهدد الاستقرار الأسري، ومصادرة المعدات تضعف القدرة على العمل، وسرقة المحاصيل أو اقتلاع الأشجار تؤثر في الدخل، بينما يؤدي الاعتداء على المزارعين أو منعهم من الوصول إلى أراضيهم إلى زيادة المخاطر المرتبطة بممارسة النشاط الزراعي، وترى المنظمة أن تراكم هذه الضغوط يمكن أن يضعف تدريجيا قدرة بعض الأسر والتجمعات على الاستمرار في أراضيها، بما يزيد مخاطر النزوح التدريجي.
وتوضح المنظمة أن عملية رصد الانتهاكات التي تقوم بها لا تهدف إلى جمع الأرقام فقط، وإنما إلى توثيق الوقائع وكشف الأنماط المتكررة وحفظ المعلومات المتعلقة بها وإيصال صوت السكان إلى المؤسسات الفلسطينية والدولية والحقوقية والإعلامية. وترى البيدر أن التعامل مع عمليات الهدم والمصادرة والاعتداءات واقتلاع الأشجار باعتبارها حوادث منفصلة قد يحجب آثارها التراكمية، ولذلك فإن الرصد المنتظم يوفر قاعدة يمكن الاستناد إليها في تعزيز المساءلة والمطالبة بالحماية.
وأكدت منظمة البيدر أن هدفها من نشر التقارير الشهرية هو تحويل الوقائع اليومية إلى معلومات موثقة يمكن استخدامها للدفاع عن السكان ومطالبة الجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها. وقال المحامي حسن مليحات - المشرف العام للمنظمة: "لا نريد أن يكون دورنا مجرد عدّ الانتهاكات بعد وقوعها، وإنما نريد أن تتحول هذه الأرقام والوقائع إلى تحرك يحمي الإنسان والأرض ومصادر الرزق، ويمنع تراكم الضغوط التي قد تجعل البقاء في بعض التجمعات أكثر صعوبة."
وتؤكد البيدر على أن استمرار هذه الأنماط من الانتهاكات وتراكم آثارها، سيغير مستقبل أجزاء واسعة من الضفة الغربية وقد يتجه نحو مزيد من التفكك الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي. فإقامة البؤر والطرق الاستيطانية، إلى جانب القيود على الحركة ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، يمكن أن تؤدي تدريجيا إلى تقليص المجال الذي يستطيع الفلسطينيون العيش فيه والعمل والزراعة والرعي داخله، وتحويل الوصول إلى الأرض من حق يومي إلى عملية محفوفة بالعوائق والمخاطر.
وتصبح هذه التداعيات أكثر خطورة في التجمعات الريفية والبدوية التي ترتبط حياة سكانها مباشرة بالأرض والمياه والرعي والزراعة، فعندما يتم هدم المسكن، أو تصادر المعدات، أو تدمر الحظائر والمنشآت الزراعية، أو تتضرر مصادر المياه، أو يمنع السكان من الوصول إلى أراضيهم، فإن الضرر لا يصيب عنصرا واحدا من حياة الأسرة، بل يطال منظومة البقاء بأكملها. ومع تكرار هذه الخسائر، ترتفع كلفة البقاء في المكان، بينما تتراجع قدرة السكان على تأمين دخلهم والحفاظ على نمط حياتهم ومصادر رزقهم.
ومن هنا، قد تتحول الأرض تدريجيا من أصل اقتصادي ومصدر للاستقرار إلى مصدر دائم للخطر والخسارة. فالمزارع الذي لا يستطيع الوصول إلى أرضه بصورة منتظمة، أو يخشى التعرض للاعتداء أثناء الوصول إليها، أو يفقد أشجاره ومحاصيله ومعداته، لا يواجه خسارة موسمية فحسب؛ بل يواجه تآكلا متراكما في قدرته على استثمار أرضه والحفاظ على علاقته الاقتصادية بها.،ومع الوقت، قد تصبح الأرض موجودة قانونيا وفعليا، لكن القدرة على الانتفاع بها تصبح أكثر صعوبة.
