كيف يحوّل الأردن الأمن الدوائي إلى قوة اقتصادية إقليمية؟

07/10/2026

كتبت رانيا غازي أبو غوش: لم يعد الأمن الدوائي يعني وجود عبوات كافية على رفوف المستشفيات والصيدليات فحسب؛ بل أصبح مقياساً لقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وإدارة مالها العام، وضمان استمرارية الإنتاج في وقت الأزمات، وفتح أسواق جديدة لصناعاتها الوطنية. وفي اقتصاد يتأثر سريعاً باضطرابات الإقليم ومسارات الشحن وتكاليف التمويل والطاقة، يصبح الدواء اختباراً حقيقياً لجودة الحوكمة قبل أن يكون ملفاً صحياً.

التحول الأهم في هذا الملف هو توجه وزارة الصحة إلى بناء آلية شراء وتوزيع تستند إلى الاستهلاك الفعلي والتنبؤ بالاحتياجات، بدلاً من التحرك بعد وقوع النقص. هذه النقلة تبدو إجرائية في ظاهرها، لكنها في جوهرها قرار اقتصادي؛ لأنها تعني ربط بيانات المستشفيات والمراكز الصحية والمستودعات بمستوى المخزون الآمن، وسرعة التوريد، وأنماط الاستهلاك الموسمية، والأدوية ذات الأولوية العلاجية. والنتيجة المتوقعة ليست فقط تفادي انقطاع صنف دوائي، بل خفض الهدر الناتج عن التكدس وانتهاء الصلاحية، ورفع كفاءة الإنفاق الدوائي العام.

الأردن لا يبدأ من الصفر. فصادرات المستحضرات الدوائية بلغت نحو 642 مليون دينار في عام 2025، ووصلت المنتجات الدوائية الأردنية إلى نحو 85 سوقاً. ويضم القطاع 30 منشأة لتصنيع الأدوية البشرية، بطاقة إنتاجية تقارب 1.5 مليار دينار، ويوفر ما يقارب 10 آلاف فرصة عمل مباشرة. هذه الأرقام تؤكد أن الدواء الأردني ليس قطاعاً خدمياً تابعاً للإنفاق الصحي، بل قطاع صناعي عالي القيمة المضافة، يولد عملات أجنبية، ويشغل كفاءات علمية وفنية، ويملك مساحة حقيقية للتوسع.

لكن امتلاك طاقة إنتاجية لا يكفي وحده. فالقيمة الاقتصادية للقطاع ترتفع عندما تتكامل أربعة مسارات في منظومة واحدة: طلب حكومي ذكي، وتصنيع محلي مرن، ورقابة دوائية موثوقة دولياً، ونفاذ منظم إلى أسواق التصدير. وزارة الصحة، بصفتها من أكبر المشترين للدواء، تستطيع أن تكون شريكاً في بناء هذه المنظومة؛ من خلال خطط شراء مبكرة وشفافة، وتصنيف الأدوية الأساسية والحيوية، وتحفيز البدائل المصنعة محلياً متى استوفت الجودة والفعالية والسعر التنافسي، دون الإخلال بحق المريض في العلاج الآمن والفعّال.

وتزداد أهمية هذا المسار مع تطور البيئة الرقابية الأردنية. فتعزيز مكانة المؤسسة العامة للغذاء والدواء، وانضمامها إلى نظام التعاون في مجال التفتيش الدوائي PIC/S، لا يمثل إنجازاً فنياً منعزلاً؛ بل هو أصل اقتصادي غير ملموس. فثقة الجهات الرقابية والأسواق الخارجية بجودة التصنيع والتفتيش الأردنيين تخفض كلفة الدخول إلى الأسواق، وتدعم التسجيل، وتمنح الشركات قدرة أكبر على المنافسة في العقود الإقليمية والدولية، خصوصاً في الأدوية ذات القيمة المضافة والمنتجات المتخصصة والمستلزمات الطبية.

كما أن قرار حماية مدخلات إنتاج الدواء في ظل الظروف الإقليمية يحمل دلالة استراتيجية واضحة: لا يمكن الحديث عن أمن دوائي حقيقي إذا بقيت المواد الأولية وسلاسل التوريد خارج إدارة المخاطر الوطنية. المطلوب في المرحلة المقبلة ليس تخزيناً غير مدروس، بل خريطة مخاطر دوائية تحدد الأصناف الحرجة، ومصادر التوريد البديلة، ومدة التغطية الآمنة، وقدرة المصانع المحلية على الاستجابة، ونقاط التعطل المحتملة في النقل والتمويل والتسجيل.

وتأتي قمة المشتريات الدولية للأمم المتحدة في عمّان لتضيف فرصة عملية لهذا التوجه. فوجود شركات دوائية ومستلزمات طبية أردنية ضمن لقاءات الأعمال مع وكالات الأمم المتحدة يجب أن يترجم إلى ملفات تأهيل مكتملة، وشهادات جودة، وقدرة مثبتة على الالتزام بالمواصفات والكميات ومواعيد التسليم. فالعقد الأممي لا يمنح دخلاً فقط؛ بل يمنح المنتج الوطني شهادة ثقة تساعده على دخول أسواق أخرى.

إن الرهان الحقيقي ليس على زيادة المخزون وحده ولا على رفع رقم الصادرات وحده. الرهان هو في تحويل بيانات الاستهلاك إلى قرارات شراء، وتحويل المشتريات الحكومية إلى طلب منظم ومحفز للصناعة، وتحويل الرقابة الدوائية إلى جواز مرور للأسواق، وتحويل قدرات المصانع إلى عقود تصدير مستدامة. عندها فقط يصبح الأمن الدوائي الأردني قوة اقتصادية إقليمية تحمي المريض، وتدعم الصناعة، وتقلل الهدر، وتبني دخلاً وصموداً طويلا.