
سعدت بقراءة خبر عبر وسائل التواصل الإجتماعي والإعلامي عن إستقبال الرئيس الفلسطيني وفد الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين، بتاريخ 4 أكتوبر 2026، في مقر الرئاسة بمدينة رام الله، حيث أطلع الوفد الرئيس الفلسطيني على جهود الهيئة في متابعة حالة حقوق الإنسان في فلسطين عبر تعزيز منظومة حقوق الإنسان وسيادة القانون والمساءلة والشفافية. وبدوره أكد الرئيس الفلسطيني على "أهمية الدور الذي تضطلع به الهيئة لمتابعة أوضاع حقوق الإنسان في فلسطين، وتعزيز المساءلة والشفافية، مشدداً على ضرورة حماية حقوق المواطن الفلسطيني وصون كرامته، وتطبيق القانون على الجميع دون إستثناء". ويحث اللقاء، بحسب ما جاء في وسائل إعلامية "سبل تعزيز التعاون والتنسيق ما بين المؤسسات الرسمية والهئية بما يعزز ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان والحريات العامة وسيادة القانون والمساءلة والشفافية".
لا أريد أن أكون غير متفائل من بعض التصريحات التي تصدر عن الساسة الفلسطينيون بين الحين والأخر، ولكن لا بد من التذكير أن حقوق المواطنة لا تنتقص، وأن ما يجري على فلان يجب أن يجري على الجميع دون إستثناء، فالمواطنة حق مكفول للجميع بحسب القوانين والأعراف المحلية والدولية على حد سواء، وأن معيار نجاح ذلك هو تحقيق وتجسيد المساواة في الحقوق والواجبات. وفي هذا السياق، لا بد من ربط تلك المفاهيم والتصريحات بالواقع الفلسطيني، وخاصة أننا في فلسطين بأمس الحاجة، بحكم الخصوصية التي نعيشها، لتعزيز تلك المبادئ والمفاهيم التي نطالب العالم ومؤسساته الدولية بضرورة تطبيقها على الشعب الفلسطيني كشعب يعيش تحت الإحتلال المباشر ويعاني من إجراءاته التعسفية بشكل يومي. لذلك لا بد أن نكون نحن كفلسطينيين الأحرص على تطبيق وتفعيل ذلك قبل غيرنا بشكل "حازم وفعال".
في الرابع عشر من حزيران عام 2020، رحل عنا "الأخوين الديك" في حادثة أليمة وقعت في بلدة كفرالديك بمحافظة سلفيت نتيجة إخفاق الدفاع المدني الفلسطيني في إنقاذهما من داخل بئر ماء في منزلهما أثناء قيامهما بتنظيفه للحصول على مياة شرب نقية، بعد إنقطاع الإكسجين عنهما. وفي هذا السياق، خرج محافظ سلفيت السابق بتصريحات للإعلام مفادها أن "الأخوين الديك" تواجدوا في بئر أثري ويبحثون عن الأثار في ساعات متأخرة من الليل". وفي السياق ذاته، قام المحافظ انذاك بتشكيل لجنة تحقيق رسمية، من مدراء الأجهزة الأمنية في المحافظة للتحقيق في الحادثة بعد أن أصدرت فعاليات وقوى وأهالي بلدة كفرالديك بياناً للرأي العام حملوا فيه طاقم الدفاع المدني الفلسطيني المسؤولية الكاملة عن الإخفاق في إنقاذ "الأخوين الديك" من ناحية قلة الجهوزية والعتاد والوصول في وقت متأخر للمنزل، وأيضاً طالبوا الجهات الرسمية في محافظة سلفيت الكف عن إتهام الضحية بالمسؤولية عما حدث وتلفيق التهم لهم بهدف طمس الحقيقة وتضليل الرأي العام، مطالبين بضرورة التروي في إصدار الأحكام المسبقة وعمل لجنة تحقيق مستقلة تهتم بإجراءات الإنقاذ وما رافقها من إخفاق قبل إتهام "الأخوين الديك" وتحميلهم مسؤولية ما حدث.
