بيسان عدوان تكتب لوطن: أمين معلوف والمثقف الذي لا ينجو من العاصفة بالوقوف على حافتها

03/10/2026

حين تهدأ العاصفة، لن تتذكر كيف تجاوزتها، ولن تتأكد حتى إن كانت قد انتهت حقًا. لكن شيئًا واحدًا مؤكد: عندما تخرج من العاصفة، لن تكون الشخص نفسه الذي دخلها. وهذا هو معنى العاصفة.

هاروكي موراكامي، كافكا على الشاطئ
جاءت طوفان غزة وشهدنا جميعا ولا نزال الإبادة الجماعية التي يتعرض لها أهلنا هناك، يوم بعد يوم، ساعة بعد ساعة، دقيقة بعد دقيقة، في كل نفس وشهقة فهمنا جميعًا، كتّابًا وقرّاء، أن لا أحد يقف خارجها حقًا، كلنا تغيرنا، ليس فقط أهلنا في قطاع غزة ولا الفلسطينيين أينما كانوا، بل كل من يقف على الحافة يتغير هو الآخر. تتغير لغته، وتتغير علاقته بما يكتب، ويتغير معنى صمته وكلامه.
لهذا لم أكتب هذا المقال لأحاكم أمين معلوف، كتبته لأسأل سؤالًا أكبر منه ومني: ما دور المثقف حين تتحول المأساة إلى امتحان؟ وهل يبقى المثقف مثقفًا إن اختار ألا يشتبك؟

في الغياب حضور أيضًا فلماذا انسحبت
صبيحة الرابع والعشرون من سبتمبر أعلنت انسحابي من معرض في يوتبوري للكتاب لعام 2026 وأعلنت مقاطعتي له، بعدما وجدت أنني لا أستطيع أن أقرأ الشعر في فضاء ثقافي يمنح، في الوقت نفسه، منصة لمتحدث عسكري إسرائيلي مثّل الجيش ودافع عن عملياته أمام العالم خلال حرب غزة.
لم يكن القرار سهلًا، فالانسحاب يعني التخلي عن منصتي، لكنني أؤمن بأن هناك لحظات يصبح فيها الحضور موقفًا، كما يصبح الغياب موقفًا، انسحبت أيضا الشاعرة المصرية الكبيرة إيمان مرسال في اليوم نفسه، ظل الروائي اللبناني أمين معلوف في المعرض وأقام ندوته ولم يغطيها أحدا، وتساءلت إحدى المثقفات العربيات لماذا لم يهتم الاعلام السويدي ولا العربي بندوته أو الحديث عنه، ربما يمكن أن نوجه السؤال الي الضفة الأخرى ليس سؤال الكاتب الكبير لماذا لم تنسحب بل السؤال الأهم أين يقف المثقف الكبير حين تصبح الثقافة نفسها موضع سؤال أخلاقي؟

لا أعرف لماذا لم ينسحب أمين معلوف. ولم أعثر، حتى كتابة هذه السطور، على تصريح مباشر منه يشرح موقفه من الاعتراضات الحالية أو من قرار بعض الكتّاب الانسحاب. لذلك لن أنسب إليه ما لم يقله، لكن غياب التفسير لا يلغي حقنا في السؤال، فمن يختار البقاء في منصة موضع احتجاج يتخذ قرارًا له دلالة عامة، كما يتخذ المنسحب قرارًا له دلالة، والمكانة الثقافية ليست امتيازًا فقط، بل مسؤولية أيضًا.

