أموال الفساد المنهوبة الى الخارج.. ماذا استردت فلسطين وأين تعثرت؟

05/10/2026

 

- النيابة العامة تكشف لوطن: 6.66 مليون دولار أموال مستردة في قضايا جرائم فساد من الخارج خلال العام 2026.

- هيئة مكافحة الفساد لوطن: "فقدنا القدرة على التحقق.. والاسترداد الحلقة الأكثر تعقيدا في منظومة مكافحة الفساد"

- وزارة العدل لوطن: تأخرنا في توقيع الاتفاقيات الثنائية.. ونعمل حاليا على اتفاقيات تعاون قضائي مع الأردن ومصر ولبنان لتسهيل الاسترداد.

- الخبير والمستشار القانوني ناصر الريس لوطن: اختفاء بيانات استرداد الأموال في قضايا الفساد في تقارير الهيئة يثير التساؤلات!

- على الورق.. استراتيجيات مكافحة الفساد منذ العام 2012: توصيات متكررة باتفاقيات تعاون قضائي ثنائي لم تُنفذ!

 

وطن للأنباء – نزار حبش: 6,137,225 شيقلا، و4,499,030 دولارا أمريكيا، و2,923,717 دينارا أردنيا، و6,974 يورو، وهو ما يعادل 32.485 مليون شيقل.

ما سبق ليست أرقاما في كشف حساب مصرفي، بل مبالغ قضت محكمة جرائم الفساد بردها إلى الخزينة العامة في قضية فساد واحدة، إلى جانب مصادرة عقارات وأراضٍ وفلل وأرصدة مالية داخل فلسطين، والأردن والإمارات العربية المتحدة، بملايين الشواكل، بعد إدانة رئيس الهيئة العامة للمعابر والحدود السابق نظمي مهنا بجرائم فساد شملت الكسب غير المشروع وغسل الأموال واستغلال الوظيفة العامة بتاريخ 3/2/2026.

لكن، بعيدا عن الحكم، يبرز سؤال أكثر إثارة وأهمية بالنسبة للمال العام الفلسطيني، وهو هل يكفي أن تقضي المحكمة بالمصادرة حتى تعود الأموال إلى الخزينة؟ وماذا يحدث عندما تكون تلك الأموال والعقارات خارج حدود دولة فلسطين؟ خصوصا وأن استرداد الأموال الموجودة في الخارج لا يخضع لإرادة القضاء الفلسطيني وحده، بل يرتبط بشبكة من الاتفاقيات الدولية، والمساعدات القضائية، وإجراءات التعقب والتنفيذ، وتعاون الدول التي توجد فيها تلك الأموال في حال كانت تشريعاتها الوطنية تسمح بذلك وتوفر الإرادة السياسية.

من هنا انطلق هذا التقرير الاستقصائي.. ليس من قضية نظمي مهنا وحدها، بل من أسئلة أوسع: هل نجحت فلسطين يوما في استرداد الأموال المتحصلة من جرائم الفساد والموجودة خارج حدودها؟ وكم عاد فعلا إلى الخزينة العامة من الأموال التي صدرت بشأنها أحكام قضائية؟

وللإجابة عن ذلك، تتبعنا ملف استرداد الأموال المتحصلة من الفساد عبر مقابلات مع مسؤولين في هيئة مكافحة الفساد ووزارة العدل والنيابة العامة، إلى جانب خبراء قانونيين ووثائق رسمية ومصادر مطلعة في المنظومة القضائية رفضت الكشف عن نفسها، لتكشف النتائج عن فجوات كبيرة في واحدة من أكثر قضايا مكافحة الفساد حساسية.


من هي الجهة الفلسطينية المختصة عن استرداد ومتابعة الأموال المنهوبة؟

أول ما خطر ببالنا هو تحديد الجهة المسؤولة عن استرداد الأموال المتحصلة من جرائم الفساد، حيث راجعنا القانون الفلسطيني المتعلق بذلك، كما راجعنا اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، التي جاء فيها أن استرداد هذه الأموال يُعد مسؤولية تقع على عاتق الدولة الطرف ككل، ولا تُسند إلى مؤسسة واحدة، بل تقوم على منظومة متكاملة من الجهات المختصة والتعاون فيما بينها، بما في ذلك التعاون القضائي والدولي. وفي الحالة الفلسطينية، تتوزع هذه المسؤولية بين عدة مؤسسات، في مقدمتها محكمة جرائم الفساد ونيابة جرائم الفساد ووحدة المتابعة المالية وهيئة مكافحة الفساد ووزارة العدل، ووزارة الخارجية، كلٌّ ضمن اختصاصه.

وبحسب قانون مكافحة الفساد رقم (1) لسنة 2005 وتعديلاته، تتولى هيئة مكافحة الفساد إجراءات التحري وجمع المعلومات والأدلة اللازمة بشأن جرائم الفساد، كما تختص، وفق المادة (9/2)، بملاحقة كل من يخالف أحكام القانون، وطلب حجز أمواله المنقولة وغير المنقولة احتياطياً، وطلب منعه من السفر، والطلب من الجهات المعنية وقفه عن العمل، وفقاً للتشريعات السارية. وفي المقابل، تختص نيابة جرائم الفساد بطلب حجز الأموال المشتبه بارتباطها بالجريمة أمام المحكمة المختصة وفق المادة (24)، بينما يكون رد الأموال المتحصلة من الجريمة بموجب حكم قضائي، استناداً إلى المادتين (25) و(26)، وبناءً على طلب الهيئة. وبعد صدور الحكم، تتولى النيابة العامة تنفيذ الأحكام الجزائية وفق قانون الإجراءات الجزائية. وبذلك، فإن استرداد أموال الفساد في فلسطين ليس إجراءً تقوم به جهة واحدة، وإنما مسار قانوني متكامل يبدأ بالتحري والتعقب المالي والملاحقة، ويمر بالحجز والإجراءات القضائية، وينتهي بالرد والتنفيذ، بمشاركة عدة مؤسسات وطنية، وبحاجة إلى التعاون الدولي عندما تكون الأموال أو عائداتها خارج الولاية القضائية الفلسطينية.

 

ما حجم الأموال المتحصلة من جرائم الفساد في فلسطين؟
لم يكن الوصول إلى رقم واضح لحجم الأموال المتحصلة من جرائم الفساد في فلسطين مهمة سهلة، خلال مراجعتنا للدراسات والتقارير الرسمية، ظهرت فروقات في البيانات المنشورة، حتى بين الوثائق الصادرة عن الجهة نفسها، وغياب واضح في المعلومة حول ما إذا كان الاسترداد من داخل دولة فلسطين أو خارجها.

تقرير هيئة مكافحة الفساد لعام 2019 أظهر أن العائدات الجرمية المستردة بلغت 70.325 دينار و 5.121.231 دولار أمريكي و3.475.827 شيكل إسرائيلي، دون أي توضيح إن كان الاسترداد من داخل حدود دولة فلسطين أو خارجها.

 

في تقرير هيئة مكافحة الفساد لعام 2020، فإن المبالغ المستردة بقيت على حالها في فئة الدينار والدولار، بينما اختلفت عملة الشيكل بمقدار 231 ألف و700 شيكل إسرائيلي فقط، دون توضيح ما إذا كان هذا الاسترداد من داخل أو خارج حدود دولة فلسطين.