في الثاني والعشرين من شهر نوفمبر عام 2020، أصدرت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" في فلسطين، تقرير تقصي حقائق بحادثة وفاة "الأخوين الديك"، وجاء فيه "أن الدفاع المدني الفلسطيني يتحمل مسؤولية وفاة عمار وضياء الديك بعد الإخفاق في إنقاذهما من داخل بئر ماء منزلهما، نتيجة الضعف الشديد في الإمكانيات من حيث عملية التواصل وسرعة الإستجابة، وقلة الجهوزية والعتاد وغياب البروتوكلات للتعامل مع الحادثة. وأضاف التقرير أن هناك غياب لممثل عن العائلة أو خبير إنقاذ في لجنة التحقيق الرسمية التي شكلها المحافظ انذاك، وعدم إجراء الدفاع المدني الفلسطيني تحقيقاً داخلياً بالحادثة والإكتفاء باللجنة الرسمية التي شكلها المحافظ السابق. لذلك طالبت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان محافظ سلفيت بضرورة إعادة صياغة تقرير لجنة التحقيق الرسمية ونتائجه، والتركيز على الإخفاق المؤسسي لجهاز الدفاع المدني الفلسطيني في الإنقاذ بدلاً من تحميل الضحية مسؤولية ما حدث. وكذلك، طالبت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان قيادة الدفاع المدني الفلسطيني بإجراء تحقيق داخلي حول الحادثة وبيان الخروقات فيها لإستقاء العبر والدروس منها. وعليه، لم تتم الإستجابة من قبل الجهات الرسمية المذكورة لتلك المطالب، وكأن شيئاً لم يحدث. مرفق تقرير الهيئة المستقلة بالحادثة للإطلاع على تفاصيلها:
https://www.ichr.ps/public/page/122148
والجدير بالذكر، أن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" في فلسطين، قد تشكلت بموجب مرسوم رئاسي أصدره الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في سبتمبر 1993، علماً أن قرار النشر جاء تحت رقم 59 للعام 1995، في الجريدة الرسمية للسلطة الفلسطينية، حيث ياشرت الهيئة أعمالها في بداية عام 1994، وذلك تطبيقاً للمادة 31 من القانون الأساسي الفلسطيني والذي أقره المجلس التشريعي عام 1997 "تنشأ بقانون هيئة مستقلة لحقوق الإنسان، ويحدد القانون تشكيلها ومهامها وإختصاصها، وتقدم تقاريرها لكل من الرئيس الفلسطيني والمجلس التشريعي على حد سواء". وفي هذا السياق، فإن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان قامت وتقوم بواجبها المؤسساتي تجاه حالة حقوق الإنسان الفلسطيني، كحادثة "الأخوين الديك"، بشكل مهني ومستقل تحقيقاً لدورها القانوني والإنساني والوطني، وتجسيداً للشفافية والمساءلة وتطوير برامج الإصلاح والحوكمة للمؤسسة الرسمية والقائمين عليها. في المقابل، هل الجهات الرسمية والساسة الفلسطينيون يقومون بالدور الفعال ذاته للتحقق من تلك التقارير وبالتالي مراجعة أداء العاملين في المؤسسات الرسمية للتأكد من أن حالة حقوق المواطن الفلسطيني فعالة كما يجب، وعندئذ تحقيق مبدأ المساءلة والشفافية على كل مقصر في واجباته!.
في المحصلة، خلصت تلك المقالة بجملة من التساؤلات التي يجب على الرئيس الفلسطيني الإجابة عليها، وتقع على عاتقه مسؤولية حماية حالة حقوق الإنسان الفلسطيني أمام أداء القائمين على العمل داخل المؤسسة ذاتها: لماذا لم يتم الإهتمام والإكتراث من قبل مؤسسة الرئاسة بتقرير تقصي الحقائق الصادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين بحادثة وفاة "الأخوين الديك"، علماً أن قامت الهيئة بإرسال نسخة منه لمكتب الرئيس الفلسطيني أنذاك؟ ما هو السبب وراء عدم إهتمام وإكتراث هيئات الرقابة الرسمية، هيئة مكافحة الفساد وديوان الرقابة المالية والإدارية، بنتائج ومخرجات تقرير تقصي الحقائق الصادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بحادثة "الأخوين الديك"؟ أين حماية حقوق الإنسان الفلسطيني وصون كرامته عندما يتم إتهام "الأخوين الديك" بتهم غير واقعية ولم يثبت بالقانون وجودها، من قبل محافظ على رأس عمله، علماً أنه يمثل الرئيس الفلسطيني بموقعه، ولم يقدم اي إعتذار للناس المتضررة نتيجة تصريحاته، أو أن تتم مساءلته أو مراجعته بالأمر من قبل جهات الرقابة ومسؤوله المباشر، وكأنما شيئاً لم يحدث؟ أين تطبيق القانون على الجميع دون إستثناء وقضية "الأخوين الديك" مازالت تنظر في محكمة بداية رام الله منذ مايو 2021 ليومنا هذا دون بت أو إتخاذ قرار؟ وأخيراً، أين إستشراف مستقبل تعزيز التعاون والتنسيق ما بين المؤسسات الرسمية والهئية المستقلة لحقوق الإنسان بهدف ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون والمساءلة والشفافية عندما يتعلق الأمر بقضية "الأخوين الديك"؟
وعليه، مطلوب من الرئيس الفلسطيني متابعة نتائج ومخرجات تقرير تقصي الحقائق بحادثة وفاة "الأخوين الديك" الصادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين بهدف تعزيز سيادة القانون على الجميع دون إستثناء وتجسيد مبدأ المساءلة تجاه كل المقصرين والمعتدين على حقوق الناس وكرامتهم، وصولاً لتحقيق تقدم في برامج الإصلاح والحوكمة الفلسطينية المعلن عنها، وما دون ذلك يبقى حبراً على ورق أو صورة للمباهاة.
د. علاء سليمان الديك: باحث وأكاديمي بالشأن الصيني والدولي