منتصر حمدان يكتب لوطن: حينما يصبح الامن الشخصي هاجساً لحظياً...

07/10/2026

لم يعد الأمن الشخصي مجرد فكرة او نظرية او شعار في بلادنا، بل أصبح هاجساً مرافقا لكل تفاصيل حياة المواطنين، مع مخاوف ازدياد مؤشرات تصاعد الجرائم وانتشار السلاح غير القانوني والتعقيدات الميدانية التي تواجهها الأجهزة الأمنية للقيام بواجباتها تجاه تحقيق الأمن والأمان للمواطنين.
فلا يكاد يمر يوما دون سماع مقتل مواطن او وقوع جريمة سرقة او طوشة تطورت لإطلاق النار، او تعرض مواطنين أبرياء لابتزاز او عنف بأشكال مختلفة، في إشارات واضحة الى جدية الطرح حول مسألة الامن الشخصي بالنسبة للمواطن الذي يشاهد بأم عيناه مؤشرات انهيار الأمن الجمعي بالنسبة للمواطنين نتيجة سلسلة عوامل مركبة ومعقدة لها أسبابها الخارجية والداخلية، ما يضع المواطن العادي امام معضلة حقيقية والسؤال الأكبر، من يحميني ويحمي اسرتي وعائلتي؟
مصادر القلق حول الأمن الشخصي بالنسبة للمواطن العادي نابعة من مؤشرات الجرائم بأشكالها المختلفة مثل جرائم القتل والسرقات وانتشار المخدرات والخلافات العائلية التي تفضي الى استخدام السلاح، والامر الاخر نابع من عدم ثقة المواطنين بإجراءات التقاضي واللجوء الى الجهات المختصة بما فيها القضاء لإحقاق الحقوق واعادته الى أصحابها.
ان الوقوف امام المحاكم والاستماع الى مواقف المراجعين وأصحاب القضايا المنظورة امام المحاكم ورأيهم بهذا الخصوص يجعلك قادراً على بناء مؤشرات واضحة حول تراجع الشعور بالأمن وازدياد التذمر من إجراءات التقاضي ما يساهم بشكل تدريجي في فقدان الثقة لأغلبية المواطنين بمنظومة العدالة بشكل عام، ما يدفع المواطن مضطرا للاستنجاد بالحلول العائلية والعشائرية بدلاً من التوجه الى الجهات المختصة المكلفة أصلاً بتوفير الامن والحماية للمواطنين.
من ضمن احدى الحالات التي تتابع قضيتها امام المحاكم، وقفت امرأة في منتصف الاربعينات برفقة زوجها امام المحكمة تنتظر مناداتها للمثول امام القاضي، وبدت عليها ملامح الغضب بعد مرور أكثر من عام على قضية تعرضها لاعتداء على منزلها واصابتها هي وابنها بجروح طفيفة وقيام أحد المعتدين بإطلاق النار دون إصابات، والأكثر غرابة تحدث حينما تسمعها تقول: "نوشفوا ريقنا ونحن ننتقل من جهة لأخرى كي نثبت حقنا رغم اننا ضحية لهذا الاعتداء"، مشيرا الى ان المعتدين استخدموا كافة الطرق والوسائل للهروب من مسؤوليتهم عن استخدام السلاح في هذا الاعتداء بما في ذلك محاولات التلاعب والتضليل والإستظلال على مدار اشهر بدأت منذ تقديم الشكوى والتحقيق او حتى ضبط السلاح.
فقدان الشعور بالأمن الشخصي وتباطؤ الإجراءات واطالة أمد التقاضي يعزز شعور المواطن بعدم الإنصاف ما يساهم في تراجع ثقة المواطن بمنظومة العدالة، ويؤدي تنامي عدم رضاه ويعزز ثقافة أخذ القانون باليد، ما يؤدي بصورة مباشرة او غيرة مباشرة  الى الشعور بان المنظومة الموجودة باتت غير قادرة على حمايته من العنف الداخلي، في الوقت ذاته تجد المواطنين حينما تقع اية حادثة او جريمة قتل يقولون بفم مليان ولغة ناقدة" "وين السلطة وأجهزتها؟"، في حين ان الأجهزة الأمنية وتحديدا جهاز الشرطة الفلسطينية يكون الملجأ الأول للمنتقدين حينما يكونوا ضحية لمثل هذه الجرائم.
احصائيات وبيانات جهاز الشرطة الفلسطينية لعام 2025، تشير الى تسجيل (45) جريمة قتل أودت بحياة (48) مواطنا، بينهم 41 ذكرا و7 إناث، مقارنة مع عام 2024 الذي شهد وقوع (50) جريمة قتل.
وتتصدر المشاجرات والخلافات العائلية الدافع والسبب الأبرز لجرائم القتل بنسبة (31.3%)، تلتها جرائم القتل بدافع ما يُعرف بـ"الشرف" بنسبة (8.3%)، ثم الخلافات المالية بنسبة (6.3%)، في حين تظهر الاحصائيات ذاتها أن السلاح الناري كان الوسيلة الأكثر استخداما في جرائم القتل، حيث استُخدم في (25) حالة بنسبة (52.1%)، تليه الأدوات الحادة والصلبة بـ(12) حالة بنسبة (25%)، بينما سُجِّلت وسائل أخرى بنسب محدودة مثل الدعس، والضرب بالأيدي، والحرق وغيرها.
ان مثل هذه الأرقام تؤشر الى الحالة السائدة فيما يخص مشاعر القلق على الأمن الشخصي بالنسبة للمواطنين، ويمكن الإشارة بوضوح بناء على الاحصائيات الرسمية لجهاز الشرطة الى انه رغم حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في الضفة الغربية فان التشديد في ضبط السلاح القانوني وملاحقة كافة اشكال الجرائم يمثل خياراً لا مفر منه امام المواطنين والجهات الأمنية المختصة خاصة مع نجاح جهاز الشرطة الفلسطينية في ضبط (457) قطعة سلاح ناري خلال العام الماضي، مؤكدا كذلك وجوب تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر العنف.
ان تحقيق الثقة بين المواطن صاحب الحق في الحماية وجهات إنفاذ القانون صاحبة المسؤولية الرئيسية في تحقيق ذلك، هي نتاج المهنية في الأداء والمصداقية في التعامل، انسجاماً مع ان الأمن الشخصي هو حق طبيعي للمواطن واجب التنفيذ بمسؤولية وقيم تنسجم مع الصلاحيات والمسؤوليات بما يضمن سيادة القانون من جانب والحفاظ على حقوق المواطنين من الجانب الاخر باعتبار كل ذلك انه مسؤوليتنا الوطنية والجماعية.