وفي دراسة صادرة عن ذات الهيئة عام 2020 تحت عنوان "مكافحة الفساد تحديات وحلول" جاء فيها أن مجمل المتحصلات الجرمية المحكوم بها من قبل القضاء حتى نهاية 2018 بلغت بعملة الدينار فقط، 86 مليون دينار أردني، فيما بلغت مجمل العائدات الجرمية المحكومة في التقرير السنوي لعام 2020 قرابة 96 ألف دينار، وفي تقرير عام 2019 بلغت نحو 96 ألف دينار، وذلك منذ تأسيس محكمة جرائم الفساد، ما يعكس تناقضا كبيرا في الأرقام الصادرة عن الهيئة.

 

وبعد تتبع التقارير السنوية التابعة للهيئة للأعوام 2021 و2022 و2023 و2024 و2025، فإن جميع هذه التقارير خلت بشكل كامل من أي متحصلات جرمية محكوم بها من قبل القضاء أو حتى قيمة الاسترداد المالي، وكأنها غير موجودة.


ماذا ردت الهيئة؟
تواصل معد هذا التقرير الاستقصائي مع رئيس هيئة مكافحة الفساد د. رائد رضوان، فانتدب مستشارته لمكافحة الفساد الخبيرة القانونية رشا عمارنة.

 


"فقدنا القدرة على التحقق"
وكشفت عمارنة أن هيئة مكافحة الفساد أوقفت منذ العام 2020 نشر البيانات السنوية المتعلقة بالأموال المستردة من قضايا الفساد، لعدم امتلاكها للمعلومات الدقيقة التي تعكس الواقع العملي لعمليات الاسترداد، وتمكنها من التحقق في مدى تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في قضايا الفساد.

وأكدت عمارنة أن الهيئة لا تمتلك اليوم رقما رسميا لحجم الأموال التي استردت فعليا من قضايا الفساد، كما لا تستطيع تحديد إجمالي قيمة الأموال التي نفذت بشأنها أحكام الاسترداد، مشيرة إلى أن هذه المعلومات يفترض أن تكون متاحة لدى الجهات المسؤولة عن تنفيذ الأحكام مثل النيابة العامة.

كما أقرت بوجود حاجة إلى تعزيز التنسيق ومأسسته بين الجهات المعنية بملف الاسترداد، مشددة على ضرورة وجود نظام موحد لتبادل المعلومات وتتبع الأموال منذ صدور الأحكام القضائية وحتى تنفيذها فعليا، بما يضمن توفير بيانات دقيقة للرأي العام ويعزز الشفافية والمساءلة.

ويشار الى أن تأكيد الهيئة عدم امتلاكها بيانات دقيقة حول الأموال المستردة، لا يجيب عن جوهر السؤال المتعلق بدورها في تعقب واسترداد أموال الفساد. لأن البند الثالث المنشور ضمن صلاحيات الهيئة على موقعها الرسمي ينص صراحة على الآتي: "تعقب وضبط وحجز واسترداد الأموال والعائدات المتحصلة من جرائم الفساد بالتنسيق مع الجهات المختصة". وبالتالي، فإن غياب نظام أو آلية تمكّن الهيئة من متابعة مصير الأموال التي باشرت إجراءات تعقبها أو استردادها، وصولا إلى معرفة ما إذا جرى استردادها فعليا، يظل مسألة شائكة تحتاج إلى تفسير.

 

 

دعوة لقانون خاص بالتعاون القضائي الدولي
وفيما يتعلق بالإطار القانوني، شددت عمارنة على أن فلسطين ما زالت تفتقر إلى قانون متكامل ينظم التعاون القضائي الدولي في المسائل الجزائية، معتبرة أن هذا النقص التشريعي ينعكس مباشرة على كفاءة ملاحقة الأموال المنهوبة خارج فلسطين واستعادتها.

وقالت إن الإطار القانوني القائم حاليا يعتمد على بعض النصوص الواردة في قانون مكافحة غسل الأموال، واتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي، إلا أن ذلك لا يشكل منظومة قانونية متكاملة قادرة على التعامل مع التعقيدات المتزايدة في ملفات استرداد الأموال عبر الحدود.

وأضافت أن "هناك حاجة إلى تشريع خاص يحدد الأدوار والصلاحيات وآليات تبادل المعلومات، وطلبات المساعدة القانونية المتبادلة، بما يسهم في تسريع إجراءات التتبع والحجز والمصادرة والاسترداد".

كما دعت إلى توقيع اتفاقيات المساعدة القانونية الثنائية مع الدول الأخرى، مؤكدة أن زيادة عدد اتفاقيات التعاون القضائي من شأنها تسهيل استعادة الأموال والأصول المرتبطة بقضايا الفساد.


الاسترداد الحلقة الأصعب
وأوضحت عمارنة أن استرداد الأموال يمثل الحلقة الأكثر تعقيدًا في منظومة مكافحة الفساد، مبينة أن العملية تمر بأربع مراحل أساسية هي: التتبع، والحجز، والمصادرة، ثم الاسترداد.

وأكدت أن الهيئة تبدأ بتتبع الأموال منذ مرحلة التحري والاستدلال، من خلال متابعة الحسابات البنكية والعقارات والأسهم والشركات والأموال المنقولة وغير المنقولة، بالتعاون مع النيابة العامة والقضاء ووحدة المتابعة المالية، لكن التنسيق بين هذه الجهات وخصوصا في قضية استرداد الأموال المتحصلة من الفساد يحتاج الى جهد أكبر.

 

غياب نظام وطني في فلسطين لتتبع الأموال..
وأكدت عمارنة على ضرورة "إنشاء نظام وطني متكامل لتتبع الأموال المحكوم باستردادها وربط بيانات الأحكام القضائية ببيانات التنفيذ الفعلي، بما يضمن توفير معلومات دقيقة للرأي العام وتعزيز ثقة المواطنين بجهود مكافحة الفساد واسترداد المال العام".

الحسابات البنكية الأكثر استخداما لتهريب الأموال..
وفي معرض حديثها عن أساليب إخفاء الأموال المتحصلة من جرائم الفساد، وصعوبة تتبعها وخصوصا على المستوى الدولي، أوضحت عمارنة أن الحسابات البنكية تعد من أكثر الوسائل استخداما في تتبع حركة الأموال المرتبطة بالفساد، تليها العقارات التي غالبا ما تُستخدم كأداة لتبييض الأموال وإخفاء مصدرها الحقيقي، ثم الأسهم والاستثمارات المالية. وأشارت إلى أن المتحصلات الجرمية لا تبقى بالضرورة على شكل أموال نقدية، بل يجري تحويلها إلى أصول وممتلكات مختلفة بهدف تمويه مصدرها وإضفاء صفة قانونية عليها.

وأضافت أن بعض القضايا تكشف عن استخدام شركات، سواء كانت حقيقية أو وهمية، داخل فلسطين أو خارجها، كوسيلة لإخفاء الأموال وتحريكها بين حسابات وجهات متعددة، بما يصعّب عملية تتبعها وربطها بالجريمة الأصلية. كما لفتت إلى أن عمليات غسل الأموال قد تتم عبر عقود استشارية أو تجارية صورية، أو من خلال تأسيس شركات في الخارج تُستخدم كغطاء لتحويل الأموال ودمجها في أنشطة تبدو مشروعة، قبل إعادة ضخها في النظام المالي بصورة يصعب اكتشاف مصدرها غير القانوني.

