من الدبكة إلى المسرح والسينما.. رائد خطاب: "الشغف هو الأكسجين الذي نكمل به"

04/10/2026

وطن للأنباء: من الدبكة الشعبية التي بدأت ملامحها الأولى في طفولته، إلى خشبة المسرح ومسرح الدمى والسينما، امتدت رحلة الفنان والمدرب المسرحي الفلسطيني رائد خطاب، حاملاً معه شغفاً لم يتوقف عند حدود الفن، بل تحول إلى مساحة للتعبير عن الإنسان والذاكرة والهوية والوطن وقضايا المجتمع.

وخلال استضافته في حلقة جديدة من برنامج "شغف" عبر شبكة وطن الإعلامية، برعاية الجامعة العربية الأمريكية، استعاد خطاب محطات أساسية من تجربته الفنية، بدءاً من طفولته وعلاقته بالدبكة الشعبية، وصولاً إلى المسرح والتمثيل ومسرح الدمى والسينما.

وقال خطاب إن علاقته الأولى بالدبكة ارتبطت بخاله الفنان محمد عطا، أحد مؤسسي فرقة الفنون الشعبية، حيث كان يحضر تدريبات الفرقة في بلدة بيرزيت، في فترة الانتفاضة الأولى، ويتابع الرقصات والأغاني الشعبية التي كانت تحمل، إلى جانب بعدها الفني، حكايات الشعب الفلسطيني وذاكرته.

وأوضح أن تلك التجربة المبكرة جعلته يدرك أن الفن ليس مجرد أداء، بل وسيلة للتواصل مع المجتمع وحمل رسائله، مؤكداً أن الفن والجسد والموسيقى والكلمات تحمل رسائل شعبها.

ومع بداية انتفاضة الأقصى، شارك خطاب إلى جانب مجموعة من الشباب والصبايا، وبمرافقة المدرب محمد خطاب، في تأسيس فرقة "وشاح"، للرقص الشعبي، انطلاقاً من رغبة مجموعة من الشباب في أن يكونوا جزءاً من المشهد الثقافي والفني الفلسطيني، وأن يجدوا لأنفسهم مساحة على خشبة المسرح.

إلا أن مسيرته مع الفرقة توقفت مؤقتاً بعد اعتقاله، قبل أن يواصل الفن حضوره في حياته حتى داخل الأسر، حيث كان يستعيد في ذاكرته الأغاني والرقصات التي تدرب عليها، ويستمد منها طاقة تساعده على الاستمرار.

وقال خطاب إن تجربة الاعتقال لم تكن سهلة، خصوصاً أنها جاءت قبل العرض الأول لفرقة "وشاح"، لكنه رأى في استمرار الفرقة وتقديم عروضها في محافظات الوطن دليلاً على قدرة الفن على الاستمرار رغم الظروف الصعبة.

من الدبكة إلى خشبة المسرح

بعد خروجه من الأسر، اتسعت علاقته بالفن، ولم تعد الدبكة وحدها كافية بالنسبة له للتعبير، فانتقل تدريجياً إلى المسرح، الذي منحه، بحسب وصفه، مساحة أوسع للتعبير عن الأفكار والمشاعر.

وأشار إلى أن مشاركته في عرض "قمر وسنابل" كانت من التجارب التي جعلته يكتشف إمكانات المسرح، خصوصاً في الجمع بين الغناء والدراما والرقص، لافتاً إلى أن الانتقال من التعبير بالجسد في الدبكة إلى التعبير بالشخصية والكلمة وتفاصيل الوجه على المسرح جاء بالنسبة له بصورة طبيعية.

وأضاف أن الجسد نفسه يمتلك لغة قادرة على التعبير عن الحزن والفرح والندب والتواصل، فيما تضيف الكلمات والشخصية المسرحية مستويات أخرى من التعبير.

مسرح الدمى.. العودة إلى الطفولة

ومن بين المحطات التي تركت أثراً خاصاً في تجربته، جاءت تجربة مسرح الدمى، التي قال إنها لم تكن مخططة في البداية، لكنها تحولت إلى واحدة من أجمل التجارب في حياته.

وأوضح أن مسرح الدمى أعاده إلى طفولته وإلى البرامج التي كان يتابعها، كما منحه فرصة للتواصل مع الأطفال في مختلف مناطق الضفة الغربية، بما فيها المخيمات والمدن والتجمعات البدوية.

ولفت إلى أن تفاعل الأطفال مع شخصيات الدمى كشف له قوة هذا النوع من المسرح، وقدرته على بناء جسر مباشر مع الأطفال، مشيراً إلى أن الدمى تستطيع تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية والوصول إلى الطفل أينما كان.

