نهاد أبو غوش يكتب لوطن: الانتخابات معركة حياة أو موت لنتنياهو

05/10/2026

على أبواب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أوكتوبر/ تشرين الأول الحالي، لدى بنيامين نتنياهو دعاية انتخابية لا يمل من تكرارها، ولا يفوّت أي فرصة إلا ويعدد إنجازاته في الحروب التي لم تتوقف خلال السنوات الثلاث الماضية: قتلنا السنوار وهنية، دمرنا غزة، وقتلنا نصر الله وخامنئي، سيطرنا على أراضي واسعة في جنوب لبنان ومعظم قطاع غزة، وأقمنا مناطق أمنية وخطوط صُفُر في سوريا ولبنان وغزة. إسرائيل أقوى من اي وقت مضى وطائراتها تتحرك بحرية في اجواء الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من كل هذه الإنجازات، لم ينجح نتنياهو في تحقيق هدف مركزي واحد: لم يمحُ عار الفشل الأكبر في تاريخ إسرائيل وهو فشل السابع من أوكتوبر، حيث ما زالت النسبة الكبرى من الجمهور الإسرائيلي تُحمّله مسؤولية الإخفاق الأكبر نتيجة الأولويات التي وضعتها حكومته، وتجاهله التحذيرات التي وردته من أطراف عدة محلية وإقليمية. علاوة على تسبب سياساته في عزلة غير مسبوقة لإسرائيل في الساحة الدولية، وإحداثه شرخا عميقا في المجتمع الإسرائيلي بسبب محاباته للمتدينين المتزمتين وغلاة المستوطنين . ويشتد نقد معارضي نتنياهو له لأنه أقصى وأقال كل المسؤولين عن قيادة الجيش والأجهزة الأمنية، فغيّر وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة اجهزة الاستخبارات والشاباك والموساد، وظل هو متشبثا بموقعه رافضا أي محاسبة أو لجنة تحقيق، لإدراكه أن فقدانه للسلطة يمكن أن يقوده إلى السجن بتهم الفساد.

وهكذا تبدو معركة الانتخابات المقبلة بمثابة معركة حياة أو موت بالنسبة لنتنياهو الذي يحظى دائما بتأييد نسبة لا بأس بها من المجتمع اليهودي الإسرائيلي، نسبة تراوح حول 40% فترتفع أو تنخفض بحسب الأحداث، لكنها تشير إلى انقسام عميق وحاد في المجتمع الإسرائيلي، وهذا الجمهور المتعلق بنتنياهو يدعمه ويؤيده على الرغم من كل ما اقترن به من تهم فساد، ونمط حكم فردي مطلق يميل لتهميش المؤسسات، والاعتماد على الأعوان والأنصار المتعصبين من جمهور المستوطنين وأنصار الصهيونية الدينية، والمتدينين الأرثوذكس (الحريديم)، وبشكل عام جمهور الطبقات الدنيا من اليهود الشرقيين وسكان الأحياء الفقيرة وما يسمى "مدن التطوير". كل هذه الأطراف مقابل جبهة عريضة هي الأخرى تضم أحزاب (يشار) برئاسة غادي أيزنكوت، وكتلة (بياحد) برئاسة الثنائي نفتالي بينيت ويائير لابيد، وحزب (يسرائيل بيتينو) برئاسة افيغدور ليبرمان، وحزب الديمقراطيين اليساري الصهيوني برئاسة يائير غولان، وهذا من دون أن نحسب القائمتين العربيتين اللتين لا يريد أي من المعسكرين الصهيونيين الاعتماد عليهما. ولسان حال هذه القوى يقول أن أي خيار بالنسبة لها مقبول ما عدا نتنياهو الذي دمّر النظام السياسي الإسرائيلي وأفسد الحياة السياسية.

ومن أكبر الخطايا التي تنسب لنتنياهو تسببه بشرخ عميق مع يهود الولايات المتحدة، تراجع شعبية إسرائيل ومكانتها لدى الجمهور الأميركي العريض وخاصة لدى قواعد الحزب الديمقراطي ولدى الجيل الشاب.

تشير التقديرات بأن نتنياهو لن يسلم بهزيمته وقد يلجأ إلى أي ذريعة أو حيلة لكي يلغي الانتخابات أو يؤجلها إذا أدرك أن هزيمته محتومة. وقد وصف رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك حالة نتنياهو بأنه يتصرف مثل "وحش جريح" وقد يلجا إلى اي عمل لإلغاء الانتخابات بما في ذلك التصعيد المفتعل على واحدة من الجبهات المفتوحة وهي إيران ولبنان وغزة والضفة وسوريا، فيعلن الحرب ويؤجل الانتخابات فيبعثر كل الأوراق ويخلط معها الاصطفافات السياسية القائمة.

كان أحد خيارات نتنياهو شطب القوائم العربية وقد مرّ اقتراح بذلك أمام لجنة الانتخابات البرلمانية لكن المحكمة العليا نقضت القرار، لكن هذه الورقة لم تسحب نهائيا من ايدي نتنياهو، الذي يمكن ان يستخدم أدوات بديلة للحد من تاثير العرب بما في ذلك استخدام شرطة بن جفير وميليشيات المستوطنين والفاشيين في ترويع العرب وإرهابهم ومنعهم من التصويت، والتسبب بمشكلات جدية في محطات الاقتراع.

