فتح معبر رفح.. نحو استعادة تواصل غزة مع العالم

05/10/2026

كتبت صفاء أبو شمسية: تتزايد الآمال في قطاع غزة مع الحديث عن اتصالات دولية مع مصر بشأن توسيع أو استئناف حركة العبور عبر معبر رفح خلال الفترة المقبلة. وبالنسبة إلى آلاف الفلسطينيين، لا يتعلق الأمر بمجرد إجراء حدودي، بل بملفات إنسانية معلقة منذ وقت طويل، في مقدمتها سفر المرضى والجرحى، ولمّ شمل العائلات، وعودة الفلسطينيين الموجودين في الخارج.

معبر رفح ليس منفذًا حدوديًا عاديًا بالنسبة إلى سكان القطاع. فهو البوابة البرية المباشرة التي تربط غزة بمصر، ومن خلالها يتمكن عدد من السكان من الوصول إلى الخارج، في ظل محدودية خيارات السفر والتنقل. ولذلك فإن انتظام حركة العبور يمكن أن يترك أثرًا مباشرًا في حياة فئات واسعة من الفلسطينيين.

وتبقى قضية المرضى والجرحى في مقدمة الأسباب التي تجعل تشغيل المعبر بصورة منتظمة مسألة إنسانية ملحّة. فالمنظومة الصحية في غزة تحملت خلال سنوات الحرب أعباء هائلة، بينما يحتاج عدد كبير من المصابين والمرضى إلى علاجات تخصصية لا تتوفر داخل القطاع. وقد واصلت منظمة الصحة العالمية التأكيد على أهمية الإجلاء الطبي من غزة، كما نشرت خلال عام 2026 بيانات ومتابعات بشأن نقل المرضى عبر رفح إلى مصر.

في مثل هذه الظروف، يفترض أن تكون للحالات الطبية أولوية واضحة في أي ترتيبات جديدة للمعبر. فالمريض الذي ينتظر جراحة أو علاجًا متخصصًا لا يستطيع الانتظار طويلًا حتى تنتهي التفاهمات السياسية والأمنية. وفي بعض الحالات، قد يؤدي تأخر العلاج إلى تدهور يصعب تداركه.

وفي الوقت نفسه، من الصعب الحديث عن معبر رفح من دون التوقف عند الدور المصري خلال الأزمة. فقد كانت الأراضي المصرية نقطة رئيسية لتجميع المساعدات وإيصالها إلى القطاع، وواصل الهلال الأحمر المصري تسيير قوافل «زاد العزة» التي حملت الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية والوقود ومواد الإغاثة. وفي السادس من سبتمبر الماضي، وصلت هذه القوافل إلى الدفعة رقم 272، فيما كانت القافلة رقم 235 قد نقلت في يوليو أكثر من 2797 طنًا من المساعدات الإنسانية.

هذا الدور الإنساني تزامن مع حضور سياسي مصري مستمر في ملف غزة، سواء من خلال الوساطة ومحاولات تثبيت وقف إطلاق النار، أو عبر المواقف المتعلقة بالقضية الفلسطينية ورفض التهجير. وموقع مصر وعلاقاتها مع مختلف الأطراف يجعل دورها حاضرًا في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل القطاع ومعبر رفح على وجه الخصوص.

لذلك، فإن الدعوة إلى تسريع الإجراءات التي تسمح بتشغيل المعبر بصورة أكثر انتظامًا لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها انتقادًا للدور المصري. على العكس، يمكن النظر إليها باعتبارها امتدادًا للجهد الإنساني والسياسي الذي بذلته القاهرة خلال الأزمة. فبعد المساعدات واستقبال الجرحى والمرضى والمشاركة في جهود الوساطة، يمكن لتسهيل حركة الأفراد أن يكون خطوة أخرى ذات أثر مباشر في حياة الفلسطينيين.