واستذكر مشاركته في عروض خارج فلسطين، من بينها عرض في البحرين وآخر في السويد، مؤكداً أن الدمى استطاعت إيصال الحكاية حتى عندما لم تكن اللغة مشتركة بشكل كامل بين الفنانين والجمهور.

السينما.. حكايات الأسرى أمام العالم

وانتقل خطاب لاحقاً إلى عالم السينما، من خلال مشاركته في الفيلم الفلسطيني "اصطياد أشباح" للمخرج رائد أنضوني، الذي تناول حياة الأسرى الفلسطينيين بعد تحررهم من المعتقلات.

ووصف خطاب التجربة بأنها محطة استثنائية، موضحاً أن مجموعة من الشباب الذين خاضوا تجربة الأسر وجدوا أنفسهم للمرة الأولى أمام الكاميرا، لكن القصص والتجارب الشخصية التي خرجت أثناء التصوير دفعت المخرج إلى إعادة النظر في السيناريو المكتوب.

وقال إن الحكايات الواقعية التي استعادها الأسرى كانت أقوى من الكلمات المكتوبة، لأنها نابعة من تجربة عاشوها فعلياً، معتبراً أن المشاركة في الفيلم شكلت، بالنسبة له، مساحة لاستعادة قصص الأسرى ومشاعرهم والتعامل مع آثار التجربة التي بقيت معهم "كأشباح".

كما أتاحت السينما، بحسب خطاب، وصول الحكاية الفلسطينية إلى جمهور أوسع حول العالم، من خلال مشاركات الفيلم في مهرجانات دولية.

الفن في مواجهة العنف والذاكرة

وفي المسرح، شارك خطاب في أعمال متعددة تناولت قضايا فلسطينية وإنسانية، من بينها "رجال في الشمس"، و"جوهرتي الثمينة"، التي تناولت قضية العنف داخل الأسرة، إضافة إلى عمل "الشهداء يعودون إلى رام الله" الذي تناول قضية جثامين الشهداء الفلسطينيين المحتجزة.

وأكد أن المسرح قادر على إحداث تغيير في المجتمع، لكنه يحتاج إلى دعم وتكثيف للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس.

وحول تجربته في "جوهرتي الثمينة"، أشار إلى أهمية تسليط الضوء على العنف داخل الأسرة، باعتبار أن العائلة تشكل نقطة أساسية في المجتمع الفلسطيني، مؤكداً أن رؤية المشكلات ومواجهتها عبر الفن يمكن أن تفتح المجال أمام تغييرها.

أما في "الشهداء يعودون إلى رام الله"، فوصف التجربة بأنها لم تكن سهلة على فريق العمل، نظراً لحساسية الموضوع وقربه من الواقع الفلسطيني، مشيراً إلى استخدام كلمات الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني في العمل، وإلى التفاعل الكبير من الجمهور الذي تراوح بين الضحك والبكاء والتأثر.

"الشغف هو الأكسجين الذي نكمل به"

وعند سؤاله عن معنى الشغف بالنسبة إليه، اختصر خطاب فلسفته في الفن والحياة بجملة واحدة: "الشغف هو الأكسجين الذي بنقدر نكمل فيه".

وقال إن الظروف المحيطة قد تكون أكثر صعوبة، وإن الواقع الفلسطيني يفرض تحديات يومية، لكن الشغف يبقى بالنسبة له قوة تدفعه إلى الاستمرار، مضيفاً أن الإنسان قد يمر بلحظات صعود وهبوط، لكن عليه أن يتمسك بشغفه وأمله.

وأكد خطاب أن مفهومه للشغف لم يتغير رغم تغير الظروف، مشيراً إلى أن ابنته وأطفال الجيل الجديد يمثلون بالنسبة له امتداداً لهذا الشغف، وأن الفن، سواء عبر المسرح أو الدمى أو أي شكل آخر، يستطيع أن يمنح الفلسطينيين مساحة للاستمرار.

وعن موقع الفن في حياته، قال خطاب إنه يراه "طريقة حياة"، وليس مجرد مهنة أو وسيلة للتعبير، مؤكداً أن الفن بالنسبة له حاضر في تفاصيل حياته، وأنه لو أتيح له أن يعيش التجربة من جديد، لاختار المسرح والدبكة ومسرح الدمى والسينما مرة أخرى.

وفي ختام الحلقة، بدت رحلة رائد خطاب نموذجاً لشغف بدأ بخطوات صغيرة في عالم الدبكة الشعبية، ثم اتسع ليشمل المسرح والدمى والسينما، قبل أن يتحول إلى مشروع فني يحمل حكايات الناس وذاكرتهم وأسئلتهم وقضاياهم.

فبالنسبة لخطاب، لا يبدو الفن منفصلاً عن الحياة، بل هو إحدى طرق مواجهتها، وفهمها، وإعادة سرد حكاياتها، وربما منحها فرصة أخرى لأن تُسمع وتُرى.