"المكان الصحيح: النيابة العامة"
بعد انتهاء المقابلة تواصل معد التقرير أكثر من مرة مع هيئة مكافحة الفساد طلبا لأي رقم متوفر حول مجمل الأموال المستردة من جرائم الفساد على المستوى المحلي والدولي، فردت الهيئة بشكل واضح: المبالغ المتحصلة من الفساد يتم إحالتها عبر حساب خاص الى الخزينة العامة وتصبح سراً من أسرار التحقيق، والمكان الصحيح لمعرفة هذه المعلومة هي: النيابة العامة.

ويوضح معد هذا التقرير أن السؤال لم يكن عن تفاصيل قضايا فساد ما زالت منظورة أمام جهات التحقيق، ولا عن أسماء المتهمين أو مسار التحقيقات، وإنما عن إجمالي الأموال التي جرى استردادها من جرائم الفساد، وهي معلومة مالية إجمالية يفترض أن تكون متاحة للجمهور، وهو ما يدعو للتساؤل: كيف يمكن للجمهور تقييم نتائج جهود مكافحة الفساد واسترداد الأموال إذا كانت إحدى الجهات المختصة في هذا الملف لا تنشر حصيلة ما تم استرداده؟

مهنّا.. ليس حالة وحيدة
خلال تتبعنا لملفات الفساد التي صدرت فيها أحكام مالية كبيرة، رصدنا عدداً من القضايا التي طالت مسؤولين وشخصيات بارزة، كان من أبرزها قضية المستشار الاقتصادي السابق للرئيس الراحل ياسر عرفات، محمد رشيد. ففي عام 2012، أصدرت محكمة جرائم الفساد حكماً غيابياً بسجنه 15 عاماً وتغريمه 15 مليون دولار، كما ألزمت المدانين في القضية برد نحو 34 مليون دولار من الأموال المختلسة، إلى جانب مصادرة أموال وممتلكات وأسهم وعقارات.

كما رصدنا قضية أخرى طالت مدير عام الأمن الداخلي الأسبق ورئيس جهاز الأمن الوقائي السابق في غزة، رشيد أبو شباك، الذي أصدرت بحقه محكمة جرائم الفساد، نهاية عام 2013، حكماً غيابياً بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة 15 عاماً، بعد إدانته بالاختلاس الجنائي والكسب غير المشروع، مع تغريمه 930,496 دولاراً أمريكياً، وهي قيمة الأموال المختلسة وفق الحكم.

وفي قضية ثالثة، أصدرت محكمة مكافحة جرائم الفساد في رام الله يوم الأربعاء 14 كانون الأول عام 2016 حكماً غيابياً بالسجن لمدة 3 سنوات ضد محمد دحلان (القيادي المفصول من حركة فتح)، مع إلزامه برّد مبلغ مختلس وفق القرار يزيد عن 16 مليون دولار أمريكي وغرامة مالية بنفس القيمة، وذلك على خلفية اتهامه باختلاس أموال أثناء توليه منصب منسق الشؤون الأمنية للرئاسة الفلسطينية.

وزارة العدل تكشف: عقبات قانونية وسياسية تجعل الأموال والمطلوبين خارج متناول القضاء الفلسطيني..
- غياب الاتفاقيات الثنائية المشكلة الأبرز

ورغم مرور سنوات على انضمام فلسطين إلى الاتفاقيات الدولية والإقليمية الخاصة بمكافحة الفساد والتعاون القضائي، ما تزال استعادة الأموال المتحصلة من جرائم الفساد واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وغموضاً. فبينما تتحدث الجهات الرسمية عن جهود متواصلة لتعقب المطلوبين والأموال المهربة خارج البلاد؛ تكشف بيانات وزارة العدل التي اطلع عليها معد هذا التقرير بطريقة رسمية، أنها لم ترسل أي طلب لاسترداد أموال متحصلة من الفساد خلال عام 2025، فيما اقتصر الأمر خلال النصف الأول من عام 2026 على طلب واحد فقط، دون الإفصاح عن تفاصيله. 

معلومات الوزارة تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: أين ذهبت الأموال المتحصلة من قضايا الفساد؟ ولماذا تبدو عملية استعادتها بالغة الصعوبة والتعقيد؟ وما حجم المبالغ المطلوب استردادها أصلا؟

30  طلباً لتسليم مطلوبين.. وصفر طلبات لاسترداد الأموال!
وبحسب المعلومات التي حصلنا عليها من وزارة العدل، أرسلت الوزارة خلال عام 2025 نحو 30 طلبا لتسليم مطلوبين فارّين من العدالة للقضاء الفلسطيني على خلفية قضايا متنوعة، إلا أنها لم ترسل أي طلب لاسترداد أموال متحصلة من الفساد خلال العام نفسه.

أما خلال النصف الأول من عام 2026، فقد أرسلت الوزارة طلبا واحدا فقط لاسترداد أموال متحصلة من الفساد، ورفضت الكشف عن هوية الشخص أو الدولة المعنية بحجة سرية الإجراءات القضائية.

وتشير المعلومات ذاتها إلى أن الوزارة لا تمتلك قاعدة بيانات توضح إجمالي الأموال الناتجة عن جرائم الفساد أو قيمة المبالغ المطلوب استردادها.

ويشار إلى أن وزارة العدل، كما أكدت لنا، ليست الجهة التي تبادر بطلبات استرداد الأموال أو تتولى التحقيق في قضايا الفساد، وإنما تضطلع بدور السلطة المركزية في مجال التعاون القضائي الدولي؛ إذ تستقبل طلبات المساعدة القانونية الواردة من الجهات المختصة، وعلى رأسها النيابة العامة، وتحيلها إلى الدول المعنية عبر القنوات الرسمية، كما تستقبل الطلبات الواردة من الدول الأخرى وتحيلها إلى الجهات الفلسطينية المختصة.

ويأتي ذلك باعتبار وزارة العدل السلطة المركزية لفلسطين، بما ينسجم مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، ولا سيما الأحكام المتعلقة بالتعاون الدولي واسترداد الموجودات، وكذلك مع أحكام الفصل السابع من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الفلسطيني.

 

ازدواجية الجنسية.. ملاذ آمن للمطلوبين
وكيل وزارة العدل أحمد ذبالح، يضع ازدواجية الجنسية في مقدمة العقبات التي تعرقل تسليم المطلوبين واسترداد الأموال.
ويقول ذبالح إن "العديد من الدول ترفض تسليم مواطنيها المطلوبين للقضاء الفلسطيني، وتطلب بدلاً من ذلك تحويل الملفات إليها لمحاكمتهم محليا، مضيفا أن فلسطين تكون مطالبة خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز 30 يوماً بتزويد تلك الدول بالأدلة والوثائق اللازمة، وإلا فإن القضية قد تنتهي بالبراءة أو الإغلاق".

ويضيف أن "بعض الدول تفضل محاكمة المتهمين لديها بدلا من تسليمهم وقد صدرت في السابق أحكام بالبراءة بحق متهمين رغم وجود ملفات وأدلة فلسطينية تشير إلى تورطهم في قضايا فساد وجرائم مالية"، رافضا إعطاء أمثلة عن أسماء هذه الدول أو أمثلة على هذه القضايا.

