
قبل أيام احتفل الصينيون بالذكرى السابعة والسبعين لتأسيس جمهوريتهم وراء هذا الاحتفال قصة شعب خرج من قرن من الإذلال والحروب إلى مكانة ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر قوة صناعية وتجارية ورائد في الطاقة المتجددة والقطارات السريعة والذكاء الاصطناعي.
دخلت الصين القرن العشرين ممزقة: حروب الأفيون ومعاهدات مفروضة وأطماع قوى أجنبية تقتطع موانئها ومدنها وصراعات داخلية بين أمراء الحرب ثم جاء الغزو الياباني الذي بدأ باحتلال منشوريا عام 1931 وتوسع إلى حرب شاملة منذ 1937 وخلّف عشرات الملايين من الضحايا بين قتيل وجريح ومشرّد ودمّر مدناً بأكملها وخاضت الصين حرب مقاومة طويلة حتى النصر عام 1945 وكانت من أكثر الدول تضحية في الحرب العالمية الثانية.
بعد الاحتلال جاءت سنوات الحرب الأهلية وفيها استطاع الحزب الشيوعي بقيادة ماو تسي تونغ أن يكسب ثقة الفلاحين الذين يشكلون الغالبية الساحقة من السكان بوعود الحفاظ على الأرض والكرامة والاستقلال وفي الأول من أكتوبر 1949 وقف ماو على بوابة تيانانمن (Tiananmen ) وأعلن تأسيس جمهورية الصين الشعبية وقال عبارته الشهيرة : إن الشعب الصيني «قد نهض» و كانت البلاد خراباً لكنها صارت لأول مرة منذ أكثر من قرن دولة موحدة ذات سيادة لا تملك أي قوة أجنبية أن تقتطع منها شبراً.
بدأت الدولة الجديدة بالإنسان: حملات واسعة لمحو الأمية ونظام صحي وصل إلى القرى وارتفع متوسط العمر المتوقع ارتفاعاً هائلاً في عقود قليلة وغُرست قيم الانضباط والصبر والتحمل والعمل الجماعي وتم بناء قاعدة علمية وصناعية من الصفر حتى امتلكت الصين القنبلة النووية عام 1964 والأقمار الصناعية في السبعينيات وهي ما تزال محاصرة وفقيرة.
ومع قيادة دنغ شياو بينغ منذ 1978 انتقلت الصين إلى مرحلة جديدة قوامها «عبور النهر يبدء بتحسس الحجارة»: تجارب محدودة في مناطق اقتصادية خاصة ثم تعميم ما ينجح و انفتحت على العالم وأخذت ما ينفعها من علمه وتقنياته دون أن تتخلى عن هويتها ونظامها و ثم فتحت أسواقها وصارت شريكاً تجارياً رئيسياً لمعظم دول العالم وأخرجت نحو 800 مليون إنسان من الفقر المدقع وهو إنجاز تصفه الأمم المتحدة والبنك الدولي بأنه غير مسبوق في التاريخ البشري.
ويرى الصينيون أن الديمقراطية تُقاس بقدرتها على خدمة الناس حيث يتدرج القادة داخل الحزب عبر عقود من العمل في القرى والمدن والأقاليم قبل بلوغ القمة فتخرج قيادات صاحبة خبرة إدارية عميقة ويجسّد الرئيس شي جين بينغ هذا المسار فقد أُرسل في شبابه إلى قرية ليانغجياخه الفقيرة في مقاطعة شنشي وعاش سبع سنوات بين الفلاحين ينام في كهوف الطين ويعمل في الحقول ثم تدرّج في مواقع المسؤولية في القرى والمدن والأقاليم حتى قاد البلاد ومن هذه الجذور جاء اهتمامه الدائم بالريف والمزارعين وقاد حملة التخفيف من الفقر المدقع التي أعلنت الصين اكتمالها عام 2020 كما أطلق حملة واسعة لمكافحة الفساد بدأت من القيادات العليا ولم تستثنِ مسؤولين كباراً إلى جانب ملاحقة الفساد في المستويات المختلفة في إطار ما عُرف بملاحقة «النمور والذباب» وطرح فكرة «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد» التي تجمع بين ثوابت الاشتراكية وخصوصية الواقع والتاريخ والثقافة الصينية ولأن النظام لا تحكمه دورات انتخابية قصيرة يخطط بالخطط الخمسية والمشاريع الممتدة لعقود وتظهر النتيجة في استطلاعات دولية تُظهر مستويات رضا مرتفعة عن الحكومة بين المواطنين الصينيين.
وخلال فترة قيادة الرئيس تشي جين بنغ حققت الصين قفزات كبيرة في الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 53.9 تريليون يوان عام 2012 إلى أكثر من 140 تريليون يوان عام 2025 فيما توسعت شبكة السكك الحديدية عالية السرعة من نحو 9,300 كيلومتر عام 2012 إلى نحو 48 ألف كيلومتر لتصبح الصين صاحبة أكبر شبكة للقطارات فائقة السرعة في العالم وفي مجال الابتكار تجاوز عدد براءات الاختراع السارية للاختراعات 6.3 مليون براءة بنهاية عام 2025 وأصبحت الصين من الدول الرائدة عالمياً في البحث العلمي والتكنولوجيا كما أصبحت الصين قوة رئيسية في السيارات الكهربائية والطاقة الجديدة إلى جانب تقدمها في الفضاء والذكاء الاصطناعي والاتصالات والتصنيع المتقدم وهذا الحجم من التحول والإنجازات التي تحققت في عهد رئيس واحد وعلى هذا النطاق وفي هذه المدة لم يحققه رئيس في العالم ولا حتى عبر التاريخ لبلده .
وتقوم الفلسفة الصينية على المنفعة المتبادلة لا الهيمنة ومبادرة الحزام والطريق ربطت عشرات الدول بالموانئ والسكك والطرق والطاقة وقدمت للدول النامية خياراً للتنمية دون شروط سياسية مفروضة وهي تقدّم للعالم رؤية «المصير المشترك للبشرية» بديلاً عن منطق الكتل والعقوبات.
أما الغرب فقد بنت قواه الرأسمالية ثروتها عبر قرون من الاستعمار والرق ونهب الموارد وما تزال تدخلاتها من العراق إلى أمريكا اللاتينية شاهدة على الفجوة بين خطابها وفعلها أما الصين فلم تستعمر أحداً ولم تنهض على موارد غيرها بل على جهد أبنائها وصبرهم وقد اختصرت في عقود ما احتاجته غيرها قروناً وحماية فضائها الرقمي والاقتصادي كانت دفاعاً عن السيادة في وجه الأجندات الخارجية.
ومن أنقاض الحرب والاحتلال إلى قيادة الصناعة والتقنية في العالم قطع الشعب الصيني في 77 عاماً طريقاً لم يقطعه شعب آخر بهذه السرعة وهو درس لكل أمة تؤمن بأن النهضة تبدأ ببناء الإنسان ثم بالصبر والتخطيط والإرادة.