
وطن للأنباء: في مجتمع تتشابك فيه العلاقات العائلية والعشائرية مع تفاصيل الحياة اليومية، يواصل القضاء العشائري حضوره كأحد مسارات معالجة النزاعات واحتوائها قبل أن تتسع دائرة الخلاف، مستنداً إلى منظومة من الأعراف والتقاليد التي تشكلت عبر عقود، وإلى مرجعيات دينية واجتماعية.
ورغم حضور القضاء النظامي وتطور مؤسساته، لا يزال القضاء العشائري يؤدي أدواراً في عدد من المناطق الفلسطينية، لا سيما في جنوب الضفة الغربية، حيث يحتفظ النظام العشائري بمكانة اجتماعية مؤثرة، فيما يرى رجال الإصلاح أن دوره لا ينبغي أن يكون بديلاً عن القضاء المدني، وإنما رديفًاً له في حماية السلم الأهلي ومنع تفاقم النزاعات.
- القضاء العشائري.. إحقاق للحقوق وحماية للسلم الأهلي
ويعرّف الشيخ عبد الكريم غنام، الإمام والخطيب ورجل الإصلاح، القضاء العشائري بأنه مجموعة من القوانين والأعراف المتعارف عليها لدى ذوي الخبرة، مشيراً إلى استناده في جانب كبير منه إلى الدين الإسلامي، وقيامه بأدوار تهدف إلى إحقاق الحقوق ومحاسبة الجناة والظالمين، بما يساهم في الحفاظ على السلم الأهلي والمجتمعي.
ويؤكد غنام أن القضاء العشائري يختلف عن الصلح العشائري، موضحاً أن له أحكاماً وآليات خاصة في التعامل مع القضايا والنزاعات، ويتميز بسرعة الفصل في بعض القضايا وفرض العقوبات والغرامات، خصوصاً في الجرائم الكبيرة.
- بين العرف والشرع.. الحاجة إلى الاعتدال
وفي الوقت الذي يرى فيه غنام أن بعض العقوبات المُغلظة تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، فإنه يشير إلى وجود مبالغات في بعض الأحكام، خاصة عندما تصل الغرامات إلى مبالغ ضخمة، معتبراً أن ذلك قد يخرج عن نطاق ما كلف به الشرع.
ويشدد على أن الأصل هو الاحتكام إلى الدين والقرآن، والأخذ بالعرف عندما لا يتوفر نص شرعي يتلاءم مع الواقعة أو الجريمة، مؤكدًا ضرورة الاعتدال في العرف، بعيداً عن المبالغة في الأحكام والتغريم.
- "سواتي العطوة" والكفلاء.. أدوات لمنع تجدد النزاع
ويشير غنام إلى أن القضاء العشائري يهتم بما يعرف بـ«سواتي العطوة»، إلى جانب وجود «كفيل الدفع» أو «كفيل المنع»، ويوضح أن الكفيل يؤدي دوراً أساسياً في منع تكرار النزاع وضمان التزام الأطراف بما تم الاتفاق عليه.
ويعتبر أن قوة القضاء العشائري تكمن بدرجة كبيرة في الكفلاء، الذين يشكلون ضمانة اجتماعية لتنفيذ الاتفاقات ومنع عودة الخلافات.
ويلفت إلى أن القضاء المدني يأخذ في بعض الحالات بمخرجات القضاء العشائري، بما فيها صكوك العطوة والصلح، معتبراً ذلك مؤشراً على إمكانية التكامل بين المسارين.
- القضاء والإصلاح العشائري.. حضورٌ بارزٌ في جنوب الضفة
ويبرز دور القضاء العشائري بصورة خاصة في جنوب الضفة الغربية، تحديداً في محافظتي الخليل وبيت لحم، حيث لا تزال العشائر تتمتع بحضور اجتماعي واسع، ويجري الاحتكام في بعض القضايا إلى الأعراف والقوانين العشائرية.
ويرى غنام أن هذا الحضور لا يعني إلغاء دور القضاء النظامي، بل يؤكد أهمية وجود منظومة إصلاح اجتماعي، قادرة على التدخل السريع واحتواء الخلافات قبل تحولها إلى نزاعات يصعب السيطرة عليها.
