
كتب د. تمارا حداد: بعد ثلاثة أعوام على السابع من أكتوبر 2023، يبدو أن السؤال الأهم لم يعد: من انتصر ومن انهزم؟ بل ماذا غيرت هذه الحرب في بنية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وفي موازين الإقليم، وفي مستقبل التسوية، فالحرب التي بدأت بهجوم غير مسبوق على إسرائيل، ثم تحولت إلى حرب واسعة ومدمرة في قطاع غزة، لم تنتهِ إلى نصر حاسم لأي طرف، لكنها أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وأسقطت فرضية إمكانية تجاوزها عبر التطبيع أو إدارة الصراع أمنياً.
لقد دفعت غزة ثمناً إنسانياً ومادياً هائلاً، فيما تعرضت إسرائيل لخسائر بشرية وأمنية وسياسية عميقة. إضافة الى أكثر من 71 ألف فلسطيني قتلوا خلال أكثر من عامين من الحرب، فيما تعرض معظم قطاع غزة للدمار والنزوح الواسع. ومع ذلك، فإن حجم الخسائر لا يعني بالضرورة تحقق أهداف سياسية نهائية. فإسرائيل لم تستطع تحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية مستقرة، بينما لم تتمكن الفصائل الفلسطينية من تحويل الصمود والمقاومة إلى إنجاز سياسي يحقق الدولة والاستقلال. وهكذا أصبح السابع من أكتوبر نقطة تحول تاريخية أكثر منه محطة انتصار عسكري نهائي.
ومع اتساع الحرب إلى لبنان وإيران واليمن وساحات إقليمية أخرى، تغيرت معادلة الكلفة. لم يعد الصراع محصوراً في غزة، بل أصبح مرتبطاً بأمن الإقليم والطاقة والممرات البحرية والاقتصاد والتحالفات الدولية. كما أن استمرار التوتر حتى بعد وقف العمليات العسكرية الكبرى يؤكد أن الحرب لم تُغلق سياسياً بالكامل. والمعطيات تشير إلى استمرار العنف في غزة ولبنان رغم اتفاقات وقف إطلاق النار، بما يعني أن الانتقال من الحرب إلى الاستقرار ما زال هشاً. لذلك يصعب على أي طرف الادعاء بأنه حقق نصراً نهائياً، لأن النصر العسكري الذي لا ينتج استقراراً سياسياً يبقى ناقصاً، كما أن الصمود الذي لا يتحول إلى مشروع سياسي يبقى عاجزاً عن تغيير الواقع بصورة مستدامة.
وفي موازاة المعركة العسكرية، برزت معركة أخرى لا تقل أهمية، هي معركة الرواية. فقد أصبحت صور الدمار والضحايا والتهجير، إلى جانب النقاش حول مسؤولية الأطراف والقانون الدولي وحق الفلسطينيين في تقرير المصير، جزءاً من الصراع على الشرعية الدولية. ولم تعد إسرائيل قادرة على إدارة صورتها الدولية اعتماداً على التفوق العسكري وحده، كما لم تعد القضية الفلسطينية محصورة في إطار المفاوضات التقليدية. لقد أصبحت الرواية التاريخية والسياسية للصراع ساحة صراع قائمة بذاتها، وسيكون لها تأثير مباشر في شكل التسوية المقبلة، وفي طبيعة الضغوط الدولية على إسرائيل، وفي قدرة الفلسطينيين على تحويل التعاطف الدولي إلى مسار سياسي يعترف بحقوقهم الوطنية.
أما الدول العربية، فإن تداعيات الحرب تفرض عليها الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى بناء رؤية مشتركة. فاستمرار الحرب، وتداعياتها على الأمن الإقليمي، واحتمالات تهجير الفلسطينيين، وتوسع الاستيطان، كلها تؤكد أن ترك القضية الفلسطينية رهينة للمبادرات الدولية وحدها لم يعد كافياً. المطلوب رؤية عربية تربط إعادة إعمار غزة بالحل السياسي، وتدعم وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وتمنع الفصل الدائم بين الضفة وغزة، وتدفع باتجاه دولة فلسطينية قابلة للحياة، مع توظيف العلاقات العربية والدولية للضغط من أجل ذلك.
وعلى المستوى الإسرائيلي، يمكن القول إن السابع من أكتوبر أحدث تحولاً عميقاً في العقيدة الأمنية. فقد انهارت فرضية الردع والاحتواء التي سمحت لسنوات بإدارة غزة عبر جولات عسكرية محدودة. وتشير دراسات عسكرية إسرائيلية إلى انتقال واضح من الاحتواء إلى المبادرة الهجومية والحرب الممتدة متعددة الجبهات. وأصبحت إسرائيل أكثر اعتماداً على الضربات الاستباقية، والسيطرة على مناطق عازلة، والعمل في ساحات متعددة، بدلاً من الاكتفاء بمنظومة الإنذار المبكر والردع. وهذا التحول قد يزيد القدرة العسكرية على منع بعض التهديدات، لكنه في الوقت نفسه يرفع كلفة الأمن ويزيد احتمالات الاستنزاف.
وهنا تبرز الأزمة الأعمق هل تستطيع إسرائيل الحفاظ على قوتها إذا تحولت الحرب الطويلة إلى نمط دائم؟ فالتداعيات لا تقتصر على الأمن، بل تمتد إلى الاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي، والثقة بالمؤسسات، والخلافات السياسية الداخلية. وقد أصبح ملف الإخفاق في السابع من أكتوبر، ومسؤولية القيادة السياسية والعسكرية، جزءاً من النقاش العام، فيما دخل متضررون من هجوم السابع من أكتوبر أنفسهم إلى المجال السياسي مطالبين بالتغيير والمساءلة.
وبالتالي، فإن أخطر نتائج السابع من أكتوبر ربما تتمثل في أنه أنهى مرحلة الاعتقاد بإمكانية إبقاء القضية الفلسطينية خارج أولويات النظام الإقليمي. لقد تغيرت قواعد الصراع، لكن لم تُحسم نهايته. والمستقبل لن تحدده القوة العسكرية وحدها، بل قدرة الأطراف على إنتاج مشروع سياسي يتجاوز منطق الحرب. فإذا استمرت إسرائيل في إدارة القضية أمنياً، واستمر الانقسام الفلسطيني، واكتفت الدول العربية بإدارة الأزمات، فإن المنطقة ستبقى أمام دورات جديدة من العنف. أما إذا تحولت دروس السنوات الثلاث إلى ضغط سياسي حقيقي نحو إنهاء الاحتلال، وتوحيد الساحة الفلسطينية، وإطلاق مسار جاد نحو الدولة الفلسطينية، فقد يصبح السابع من أكتوبر، رغم مأساته وكلفته الهائلة، بداية لتحول تاريخي في مسار القضية، لا مجرد فصل جديد من فصول الحرب.