ومن الخيارات التي يمكن أن يلجا لها نتنياهو، خيار الطعن في نتائج الانتخابات إذا لم تكن في صالحه مثلما فعل الرئيس ترامب حين هزم من قبل جو بايدن، فاقتحم انصاره الكونغرس وسيطروا عليه لساعات طويلة قبل أن يحسم نائب الرئيس آنذاك مايك بينيس الجدل، لكن نتنياهو لن يكتفي بالاحتكام للأدوات القانونية، ويمكن له أن يقدم على افتعال مشاكل مع لجان الانتخابات ومع خصومه، ومهما فعل سوف يحظى بتأييد الجمهور اليميني المتعطش لفرض سيطرته على مؤسسات الدولة.

استطلاعات الرأي العام تشير منذ أكثر سنوات إلى أرجحية واضحة لمعسكر خصوم نتنياهو على معسكر مؤيديه، مع أن الاستطلاعات تتباين تباينا حادا، فاستطلاعات القناة الرابعة عشرة، وقناة آي 24، تعطي معسكر نتنياهو تفوقا حاسما على خصومه، لكن الاستطلاعات الأخرى وأبرزها استطلاع صحيفة (معريف) الأسبوعي، واستطلاع القناتين 12 و 13، تعطي أفضلية واضحة لخصوم نتنياهو، ولكن من المهم الإشارة لملاحظتين مهمتين حول الاستطلاعات وهما:

1.    الاستطلاعات تعطي قوى اليمين واليمين المتطرف نسبة أدنى مما تحصل عليه بالفعل لأسباب عدة من بينها أن بعض فئات المستطلعة آراؤهم يخجلون من التعبير عن تأييدهم لقوى يمينية متطرفة، بينما يمارسون ذلك عمليا خلال الاقتراع السري، وكذلك أن نسبة التوجه للانتخاب هي أعلى بكثير لدى القوى الدينية والمتطرفة، منها لدى القوى العلمانية والليبرالية فمن ينتسبون لهذه الفئات الأخيرة يمكن لهم أن يؤيدوا فريقا، ما لكنهم قد يفضلون شانا آخر من شؤون حياتهم ويحجمون عن الذهاب للاقتراع، بينما ترى القوى الدينية والفاشية أن الانتخابات هي حرب مقدسة ينبغي خوضها حتى آخر صوت.

2.    مؤخرا، بدأت تظهر مؤشرات تشير إلى حالة اقرب للتعادل بين المعسكرين، وهي حالة تمنع اي منهما من الوصول إلى عتبة الـ61 مقعدا، وبخاصة مع وجود نحو 12 مقعدا للقوائم العربية، وما عزز حالة التعادل هذه هو أن حزبين يمينين متطرفين كانا يتذبذبان حول نسبة الحسم، لكن الاستطلاعات الأخيرة تظهر اجتيازهما لنسبة الحسم (3.25%) وهما الصهونية الدينية برئاسة بتسلئيل سموتريتش المتحد مع حزب "زيهوت"،  والحزب الجديد "شعبك إسرائيل" برئاسة الجنرال عوفر فينتر الذي يركز برنامجه الانتخابي على تهجير الفلسطينيين من غزة كأولوية اولى، اجتياز هذين الحزبين لنسبة الحسم يعني إمكانية تعادل المعسكرين واحتمال تسجيل تقدم طفيف لصالح نتنياهو.

يتبقى احتمالان جدّيان هما أن لا تكون الانتخابات المقبلة حاسمة، وألا يتمكن اي حزب أو ائتلاف من تشكيل حكومة من دون الاعتماد على قائمة عربية، في هذه الحالة ستدخل إسرائيل في أزمة سياسية كتلك التي عرفتها بين العامين 2019 و 2021 حين جرت خمس جولات انتخابية خلال أقل من سنتين، ويبقى نتنياهو في موقعه كرئيس لحكومة تصريف أعمال.

قد تحصل مستجدات تغير الخريطة السياسية، بين جولة انتخابية وأخرى، فتنحل قوى، وتظهر قوى جديدة، وهذه احتمالات في صالح نتنياهو لأن خصمه الرئيسي أي حزب (يشار) ليس حزبا مؤسسيا بهياكل وبنى راسخة، بل هو تشكيل انتخابي طارئ قد ينحل بالسرعة التي تشكل بها، وبخاصة أنه لا يملك اية بدائل جوهرية عن سياسات نتنياهو لا على صعيد الموقف من الاحتلال والفلسطينيين وعلى على الصعيد الداخلي باستثناء شعاراته التي يرفعها حول موضوع التجنيد.

أما الخيار الآخر فهو تشكيل حكومة وحدة وطنية بين الحزبين الرئيسيين الليكود و(يشار)، وبعض القوى الآخرى، تحالف يستبعد القوائم العربية وقد يستثني شخصيات مثل بن جفير وسموتريتش، وهذا الخيار يذكر بألاعيب نتنياهو حين شكل حكومة تناوب مع بيني غانتس الذي كان يراس حزب أزرق ابيض، فشغل نتنياهو رئاسة الحكومة لأكثر من عام ورفض إجراء التناوب، فانحلت الحكومة على اثر ذلك في حزيران 2021.