
هذا العالم لا يحترم إلا القوة، أما العدالة فتبدو عاجزة أمام حسابات السياسة ومصالحها. وفي قلب هذا المشهد، يقف الشعب الفلسطيني منذ عقود حاملاً وطنه في ذاكرته، وبيته في أحلامه، ومفتاحه في صدره، بينما تتوارث الأجيال حكاية النكبة والتهجير والانتظار.
منذ نكبة عام 1948، وما زال اللاجئ يحمل صورة المكان الذي أُجبر على مغادرته، فيما ينتظر الأسير حريته، وتعيش الأمهات هاجس فقد أبنائهن. وبين جيل وآخر، ظلت فلسطين حاضرة في حياة أجيال متعاقبة، رغم الحروب والمفاوضات والاتفاقات التي تعاقبت على قضيتها.
وفي غزة، تحولت المأساة إلى واقع يومي قاسٍ. بيوت دُمّرت، وعائلات فقدت أحباءها، وأمهات يبحثن عن أبنائهن بين الركام، وأطفال وجدوا أنفسهم أمام الحرب والخوف قبل أن يعرفوا معنى الطفولة. هناك، لم يعد البقاء أمراً طبيعياً، بل أصبح معركة يومية، فيما تتواصل المعاناة أمام عجز المجتمع الدولي عن حماية المدنيين وإنهاء المأساة.
وفي الضفة الغربية، تضيق الأرض بأهلها تحت وطأة الحواجز والاقتحامات والاعتقالات والاستيطان، فيما يواجه المزارعون قيوداً تحول دون وصولهم إلى أراضيهم. ومع ذلك، يبقى البيت والأرض وشجرة الزيتون رموزاً للتشبث بالوطن والهوية.
أما القدس، فتظل في قلب القضية الفلسطينية؛ مدينة تحمل تاريخاً وهوية وذاكرة، ويخشى أهلها على بيوتهم وحقهم في مدينتهم.
وفي الشتات، تكبر أجيال لم ترَ فلسطين، لكنها تعرف أسماء قراها ومدنها من حكايات الأجداد، وتحفظ صور البيوت ومفاتيحها، وكأن العودة حق مؤجل لا تلغيه المسافات ولا تسقطه السنوات.
وسط هذا الواقع، جاء اتفاق أوسلو عام 1993 حاملاً آمالاً بإنهاء الصراع، وتحقيق الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية، إلى جانب معالجة قضايا اللاجئين والقدس. لكن مسار السنوات التالية لم يحقق تلك الآمال؛ إذ استمر الاستيطان، وتعمّق الانقسام الفلسطيني، وظل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعيداً عن الواقع. وهكذا اتسعت الفجوة بين الوعود التي رافقت الاتفاق والنتائج التي عاشها الفلسطينيون، وبقيت التطلعات التي عُلّقت عليه دون تحقيق.
وعلى امتداد العقود، صدرت قرارات دولية عديدة أكدت حقوق الفلسطينيين ودعت إلى احترام القانون الدولي، إلا أن استمرار الاحتلال والاستيطان والصراع أبقى تلك القرارات عاجزة عن إنهاء المعاناة. وهنا تتجلى المفارقة الأكثر إيلاماً؛ عالم يعلن مبادئ العدالة، لكنه يعجز عن تحويلها إلى واقع يعيشه الفلسطيني على أرضه.
وبين النكبة والحرب والمفاوضات، تتواصل المعاناة الفلسطينية بأشكال مختلفة؛ أمٌّ في غزة تبحث عن ابنها، ومزارع في الضفة يتمسك بأرضه، وعائلة في القدس تخشى فقدان بيتها، ولاجئ في مخيم بعيد يصون مفتاح منزله القديم.
ويبقى السؤال الذي لا تستطيع السنوات أن تُسقطه: كم جيلاً يجب أن ينتظر الفلسطينيون؟ وكم أماً يجب أن تفقد أبناءها؟ وكم طفلاً يجب أن يكبر وهو يحمل ذاكرة وطن لم تتح له فرصة العيش فيه؟
فلسطين ليست حكاية تطويها السنوات، ولا جرحاً يشفيه النسيان؛ إنها قضية شعب ما زال يبحث عن العدالة والحرية والكرامة.
وفلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى عدالة تنهي معاناة شعبها، وحرية تحفظ كرامته، وسلام لا يكون اسماً آخر للانتظار.
والفلسطينيون، رغم كل ما مرّ بهم، يحبون الحياة. يحبون أن يزرعوا الزيتون، وأن يفتحوا نوافذ بيوتهم على الصباح، وأن يفرحوا بأطفالهم، وأن يبنوا ما هدمته الحرب، وأن يعيشوا مثل سائر شعوب العالم؛ بأمان وحرية وكرامة.
هم لا يحبون الموت، ولا يبحثون عن الحرب، بل يتمسكون بالحياة لأنها حقهم، وبالأرض لأنها وطنهم، وبالأمل لأنه الشيء الذي لم تستطع كل سنوات الألم أن تنتزعه منهم.
الفلسطينيون يحبون الحياة… ويريدون فقط أن يعيشوها أحراراً، في وطنٍ آمنٍ كريم، كما يحق لكل إنسان على هذه الأرض.