ولا يتوقف أثر هذه العملية عند حدود الأسرة، فعندما تتكرر مصادرة المعدات الزراعية وتدمير المنشآت والمياه والمحاصيل ومنع الوصول إلى الأراضي، تتأثر الدورة الاقتصادية للمجتمع بأكمله، فخسارة المزارع تعني خسارة دخل، وخسارة العامل الزراعي تعني فقدان فرصة عمل، وتراجع الإنتاج الزراعي ينعكس على التجار ومربي المواشي وأصحاب الخدمات المحلية، وبذلك يمكن أن تنتقل آثار الانتهاكات من خسائر فردية متفرقة إلى إضعاف تدريجي للبنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية.
وترى البيدر أن الخطر الأكثر حساسية يظهر عندما تتراكم هذه العوامل فوق بعضها بعضا: هدم، واعتداءات، ومصادرة، ومنع وصول، وتضييق على النشاط الزراعي والرعوي، بالتزامن مع التوسع الاستيطاني. في هذه الحالة، قد يجد السكان أنفسهم أمام بيئة تجعل الاستمرار في المكان أكثر صعوبة، وقد تصبح بعض التجمعات أكثر عرضة للنزوح أو لإعادة توزيع السكان نحو مناطق ينظر إليها على أنها أكثر أمنا وأقل تعرضا للضغط. وهنا لا يكون النزوح بالضرورة نتيجة حادثة واحدة، بل قد يكون نتيجة عملية تراكمية تستنزف قدرة المجتمع على الصمود والبقاء.
ولهذا، فإن قراءة الأرقام الواردة في تقرير منظمة البيدر لا ينبغي أن تتوقف عند عدد الانتهاكات المسجلة خلال شهر واحد، بل الأهمية الحقيقية تكمن في السؤال الذي تطرحه هذه الوقائع مجتمعة، ماذا يحدث عندما تتكرر الضغوط على المسكن والأرض والمياه والممتلكات ومصادر الرزق والوصول؟ فالخطر لا يكمن فقط في كل حادثة منفردة، وإنما في الأثر التراكمي الذي يمكن أن تتركه مئات الحوادث على قدرة السكان على الاستمرار في حياتهم الطبيعية فوق أرضهم.
وتنبه المنظمة إلى أن استمرار هدم المساكن، ومصادرة الممتلكات، وتدمير مصادر الرزق، واقتلاع الأشجار، والاعتداء على السكان، ومنع الوصول إلى الأراضي، إلى جانب التوسع الاستيطاني، يقود بصورة متراكمة إلى إضعاف مقومات البقاء في المكان، ويجعل النزوح والتهجير نتيجة حتمية لهذه العملية إذا استمرت دون وقف أو حماية فعالة، ويمكن اعتبارها نتيجة نهائية لمسار متواصل يؤدي إلى دفع السكان إلى مغادرة مناطقهم وفقدان قدرتهم على البقاء فيها
ودعت المنظمة المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والإنسانية ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والجهات السياسية إلى التحرك من أجل حماية التجمعات البدوية والسكان المدنيين، ووقف هدم المنازل والمنشآت السكنية والزراعية، وحماية الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون والثروة الحيوانية، وضمان وصول المزارعين والرعاة إلى أراضيهم ومصادر رزقهم، وحماية الممتلكات والمعدات الزراعية من المصادرة والتخريب، والتصدي للاعتداءات على السكان ومحاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب توفير الدعم القانوني والحقوقي للمتضررين وتعزيز التوثيق المستقل والمستمر للانتهاكات.
وشددت منظمة البيدر على أن حماية التجمعات البدوية والريفية تعني حماية حق السكان في السكن والعمل والزراعة والرعي والوصول إلى الأراضي والعيش بأمن وكرامة، مؤكدة أن استمرار الانتهاكات وتراكم آثارها يستدعيان انتقال المجتمع الدولي من رصد الضرر إلى العمل على منعه وحماية المدنيين.
وترى المنظمة أن مستقبل التجمعات البدوية والريفية لا ينبغي أن يترك رهينة لتراكم عمليات الهدم والمصادرة والاعتداءات وتقييد الوصول إلى الأراضي، وأن الاستجابة الفعالة تتطلب إجراءات حماية ملموسة تضمن قدرة السكان على البقاء في أراضيهم وممارسة حياتهم وسبل عيشهم بكرامة وأمان.