اتفاقيات غائبة.. وأخرى لا تُنفذ
ويكشف ذبالح أن غياب الاتفاقيات الثنائية للتعاون القضائي يشكل عقبة رئيسية أمام جهود الاسترداد، موضحاً أن "العديد من الدول تشترط وجود اتفاقيات مباشرة لتسليم المطلوبين أو استرداد الأموال"، رغم أن الحكومة ووزارة العدل هي الجهة المسؤولة عن عقد هذه الاتفاقيات!

ويشير إلى أن وزارة العدل بدأت مؤخراً إجراءات لإبرام اتفاقيات ثنائية مع الأردن ولبنان ومصر، بهدف تسهيل عمليات التسليم والاسترداد.

لكن المشكلة لا تتوقف عند غياب الاتفاقيات، فحتى في الحالات التي تكون فيها فلسطين طرفاً في اتفاقيات إقليمية مثل اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي، فإن بعض الدول، كما أكد ذبالح، تواصل المماطلة عبر طلب وثائق إضافية للملف الذي قدمته فلسطين مسبقا، أو تأخير البت في الملفات لفترات طويلة، داعيا "دول" لم يسمها الى التعامل مع فلسطين بجدية أكبر في هذا الملف الهام. 

وزارة العدل: تأخرنا في إبرام الاتفاقيات الثنائية وركّزنا على الأطر العربية والدولية

وفي ردّه على أسباب تأخر إبرام اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية على مدار أكثر من ثلاثين عاما ماضيا، أقرّ ذبالح بأن هذا المسار تأخر، حيث قال: "تأخرنا، كان تركيزنا وعملنا السابق من خلال اتفاقية الرياض والاتفاقيات العربية والدولية لمكافحة الفساد التي نحن جزء منها، لكن بعض الدول العربية لم تساعدنا في هذا الأمر، وكانت تتذرع بغياب الاتفاقيات الثنائية.

وأضاف أن مستوى التعاون القضائي القائم لم يكن بالمستوى المطلوب، مشيراً إلى أن اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي تتضمن أحكاماً تتعلق بالتعاون القضائي وتسليم المجرمين والأصول، إلى جانب اتفاقيات أخرى في إطار جامعة الدول العربية، فضلاً عن الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

وأوضح ذبالح أن الوزارة كانت تنطلق في السابق من وجود هذه الأطر الجماعية العربية والدولية باعتبارها أساساً للتعاون، إلا أن التجربة العملية أظهرت أن مستوى التعاون لم يكن كافياً، الأمر الذي دفع الوزارة إلى البدء بمسار الاتفاقيات الثنائية مع عدد من الدول مؤخرا.


توصيات لم تنفذ منذ 14 عاما!

اللافت أن إبرام اتفاقيات المساعدة القانونية المتبادلة والتعاون القضائي بين فلسطين والدول الأخرى، ولا سيما الدول المجاورة، كان من بين التوصيات والأهداف التي تضمنتها الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للأعوام 2012–2014، قبل أن تتكرر التوصية ذاتها في الاستراتيجيات الوطنية اللاحقة الصادرة عن هيئة مكافحة الفساد، من دون أن يتحول هذا الهدف إلى اتفاقيات قائمة حتى تاريخ إعداد هذا التقرير. وهنا تبرز أسئلة تتجاوز مجرد غياب الاتفاقيات: هل تحولت الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الفساد إلى وثائق تُكتب وتُحدّث، من دون تنفيذ فعلي لأهدافها؟ لماذا تكرر الهدف نفسه على مدار سنوات طويلة دون أن يتحقق؟ من الجهة المسؤولة عن تحويل هذه التوصيات إلى إجراءات واتفاقيات نافذة؟ وما الذي حال دون إنجازها طوال هذه المدة؟ وهل وُضعت مؤشرات زمنية واضحة لقياس تنفيذ هذه الأهداف ومحاسبة الجهات المسؤولة عن عدم تحقيقها؟ والأهم، كم من الأموال التي كان يمكن تتبعها أو تجميدها أو استردادها لو جرى تنفيذ هذه التوصيات في وقتها؟

 

 

ما هي اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي؟
اتفاقية أقرها مجلس وزراء العدل العرب في 6 نيسان عام 1983 في جامعة الدول العربية، وتهدف بشكل رئيسي إلى تعزيز التعاون الشامل في المجالات القضائية، وضمان حق التقاضي وتسهيل تبادل الإنابات والإعلانات القانونية، إلى جانب تيسير تنفيذ الأحكام الجنائية والمدنية وإلزامية تسليم المتهمين والمجرمين الفارين بين الدول الأعضاء، وانضمت إليها فلسطين عام 1983.

في انتظار النيابة العامة..
وأمام ما سبق، كان لابد من مقابلة النيابة العامة، خصوصا وأن جميع الأطراف التي قمنا بمقابلتها، أكدت لنا أن الأرقام من المفترض أن تتوفر لديها، لذا أرسلنا كتابا رسميا طلبا للمقابلة بتاريخ 1/8/2026.

وقام معد هذا التقرير الصحفي الاستقصائي في الأثناء بفحص وتتبع التقارير السنوية الصادرة عن النيابة العامة من أجل معرفة حجم استرداد الأموال المتحصلة عن الفساد من خارج حدود دولة فلسطين، حيث جاء في تقرير عام 2023، عن استرداد متحصلات جرمية بقيمة 13 مليون شيكل، لكن لم توضح النيابة ما إذا كان هذا الاسترداد من داخل حدود دولة فلسطين أو خارجها.

أما تقرير النيابة العامة لعام 2020، فقد ذكر حجم المبالغ المحكوم بردها كمتحصلات من جرائم الفساد، لكن دون الحديث عن أي استرداد، وهو ما حدث أيضا في تقرير النيابة العامة الأخير لعام 2025 حيث كشف عن المبالغ المحكوم بردها كمتحصلات جرمية وغرامات فقط والتي بلغت 335825 شيكل و 41042 دينار و 6800 دولار، دون تناول أي مبلغ تم استرداده.

 

 

النيابة العامة: 6.66 مليون دولار مستردة خلال العام الجاري 2026 من خارج حدود دولة فلسطين أي ما يعادل 20 مليون و415 ألفا و637 شيكلا..

منذ العام 2014.. 8 ملفات فساد مرتبطة بمتهمين فارين من وجه العدالة، صدرت بحقهم أوامر قبض دولية

3 طلبات استرداد مالي من خارج حدود دولة فلسطين تمت الإجابة على طلب واحد فقط!

النيابة العامة وبعد الجلوس مع معد هذا التقرير، كشفت للمرة الأولى أرقاما رسمية عن ملفات استرداد الأموال المرتبطة بقضايا فساد من خارج فلسطين.

وبحسب أرقام النيابة العامة، توجد حاليا ومنذ انضمام دولة فلسطين إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في نيسان 2014، ثمانية ملفات مرتبطة بمتهمين فارين من وجه العدالة، صدرت بحقهم أوامر قبض دولية، بينها نشرات حمراء وطلبات توقيف مؤقت. وتقول النيابة إنها اتخذت في هذه الملفات إجراءات للتعاون الدولي، شملت طلب رفع السرية المصرفية وتتبع الأموال والحجز التحفظي.