- القضاء العشائري بحاجة إلى مراجعة وتنقيح
وفي ظل التحولات التي يشهدها المجتمع الفلسطيني، يرى غنام أن القضاء العشائري بحاجة إلى مراجعة بعض قوانينه وأحكامه وتنقيحها، ومقاربتها بصورة أكبر مع الشرع والدين الإسلامي.
ويؤكد أهمية إجراء مراجعات واسعة لمنظومة القضاء العشائري، مستنداً إلى ما صدر من كتب ودراسات تناولت العلاقة بين القضائين العشائري والمدني، ومن بينها كتاب للوجيه داوود الزير تناول المقاربات بين القضائين.
كما يدعو إلى وجود إطار قانوني أو تنظيمي يحدد أدوار رجال الإصلاح والعشائر، بما يعزز أدوارهم في حماية السلم الأهلي، دون المساس باستقلال القضاء وسيادة القانون.
- الخاوات والإتاوات.. ظواهر تهدد المجتمع
ولا تقتصر الحاجة إلى تعزيز دور رجال الإصلاح، بحسب غنام، على النزاعات التقليدية، بل تمتد إلى مواجهة الظواهر الاجتماعية المُستجدة، ومن بينها «الخاوات» أو الإتاوات.
ويحذر من أن انتشار هذه الظاهرة من شأنه أن يهز المجتمع ويهدد استقراره، باعتبارها إشكالية مجتمعية هدامة، مشدداً على ضرورة انحسارها ومنع تحولها إلى ظاهرة مستمرة.
ويرى أن لرجال الإصلاح ورجال السلم الأهلي دورٌ مهمٌ في كبح هذه الظواهر، بالتوازي مع دور الأجهزة الأمنية والمؤسسات الرسمية في منع الجريمة وملاحقة مرتكبيها.
- تأهيل رجال الإصلاح.. ضرورة لا ترف
ويشدد غنام على أهمية تثقيف رجال الإصلاح ورجال السلم الأهلي وتأهيلهم، مُعتبراً أن رجل الإصلاح يجب أن يمتلك العلم والخبرة والحكمة، إلى جانب النزاهة والقدرة على الحكم بين الناس بالعدل.
ويقول «ليس كل من قال أنا قاضٍ عشائري هو قاضٍ عشائري»، مؤكدًا أن بعض القائمين على الإصلاح لا يملكون المعرفة الكافية بشؤون القضاء العشائري، الأمر الذي يستدعي برامج للتثقيف والتأهيل.
ويرى أن رجال الإصلاح، من أصحاب العلم والخبرة والدين و«اليد النظيفة»، يمكن أن يؤدوا أدواراً كبيرة في المستقبل، باعتبارهم أحد صمامات الأمان للمجتمع.
- القصاص وتطبيق حكم الإعدام .. بهدف الردع ومنع الجريمة
وفي حديثه عن العقوبات، يرى غنام أن التغريم ودفع الديات لا يكفيان وحدهما لمنع الجريمة وتحقيق الردع، داعياً إلى تطبيق العقوبات الرادعة، ومؤكداً ضرورة القصاص وتطبيق حكم الإعدام من وجهة نظره.
ويعتبر أن العقوبات الرادعة ضرورية للحد من الجريمة ومنع تكرارها، حتى مع وجود اختلافات حول بعض هذه العقوبات في ضوء المواثيق الدولية.
- القضاء العشائري.. رديف للقضاء المدني
ويخلص غنام إلى أن استمرار القضاء العشائري، ضمن ضوابط واضحة وقائمين عليه من أصحاب الكفاءة والنزاهة، يمكن أن يشكل عنصراً مساعداً في حماية السلم الأهلي والمجتمعي.
ويؤكد أن «الاستمرارية هي منجاة للمجتمع»، معتبراً القضاء العشائري رديفًا للقضاء المدني، لا بديلاً عنه، شرط تطوير منظومته، ومراجعة أعرافه وأحكامه، وتأهيل رجال الإصلاح ليكونوا أكثر قدرة على التعامل مع القضايا والنزاعات التي يواجهها المجتمع الفلسطيني.