الزيتونة الفلسطينية في مواجهة الاستيطان... صراع على الجذور قبل الثمار

06/10/2026

كتب اسماعيل جمعه الريماوي:  في فلسطين، لا يبدأ موسم الزيتون من الشجرة وحدها، بل من الذاكرة ، فمنذ أن عرف الفلسطيني هذه الأرض، ارتبط الزيتون بدورة حياته اليومية؛ بالأرض التي يزرعها، وبالبيت الذي يعصر فيه الزيت، وبالعائلة التي تجتمع في الحقول، وبمؤونة الشتاء التي تختزنها الجرار، ولذلك لم تكن شجرة الزيتون بالنسبة إلى الفلاح محصولاً زراعياً فحسب، بل كانت علامة على الاستقرار والتجذر، وشاهداً صامتاً على علاقة الإنسان بالمكان.

لكن هذه العلاقة أصبحت، في ظل الاحتلال والاستيطان، جزءاً من صراع أوسع على الأرض. فمع كل موسم قطاف، يتجدد القلق في القرى والبلدات الفلسطينية التي تحيط بها المستوطنات والبؤر الاستيطانية والطرق التي تقطع امتداد الحقول. وما كان موسماً ينتظره الناس بفرح، تحول في مناطق كثيرة إلى موسم خوف وحسابات دقيقة: هل يستطيع أصحاب الأرض الوصول إلى أشجارهم؟ هل سيجدونها كما تركوها؟ وهل سيتمكنون من جمع محصول العام، أم تسبقهم إليه اعتداءات المستوطنين؟

الزيتون تحديداً يكتسب حساسية خاصة لأنه محصول لا يُنتزع في موسم واحد ثم ينتهي، الشجرة تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تكبر وتصبح منتجة، وتبقى مرتبطة بالأرض جيلاً بعد جيل ، ولذلك فإن الاعتداء على شجرة زيتون لا يعني خسارة موسم فقط؛ فقد يعني إلحاق الضرر بمصدر رزق يمتد أثره إلى سنوات، وقطع حلقة من علاقة عائلية متوارثة بين الإنسان وأرضه.

وفي المناطق القريبة من المستوطنات، تتداخل الاعتداءات على الأشجار مع محاولات التضييق على المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، وعندما يصبح الوصول إلى الحقل نفسه محفوفاً بالمخاطر، تتحول الأرض تدريجياً من مساحة منتجة إلى مساحة يصعب على أصحابها استغلالها، وهنا تظهر خطورة المسألة: فالمشكلة لا تتعلق بمحصول الزيتون وحده، وإنما بقدرة الفلسطيني على البقاء في أرضه والاستمرار في زراعتها.

والأشد قسوة أن الصراع لا يجري على الجغرافيا وحدها، بل يمتد إلى الثقافة أيضاً، فموسم الزيتون يحمل طقوساً اجتماعية متوارثة: العائلة التي تخرج إلى الحقل، الأيدي التي تتناوب على جمع الثمار، الأحاديث التي تتردد بين الأشجار، والعودة في نهاية النهار محملة بالمحصول، إنها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تشكل جزءاً من الذاكرة الشعبية الفلسطينية.

ولهذا فإن استهداف الزيتون يلامس أكثر من الجانب الاقتصادي، إنه يمس صورة الفلسطيني عن نفسه وعن أرضه، ويصيب واحدة من أكثر الرموز حضوراً في حياته اليومية ، وعندما تُقتلع الأشجار أو تُحرق أو تُتلف المحاصيل أو يُمنع أصحابها من الوصول إليها، فإن الخسارة تتجاوز قيمة الخشب أو الثمر أو الزيت؛ إنها تضرب رابطاً تراكم عبر أجيال.

ولا يتوقف الأمر عند الأشجار، فحين تُترك الأراضي الزراعية عرضة للرعي أو التخريب أو الاعتداء، يصبح الفلاح أمام خسارة مزدوجة: خسارة محصوله، وخسارة الشعور بالأمان في أرض اعتاد أن يذهب إليها جيلاً بعد جيل، ومع تكرار هذه الوقائع، يصبح الموسم الزراعي نفسه اختباراً لقدرة العائلة على الحفاظ على مصدر رزقها وعلى صلتها بالأرض.

وفي المقابل، يبقى الفلسطيني متمسكاً بالزيتونة لأنها تمثل بالنسبة إليه أكثر من مورد اقتصادي ، إنها شجرة بطيئة النمو، لكنها شديدة القدرة على البقاء؛ تحتاج إلى الصبر، وتتحمل الجفاف، وتستمر في العطاء

بعد سنوات طويلة ، وربما لهذا أصبحت صورتها حاضرة بقوة في الوجدان الفلسطيني: شجرة تتحدى الزمن، مثل الأرض التي يصر أصحابها على العودة إليها وزراعتها والعناية بها.

المعركة على الزيتون، إذن، ليست معركة على موسم واحد، إنها جزء من معركة أطول حول من يملك الأرض ومن يستطيع الوصول إليها ومن يزرعها ومن يرث ثمرها، فالأرض التي لا تُزرع معرضة لأن تتحول إلى أرض بعيدة عن أصحابها، والشجرة التي تُهمل سنوات طويلة تفقد مكانتها الاقتصادية، والجيل الذي يُمنع من الوصول إلى حقله قد يفقد تدريجياً علاقته اليومية بالمكان.

لهذا يبدو موسم الزيتون الفلسطيني هذا العام، كما في مواسم سابقة، أكثر من موعد زراعي في التقويم ، إنه موعد تتقاطع فيه لقمة العيش مع الذاكرة، والاقتصاد مع الثقافة، والشجرة مع الأرض، وبينما يمد الفلاح يده إلى الثمرة، فهو لا يجمع زيتوناً فقط؛ بل يحاول أن يحافظ على ما تركه له الآباء، وأن يورث أبناءه أرضاً لا تتحول إلى مجرد اسم في ذاكرة العائلة.

فالزيتونة الفلسطينية لا تقول فقط إن هنا شجرة؛ إنها تقول إن هنا أرضاً، وإن وراء هذه الأرض عائلة وذاكرة وحياة ، ولهذا تبقى المعركة على الزيتون، في جوهرها، معركة على حق الفلسطيني في أن يظل حاضراً في أرضه، يزرعها ويحصدها ويعيش من خيراتها، وأن تبقى الحقول جزءاً من الحياة لا مجرد مساحات محاصرة خلف الجدران والطرق والمستوطنات.