وأفضت هذه الإجراءات، وفق النيابة، إلى التقدم بثلاثة طلبات لاسترداد الأموال، اثنان منها خلال عام 2026. وقد تمت الاستجابة لأحد هذه الطلبات، وأسفرت العملية عن استرداد 6 ملايين و663 ألفًا و687 دولارًا أمريكيًا نقدًا، فيما لا تزال إجراءات استرداد باقي المتحصلات الجرمية في القضية ذاتها جارية.

لكن هذه الأرقام التي تكشفها النيابة العامة للمرة الأولى، قادتنا صحفيا إلى مجموعة من الأسئلة التي بقيت دون إجابات في هذه المرحلة. هل الأموال التي جرى استردادها، والبالغة 6 ملايين و663 ألفًا و687 دولارًا، تعود إلى قضية نظمي مهنا أم إلى قضية أخرى؟ ومن أي دولة جرى استردادها؟ وماذا عن طلبي الاسترداد الآخرين، هل جرى رفضهما، أم أن إجراءاتهما لا تزال مستمرة؟ وماذا عن الملفات الثمانية المرتبطة بمتهمين فارين من وجه العدالة؟ ما إجمالي الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد فيها؟ ومن هم المتهمون المرتبطون بهذه الملفات؟ وأسئلة أخرى عديدة حاولنا الحصول على إجابات عنها من النيابة العامة، إلا أنها فضّلت عدم الكشف عن تفاصيلها في هذا التوقيت، خشية أن يؤثر نشرها على سير الإجراءات ونتائج عمليات التتبع والاسترداد الجارية، وفق ما أكدت لنا.

النيابة العامة: المنظومة التشريعية الفلسطينية توفر إلى حد كبير الأدوات الأساسية لتحديد وتعقب المتحصلات أو الأموال أو الوسائط أو اقتفاء أثرها والتحفظ عليها واستردادها..

- التحدي الأكبر يكمن في اختلافِ النظم القانونية والقوالب الجامدة لبعض النصوص في الدول التي توجد فيها تلك الموجودات وغياب الاتفاقيات الثنائية

 

وفي محاولة لمعرفة التحديات التي تواجه فلسطين في استرداد هذه الأموال، جلس معد هذا التقرير مع رئيس نيابة التعاون القضائي الدولي في النيابة العامة، جميل سجدية، الذي أكد بأن دولة فلسطين سعت إلى تطوير بنيتها التشريعية بما يتماشى مع التزاماتها الدولية ومع التحديات التي يفرضها الإجرام المعاصر، وذلك عبر إقرار سلسلة من التشريعات التي تضمنت التجريم والعقاب على الجرائم عبر الوطنية، مثل الجريمة المنظمة، وأعمال القرصنة، والاتجار بالبشر، وتهريب المهاجرين.

وتابع: وقد شملت أحكام هذه التشريعات المساعدة القانونية المتبادلة، وتسليم المجرمين، ومصادرة العائدات الجرمية، واسترداد الأصول، وحماية البيانات الشخصية، والتحقيقات المشتركة، وتبادل المعلومات بين جهات انفاذ القانون على المستوى الدولي، ومن هذه التشريعات القرار بقانون بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والقرار بقانون بشأن مكافحة الفساد، والقرار بقانون بشأن الجرائم الإلكترونية وجرائم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وغيرها.

وأضاف: وتتمثل شروط نجاح التعاون الدولي في: 1. وجود نظام قانوني يسمح بالتبادل السريع والكافي للمعلومات، فضلاً عن تقديم المساعدة خلال التحقيق. 2. القدرة على تنفيذ قرار أجنبي بالحجز أو المصادرة (إما مباشرة أو عبر استصدار قرار وطني) 3. الموارد البشرية والمهارات المتخصصة 4. الإرادة السياسية لدى الدول الحاضنة للموجودات.
وأشار سجدية إلى أن استرداد الموجودات وفق الفصل الخامس من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) محفوف بالعديد من الصعوبات، وأن الأساليب التي يمارسها المجرمون لتوفير ملاذات آمنة لتلك الأموال، بدت على درجة كبيرة من التشابك والتعقيد، الأمر الذي يوجب تعاون الدول التي ظهرت لديها موجودات أو عائدات جرمية، وأن تفصح عما تحت يدها من تلك الأموال، وأن تتخذ الإجراءات الكفيلة بتيسير استردادها.

وأوضح أن استرداد الأصول والموجودات على المستوى الدولي يُعدّ من أكثر الإجراءات المعقدة؛ بالنظر إلى مساسه المباشر بسيادة الدول، وتفاوت أنظمتها القانونية، فضلاً عن البطء الذي يشوب آليات التعاون القضائي عابر الحدود. فبينما تشترط بعض الدول صدور حكم إدانة جزائي بات ومبرم لمباشرة مصادرة الأموال، تكتفي دول أخرى بإجراءات المصادرة المدنية غير القائمة على إدانة، يضاف إلى ذلك التحديات المعقدة المرتبطة بالمعوقات الفنية والتطور التقني المتسارع في أساليب غسل الأموال وإخفاء معالمها.

ومن أبرز التحديات الموضوعية والإجرائية لاسترداد متحصلات الفساد من الخارج، صعوبات موضوعية وإجرائية، تتمثل في:

1. المغالاة في الإجراءات الشكلية.
2. التأخر في الرد على طلبات المساعدة القانونية.
3. تحديد مكان المال المطلوب تجميده داخل المؤسسات المالية للدولة المطلوب منها.
4. اختلاف الأنظمة القانونية.
5. عدم تنفيذ الأحكام الغيابية.
6. عدم إفصاح بعض الدول عن المالكين الحقيقيين للشركات العابرة للحدود.
7. طول الفترة التي تستغرقها عملية تتبع الأموال واستردادها وصدور الأحكام النهائية.
8. اشتراط الربط بين المال والجريمة المرتكبة.


وترفض بعض الدول تنفيذ أحكام مصادرة الأموال إذا كانت صادرة غيابياً بحق المتهم، وذلك حماية لحقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة.

وقال سجدية لقد عانينا من الصعوبات الناشئة عن الاختلاف بين النظم القانونية في الدول التي ظهرت لديها متحصلات جرمية، على صعيد التعقب والحجز والمصادرة والاسترداد، إلا أن انضمام وحدة المتابعة المالية لمجموعة إيجمونت (Egmont Group) الخاصة بوحدات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في شهر تموز من العام 2019 ساهم في تيسير إجراءات التعاون الدولي واسترداد الموجودات، فقد أتاحت هذه العضوية لدولة فلسطين تبادل المعلومات الاستخباراتية حول جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم الأصلية وعلى رأسها جرائم الفساد مع أكثر من 159 وحدة نظيرة حول العالم، كما سهلت هذه العضوية تدفق المعلومات وبناء القدرات وتعقب وتتبع الأموال والمتحصلات الجرمية والمساهمة في عملية استردادها على المستوى الدولي.