لكن المعبر لا يعمل في فراغ. هناك اعتبارات أمنية وسياسية معقدة تحيط بحركته، وقد أظهرت التجارب السابقة أن تشغيله يحتاج إلى تفاهمات بين أكثر من طرف، وإلى ترتيبات رقابية وأمنية دقيقة. ففي مارس 2026، على سبيل المثال، استؤنفت عمليات بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية في رفح عقب اتفاق بين السلطات الفلسطينية والمصرية والإسرائيلية، وجرى تشغيل المعبر في الاتجاهين ضمن آلية منظمة.

هذه الاعتبارات لا يمكن تجاهلها، لكن لا ينبغي في الوقت نفسه أن تصبح سببًا لإبقاء الاحتياجات الإنسانية معلقة إلى أجل غير معلوم. المطلوب ليس تجاوز الترتيبات الأمنية، وإنما إيجاد صيغة تسمح بحماية هذه الترتيبات، مع توفير طريق واضح للمرضى والجرحى والعائلات الراغبة في لمّ شملها. ويمكن للرقابة الدولية والتنسيق المصري الفلسطيني والآليات المتفق عليها مع الأطراف المعنية أن تساعد في تحقيق هذا التوازن.

والحاجة إلى المعبر لا تقتصر على المرضى. هناك عائلات فرقتها الحرب، وطلاب ينتظرون استكمال دراستهم، وفلسطينيون يعيشون في الخارج يريدون العودة إلى ذويهم، إلى جانب أشخاص تعطلت أعمالهم وحياتهم اليومية بسبب صعوبة التنقل.

وتظهر المشكلة أيضًا في الاتجاه الآخر. فقد أفادت رويترز في الرابع من أكتوبر بأن أكثر من مئة ألف من أبناء غزة الذين غادروا القطاع خلال سنوات الحرب ما زالوا في الخارج، وفق أرقام فلسطينية، في حين تمكن نحو سبعة آلاف فقط من العودة. وهذه الأرقام تعكس جانبًا آخر من أزمة المعبر: القضية لا تتعلق فقط بمن يريد مغادرة غزة، وإنما أيضًا بمن يريد العودة إليها.

من هنا، فإن انتظام الحركة عبر رفح سيكون له أثر يتجاوز عدد المسافرين الذين يمكن أن يعبروا يوميًا. قطاع غزة عاش سنوات من الحرب والقيود، واستعادة بعض مظاهر الحياة الطبيعية ستحتاج إلى وقت طويل. وحرية الحركة واحدة من أبسط هذه المظاهر، لكنها في الوقت نفسه من أكثرها أهمية بالنسبة إلى من تعطلت حياتهم بسبب إغلاق الحدود.

ان فتح معبر رفح لن يحل أزمة غزة، ولن يعوض ما فقده سكان القطاع، كما أنه لن يغني عن إعادة الإعمار أو معالجة الملفات السياسية والأمنية الكبرى. لكنه إجراء عملي يمكن أن يخفف جزءًا من المعاناة، ويمكن أن تظهر نتائجه الإنسانية بسرعة، خصوصًا بالنسبة إلى المرضى والعائلات التي تنتظر منذ فترة طويلة.

المطلوب الآن هو تحويل الاتصالات والتفاهمات الجارية إلى ترتيبات مستقرة تسمح بحركة آمنة ومنظمة، مع إعطاء الأولوية للحالات الإنسانية ولمّ شمل الأسر. ومصر، بما تملكه من موقع ودور سياسي وعلاقات مع مختلف الأطراف، قادرة على مواصلة الدفع في هذا الاتجاه بالتعاون مع الأطراف الدولية والفلسطينية المعنية.

فقد يبدو فتح معبر حدودي خطوة محدودة أمام حجم ما تعرض له قطاع غزة. لكنه بالنسبة إلى مريض ينتظر العلاج، أو أسرة تنتظر لقاء أحد أفرادها، أو طالب يريد العودة إلى جامعته، يمكن أن يكون أكثر من مجرد عبور للحدود. إنه استعادة لجزء من القدرة على مواصلة الحياة والتخطيط للمستقبل