وتابع: ونأمل بأن تساهم عضوية فلسطين للآليات القانونية وقنوات الاتصال المباشرة مثل شبكة (MENA ARIN) و(GlobE Network) و(EMJNet) في تيسير اتخاذ إجراءات التجميد والحجز، وصولاً إلى رد المتحصلات الجرمية، فضلاً عن تنفيذ طلبات المساعدة غير الرسمية، ونتطلع إلى قيام الحكومة بتوقيع اتفاقيات ثنائية للتعاون القضائي (التعاون الرسمي) مع الدول الأخرى لمد جسور التعاون في إطار تنفيذ طلبات مصادرة العائدات الجرمية واسترداد الأصول.


النيابة العامة: غياب الاتفاقيات الثنائية أحد المعوقات الأساسية
وأكد سجدية "ان الأدوات التشريعية المتوفرة في المنظومة الوطنية كافية لمباشرة الملاحقات القضائية فالإشكالية اليوم لا تكمن في غياب النصوص أو الحاجة لإصدار قانون جديد، بقدر ما تتطلب تعزيز أدوات التعاون الدولي عبر إبرام اتفاقيات ثنائية للتعاون الدولي من خلال الحكومة الفلسطينية بواسطة وزير العدل مع نظرائه. مردفا: فغياب الاتفاقيات الثنائية يُعد من المعيقات الإجرائية مع بعض الدول، مشيراً إلى أن إبرام هذه الاتفاقيات يقع ضمن اختصاص الحكومة (عبر وزارة العدل)، لما لهذه الاتفاقيات من دور في تبسيط إجراءات التعقب والضبط والتحقيقات المشتركة (JITs) وصولاً للاسترداد. فالاسترداد ليس "إجراء لاحق للحكم" بل هو "مجموعة من الإجراءات التي تسير جنباً إلى جنب مع التحقيق الجنائي". حيث تبدأ منذ اليوم الأول لمرحلة جمع الاستدلالات وحتى قبل مباشرة التحقيق الابتدائي".

التحديات الفنية.. الأصول الافتراضية نموذجاً
وفيما يتعلق بالتحديات الفنية المستحدثة، أكد سجدية أن تعقب العائدات الجرمية شهد تحولاً نوعياً نظراً للجوء بعض الجناة في العالم للأصول الافتراضية وهذا يعتمد على تفكيك المحققين للأساليب المعقدة التي يلجأ إليها هؤلاء لكسر سلسلة التتبع الرقمي.

وتابع: "لم يعد تهريب الأموال يقتصر على تحويلات بنكية تقليدية، فمثلاً قد يسعى الجناة لتحويل النقد إلى عملات مشفرة ومن ثم قد توجه العملات المشفرة نحو تطبيقات "التمويل اللامركزي" العاملة على شبكات مثل شبكة الإيثريوم (Ethereum) وقد يتم من خلالها إدخال الأموال في "مجمعات سيولة" ضمن منصات تبادل لامركزية (DEXs) وتسمح تلك المنصات للمستخدمين بتبديل العملات عبر "عقود ذكية" تعمل آلياً بدون إفصاح عن الهوية، وتعمل "كخلاطات رقمية" للتغطية والتمويه، وذلك لكسر سلسلة التتبع الرقمي. وهذا يستدعي من المحققين سحب السجلات الأصلية لسلسلة الكتل (Blockchain Logs) وتفكيك الحمولات البرمجية ذات الترميز الست عشري وقراءة سجلات العمليات الصادرة عن العقود الذكية أثناء تنفيذ عمليات التبادل (Swaps). مما يستدعي مثلاً تطبيق خوارزميات "تحليل التوقيت والحجم"، وتتبع مسار العملات المشفرة لحظة خروجها من منصة التبادل".

وقال: "تعتمد التقنية على مقارنة حجم المبالغ الداخلة للعقد الذكي بتلك الخارجة منه في توقيت متزامن، رغم أن هذه الحالات لم تسجل في فلسطين حتى الآن إلا أنها قد تحدث مستقبلاً، مما يوجب علينا الاستثمار بالقدرات التقنية ومراكمة الخبرات، وتطوير المهارات، وتوفير أدوات التحليل الجنائي الرقمي والتكنولوجيا المالية، واستمرار التعاون والتنسيق بين النيابة العامة ووحدة الجرائم الإلكترونية ووحدة المتابعة المالية وجهات إنفاذ القانون".


سجدية: هناك أموال تم استردادها من الخارج
ورداً على التساؤلات المتعلقة بالإحصائيات، أكد سجدية أن النيابة العامة نجحت بالفعل في استرداد أموال ومتحصلات جرمية من خارج فلسطين، مشيراً إلى أن عدد الطلبات ليس معياراً سنوياً ثابتاً بل يخضع لمخرجات التحقيقات، فتعقب أو تتبع الأموال عملية دائمة لا تتوقف، لكن تقديم "طلب الاسترداد" الرسمي للدولة الأجنبية لا يتم إلا بعد تحديد مكان الأصول وحجزها قانونياً.

وكشف سجدية أن النيابة العامة تعاملت خلال عام 2026 مع طلبين للاسترداد في قضايا جرائم فساد، في حين شهد عام 2025 تقديم طلبات تعاون دولي في قضايا الجرائم الإلكترونية والمالية بهدف تعقب وضبط متحصلاتها تمهيداً لمصادرتها واستردادها، دون تسجيل طلبات مرتبطة بجرائم الفساد في ذلك العام بحد ذاته.

وأكد أن لكل جريمة طبيعتها وخصوصيتها، وأن وجود طلب الاسترداد يرتبط حصراً بوجود أموال تم تعقبها أو حجزها فعلياً خارج البلاد واستيفاء الإجراءات القانونية التي تتيح استردادها؛ وعليه، فإن عدم تقديم طلبات في قضايا جرائم الفساد في عام مقابل التعامل مع طلبين في عام آخر هو أمر طبيعي يعكس مرحلة نضج كل ملف تحقيقي على حدة.

وبين رئيس نيابة التعاون القضائي الدولي توجه النيابة العامة "بعد إطلاق منظومة ميزان "3" لتطوير التقارير السنوية من خلال السعي لإحداث فصل إحصائي يُميز بين الأموال المصادرة من داخل الدولة وتلك التي تم استردادها من الخارج، إرساءً لمبادئ الشفافية والتقييم الموضوعي، علماً بأن التقارير السنوية للنيابة تشمل طلبات التعاون الدولي الصادرة والواردة ولكن دون نشر تفاصيلها فالقانون يوجب على النيابة العامة المحافظة على سرية طلبات التعاون الدولي والمعلومات التي تتضمنها، وحمايتها، بما يضمن نزاهة التحقيقات والتحريات وعدم الوصول إلى البيانات والمعلومات ذات الصلة إلا للأشخاص المصرح لهم قانوناً بذلك. وذلك وفقاً للمادة (66) من القرار بقانون رقم (39) لسنة 2022 بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتعديلاته".

التكامل المؤسسي والشراكة المجتمعية في استرداد الأصول.
وفي سياق متصل، شدد سجدية على أن تعقب الأموال واستردادها يُعد مسؤولية تضامنية تتوزع أدوارها بين مختلف مؤسسات المنظومة الوطنية وفقاً لمراحل الدعوى الجزائية، موضحاً: أن "عملية التعقب والاسترداد لا تقع على عاتق جهة منفردة، بل تتطلب تكاملاً إجرائياً؛ حيث تتولى جهات الاستدلال ووحدة المتابعة المالية إجراء التحريات المالية منذ اللحظات الأولى بالتنسيق المباشر مع النيابة العامة. في حين تتحمل النيابة العامة مسؤولية تعقب المال وإدارة ملف استرداده أثناء مرحلة التحقيق الابتدائي أو عقب صدور أحكام قضائية باتة".

وأكد على ضرورة التزام المشروعية وسلامة الإجراءات في جمع الأدلة وتتبع حركة الأموال، نظراً لكون هذه الإجراءات تمتد آثارها خارج الحدود الوطنية وتخضع لفحص دقيق من السلطات القضائية الأجنبية.

وحول التحديات التي تواجه عملية الاسترداد على المستوى الدولي، أشار سجدية إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد الحجز أو التجميد، بل في إتمام نقل الملكية واستعادة الأموال فعلياً، قائلاً: "تتجاوب العديد من الدول بمرونة مع طلبات الحجز أو التحفظ على الأصول، لكن التحدي الأكبر الذي نواجهه، وتواجهه مختلف دول العالم، يكمن في مسار الاسترداد الفعلي ونقل ملكية تلك الأموال إلى الدولة الطالبة".

واختتم رئيس نيابة التعاون القضائي الدولي بالإشادة بدور مؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والصحافة الاستقصائية، داعياً إلى إرساء شراكة استراتيجية معها في توظيف تحقيقات المصادر المفتوحة وتتبع حركة أصول الخاضعين للملاحقة، بما يدعم المنظومة الوطنية في كشف الملاذات الآمنة للأموال وحماية الاقتصاد الوطني.


70 مليون دولار..

خلال مراجعتنا للأرشيف الفلسطيني المنشور بحثا عن معلومات حول استرداد الأموال المتحصلة من جرائم الفساد تاريخيا، عثرنا على مقابلة أجرتها وكالة "رويترز" مع رئيس هيئة مكافحة الفساد الأسبق رفيق النتشة، أعلن فيها أن الهيئة استعادت، منذ تأسيسها وحتى عام 2016، نحو 70 مليون دولار أمريكي، منها 40 مليون دولار من مصر و20 مليون دولار من العراق و10 ملايين على المستوى المحلي.

لكن النتشة أقرّ في المقابلة نفسها بأن استرداد الأموال المهربة إلى الخارج ظل "التحدي الأكبر"، مؤكدًا أن عشرات الملايين من الدولارات بقيت خارج متناول السلطات الفلسطينية.

وفي المقابل، قال مصدر مطلع لمعدّ هذا التقرير، مشترطا عدم الكشف عن هويته، إن قرابة 70 مليون دولار التي أُعلن عن استردادها من مصر والعراق تم استردادها من خلال مطالبات مالية استنادا لأحكام مدنية، لاحدى القضايا التي أدين فيها متهم فار من وجه العدالة غيابيا من قبل محكمة جرائم الفساد بتهم الفساد، لكن لم تسترد بناء على طلب استرداد موجودات أو تعاون دولي رسمي في المسائل الجزائية وفق أحكام اتفاقية مكافحة الفساد.

فيما أكد مصدر مطلع آخر رفض الكشف عن نفسه أيضا أن الأموال تعود الى قضية محمد رشيد (المعروف باسم خالد سلام)، المستشار الاقتصادي السابق للرئيس الراحل ياسر عرفات، والذي أدين غيابياً من قبل محكمة جرائم الفساد بتهم الاختلاس وغسل الأموال.

وعندما بحث معدّ هذا التقرير الصحفي الاستقصائي في قاعدة بيانات مراقبة استرداد الأصول العالمية (Asset Recovery Watch Database)، لم يجد تسجيلًا لحالة استرداد الأموال الفلسطينية التي أُعلن عنها بقيمة تقارب 70 مليون دولار من مصر والعراق.

 

 

وتُعد قاعدة بيانات مراقبة استرداد الأصول العالمية منصة بحثية أطلقتها مبادرة استرداد الأصول المسروقة ( (STAR، بالشراكة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة  (UNODC)، لرصد قضايا استرداد عائدات الفساد ذات البعد الدولي التي تتم عبرها أو بواسطتها أو نجحت بتوثيقها، بما في ذلك المعلومات المتعلقة بالدول التي تطلب المساعدة والدول التي تقدمها، وبحسب الحالات التي ترصدها القاعدة.

الريس: اختفاء بيانات استرداد الموجودات في قضايا الفساد يثير التساؤلات.. والأحكام القضائية تتعثر في التنفيذ
الدول لا تستجيب إلا وفق أطر قانونية..

وفي محاولة للحصول على مزيد من المعلومات القانونية، توجهنا الى الخبير والمستشار القانوني ناصر الريس، الذي أعد دراسة سابقة للائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) حول استرداد الأموال المتحصلة من الفساد.

واتفق الريس مع هيئة مكافحة الفساد ووزارة العدل والنيابة العامة فيما يتعلق بالاتفاقيات الثنائية، قائلا: عدم وجود اتفاقيات ثنائية مع الدول وتعقيدات المساعدة القانونية الدولية، تجعل ملاحقة الأموال المهربة أكثر صعوبة، موضحا أن معظم الدول لا تستجيب لطلبات استرداد الأموال إلا ضمن أطر قانونية واضحة واتفاقيات تعاون قضائي متبادلة، وهو ما يحد من قدرة فلسطين على ملاحقة الأموال الموجودة خارج حدودها، بسبب عدم إبرام هذه الاتفاقيات.

الإرادة السياسية ليست معنية بالتنفيذ..
لكن الخبير القانوني يرى أن المعضلة الأساسية على المستوى المحلي لا تكمن في إصدار الأحكام، وإنما في تنفيذها.

وقال: "محكمة جرائم الفساد تقوم بدورها وتصدر الأحكام، لكن التنفيذ هو الحلقة الأضعف، والإرادة السياسية ليست معنية بتنفيذ هذه الأحكام بالشكل المطلوب".

وأضاف أن "استمرار هذا الواقع يحرم الخزينة العامة من أموال كان من الممكن أن تُوجَّه إلى قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، في وقت تعاني فيه المالية العامة من أزمات متلاحقة".

وفيما يتعلق بالتقارير الرسمية السنوية الصادرة عن الجهات المختصة بتتبع الأموال المنهوبة وملاحقتها واستردادها، قال إن هناك خلطا مستمرا في الخطاب الرسمي بين مصطلحي "رد الأموال" و"استرداد الأموال"، موضحا أن الفرق بينهما جوهري، حيث "كل ما يعلن عنه في التقارير السنوية السابقة للجهات الرسمية هو رد لأموال موجودة داخل فلسطين، أما الاسترداد الحقيقي، أي إعادة أموال هُربت إلى دول أخرى عبر التعاون القضائي الدولي، فلم يتحقق بالمستوى المطلوب". 

وأضاف أن هذا الواقع لا يعكس غياب الأحكام القضائية، بل يكشف خللا في مرحلة تنفيذها خاصة عندما تكون الأموال أو الأصول خارج الحدود الفلسطينية.

اختفاء البيانات الرسمية يثير التساؤلات!
ولفت الريس إلى أن التقارير الرسمية التابعة لهيئة مكافحة الفساد كانت تنشر في السنوات السابقة تفاصيل تتعلق بالأموال المحكوم بها والأموال التي جرى تحصيلها، إلا أن هذه البيانات أصبحت أقل حضورا في التقارير اللاحقة.

وقال: "عندما تتوقف المؤسسات الرسمية عن نشر هذه الأرقام، يصبح من الصعب معرفة حجم ما نُفذ فعليا، وما بقي مجرد أحكام على الورق، وهو الأمر الذي يثير مجموعة من التساؤلات".

وأضاف أن غياب قاعدة بيانات وطنية توثق الأموال المنهوبة والأموال المستردة ونسب تنفيذ الأحكام يجعل من الصعب تقييم أداء المؤسسات المختصة أو إخضاعها للمساءلة.


تسويات خارج القضاء.. لكن بلا وثائق رسمية
وكشف الريس عن "وجود معلومات متداولة حول تسويات جرت مع بعض المتهمين في قضايا فساد خارج أروقة المحاكم، لكنه شدد على أن هذه الوقائع لا تستند إلى بيانات رسمية منشورة".

وقال: "نتحدث عن معلومات متداولة وليست موثقة. نسمع عن ملفات أُغلقت بعد تسويات مع شخصيات معينة، لكن لا توجد أي شفافية أو معلومات رسمية تبين ما جرى وكيف انتهت تلك القضايا."

مطالبات باستكمال المنظومة التشريعية لاسترداد أموال الفساد وتعزيز استقلال هيئات النزاهة..

وتواصل معد هذا التقرير الاستقصائي مع المستشار القانوني لائتلاف أمان بلال البرغوثي، حيث قال "إن تعزيز منظومة المساءلة والملاحقة في مواجهة جرائم الفساد وغسل الأموال يتطلب استكمال المنظومة التشريعية الفلسطينية، بما يضمن فعالية ملاحقة المتورطين وتعقب الأموال المتحصلة من الفساد واستردادها".

وأوضح البرغوثي أن من أبرز التوصيات التي يطرحها ائتلاف أمان تتمثل في "وضع تشريع فلسطيني خاص باسترداد متحصلات الفساد وغسل الأموال، يأخذ بعين الاعتبار تعريف المتحصلات الجرمية الناشئة عن الفساد بشكل واضح، بحيث تشمل الأموال المتحصلة من الجريمة وعوائدها، إلى جانب تنظيم إجراءات وقواعد استرداد هذه الأموال، وآليات مصادرتها وضوابطها، وكيفية التصرف بالأموال المصادرة وطرق إدارتها".

وأضاف أنه "من الضروري أيضاً إقرار تشريع فلسطيني خاص بالمساعدة القانونية المتبادلة، بما ينسجم مع الفصل الخامس من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، بما يعزز قدرة الدول على استخدام هذه الآلية في استرداد الأموال المنهوبة".

وأشار البرغوثي إلى أهمية إصدار قانون الحق في الحصول على المعلومات، باعتباره أداة أساسية لتعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية، وتمكين المواطنين والصحفيين والجهات الرقابية من الوصول إلى المعلومات التي تساعد في الكشف عن جرائم الفساد وتعزيز المساءلة وملاحقة مرتكبيها.

كما دعا إلى تعزيز تعاون فلسطين مع الأجسام الدولية والإقليمية والدولية ذات العلاقة باسترداد الأموال المنهوبة، والاستفادة من خبراتها في مجالات الدعم القانوني والاستشاري وبناء القدرات، والمساعدة في ملاحقة وتعقب الأموال المتحصلة من جرائم الفساد.

وفي السياق ذاته، شدد المستشار القانوني لائتلاف أمان على "ضرورة تعزيز استقلال هيئات النزاهة ومكافحة الفساد باعتبارها هيئات قانونية مستقلة، وضمان استقلالية قراراتها وعدم خضوعها للنفوذ السياسي أو الإداري، محذراً من أن خضوع هيئات مكافحة الفساد للسلطة التنفيذية قد يحولها في بعض الحالات إلى أجسام شكلية محدودة القدرة على مواجهة الفساد الكبير والسياسي".

ودعا البرغوثي إلى أن "تتضمن تقارير هيئة مكافحة الفساد الفلسطينية بيانات واضحة ومفصلة حول الأموال المتحصلة من جرائم الفساد، بما يشمل حجم الأموال المتحصلة والمبالغ التي جرى استردادها، وأسباب تعثر عمليات الاسترداد والتحديات التي تواجهها، إضافة إلى عدد الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة جرائم الفساد، وحجم الأحكام التي لم تُنفذ وأسباب عدم تنفيذها".

وأكد أن هذه الإجراءات، مجتمعة، من شأنها تعزيز قدرة النظام الفلسطيني على ملاحقة الأموال المتحصلة من الفساد، ورفع مستوى الشفافية والمساءلة، وتحويل استرداد الأموال المنهوبة من هدف معلن إلى مسار قانوني ومؤسسي قابل للقياس والمساءلة.

 

خاتمة..

في النهاية، لا يبدو السؤال اليوم: هل تحتاج فلسطين إلى اتفاقيات تعاون قضائي ثنائية لاسترداد أموالها المنهوبة؟
فالإجابة باتت واضحة، وقد أكدت ذلك وزارة العدل والنيابة العامة وهيئة مكافحة الفساد نفسها.

السؤال الحقيقي هو: ماذا ننتظر؟
أكثر من ثلاثة عقود تقريبا مرت على قيام السلطة الفلسطينية، وأكثر من عقد مضى منذ أن أصبحت اتفاقيات التعاون القضائي واسترداد الأموال توصية رسمية متكررة في الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الفساد، فيما ما تزال الاتفاقيات الثنائية التي يُقر المسؤولون أنفسهم بأهميتها غائبة أو في طور الإجراءات.

خلال هذه السنوات، صدرت أحكام قضائية، وتراكمت ملفات، وغادرت أموال إلى الخارج، وبقي جزء منها خارج متناول القضاء الفلسطيني. وفي المقابل، لا تزال المؤسسات الفلسطينية تتحدث عن الحاجة إلى التعاون الدولي، وعن صعوبة اختلاف القوانين، وبطء الاستجابة، وغياب الاتفاقيات الثنائية.

لكن الوقت في قضايا الأموال المنهوبة ليس محايدا، فكل يوم تأخير قد يعني انتقال المال من حساب إلى آخر، ومن شركة إلى أخرى، ومن عقار إلى واجهة قانونية جديدة، بما يجعل استرداده أكثر تعقيدا.

صحيح أن الاتفاقيات الثنائية ليست وحدها الحل، وأن استرداد الأموال عملية قانونية معقدة تتطلب أحكاما وأدلة وتتبعا ماليا وتعاونا مؤسسيا وإرادة سياسية، لكن غياب الأطر القانونية الواضحة مع الدول التي توجد فيها الأموال يترك ثغرة لا يجوز أن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية.

لذلك، فإن المطلوب الآن ليس توصية جديدة تُضاف إلى الاستراتيجيات، ولا وعدا جديدا ببدء الإجراءات، بل جدول زمني واضح، وأولويات معلنة، ومسار تفاوضي سريع لإبرام اتفاقيات التعاون القضائي والمساعدة القانونية المتبادلة، خصوصا مع الدول التي ترتبط بها ملفات وأصول وأموال محل ملاحقة.