ما معنى "المثقف المشتبك"؟
شاع هذا التعبير في الوعي الفلسطيني، وارتبط باسم باسل الأعرج، للدلالة على المثقف الذي لا يكتفي بتحليل الواقع من بعيد، بل يدفع ثمن فهمه له، وقبله جاءت أصوات كثيرة في تراثنا، من غسان كنفاني إلى إدوارد سعيد، ربطت بين الكلمة والموقف، وبين المعرفة والمسؤولية أمام السلطة والقوة.
لا أقصد بالاشتباك أن يتحول المثقف إلى ناشط محترف، ولا أن يكتب الأدب وفق قائمة مواقف إلزامية. ذلك موت للأدب، أقصد شيئًا أبسط وأصعب: ألا يتعامل مع المأساة أو المجازر والابادة الجماعية كأنها موضوع، وأن يعترف بأنه فيها.
هناك فرق بين استقلال الكاتب وبين وهم أن المثقف الكبير يستطيع الوقوف دائمًا فوق الصراع، في منطقة أخلاقية لا تمسها الأحداث، في المآسي الكبرى، حتى اختيار المسافة يحتاج إلى مساءلة.
فالصمت ليس غيابًا للكلام فقط. أحيانًا يصبح جزءًا من الطريقة التي يستمر بها الوضع الطبيعي، وكلما ازدادت سلطة المثقف الرمزية ازدادت قيمة كلمته، فصار غيابها أوضح. صمت كاتب صغير ليس كصمت شخصية تحتل موقعًا مركزيًا في الحياة الثقافية الفرنسية والعالمية.

المشكلة ليست جديدة والمنصة ليست جدرانًا
قرأنا أمين معلوف وهو يحذر من اختزال الإنسان في هوية واحدة، وكان لذلك الفكر أثر حقيقي، لكنني اليوم، كفلسطينية أو لبنانية أو يمنية، أسأل: ماذا يحدث حين لا تعود الهوية سؤالًا فلسفيًا؟ حين لا يكون الفلسطيني موضوعًا في كتاب عن الانتماء، بل إنسانًا يبحث عن الطعام والماء ومكان لا تسقط عليه القنابل؟
هنا لا تكفي اللغة الجميلة عن التعايش، ولا المسافة الفكرية الآمنة، اللغة التي لا تقترب من الألم حين يبلغ هذا الحجم تخاطر بأن تتحول من أداة لكشف العالم إلى وسيلة للهروب منه.
لم يبدأ سؤالنا للكاتب الكبير من يوتبوري 2026، ففي عام 2016 ظهر أمين معلوف في مقابلة على قناة i24 الإسرائيلية. أثار ذلك جدلًا واسعًا في لبنان، وطالبت حملة المقاطعة هناك باعتذاره معتبرة أن ظهوره يمنح وسيلة إعلام إسرائيلية شرعية، بينما دافع آخرون عنه باسم الحوار والانفتاح.
كان ذلك قبل عشر سنوات. واليوم نحن أمام عالم مختلف جذريًا وغزة مختلفة جذريًا. لا يكفي أن نستدعي كلمة "الحوار" كأنها جواب نهائي. الحوار قيمة، لكنه ليس بريئًا من المكان والزمان والقوة، ليس كل لقاء حوارًا، وليست كل منصة محايدة، وليس كل رفض لمنصة خوفًا من الرأي الآخر.
يمكن لمعرض الكتاب أن يقول إن فيه آلاف الفعاليات وإن كل عارض مسؤول عن برنامجه، كما خرج علينا مدير معرض يوتبوري تبريره لاستضافة الناطق العسكري الإسرائيلي، لكن الرد ببساطه هو أن المؤسسة الثقافية ليست جدرانًا تؤجَّر بالمتر، المنصة تمنح جمهورًا وسياقًا ومكانة وشرعية رمزية.
لهذا رفضت أن أكون جزءًا من المشهد، لم أرد أن تُستخدم قصيدتي الفلسطينية في قاعة لتقديم صورة عن التنوع الثقافي، بينما يُقدَّم في قاعة أخرى خطاب عسكري داخل الفضاء نفسه، الفلسطيني ليس شهادة تنوع تعلقها المؤسسة على صدرها، والمثقف ليس قطعة ديكور أخلاقية.

حرية الرأي والتعبير والحوار ذريعة واهية
تحت شعار "حرية الرأي والتعبير والحوار مع الآخر" يطلب منا كمثقفين أن نقبل بوجود الناطق العسكري الإسرائيلي في احتفالية ثقافية كبيرة أو صغيرة، هذه ذريعة واهية وفاسدة ومردود عليها، فحرية التعبير وُجدت لتحمي من لا يملك السلطة من أن يُسكَت، لا لتمنح منصة إضافية لمن يملك الجيش والإعلام والرواية الرسمية.
أما الحوار يفترض أن يقوم به طرفين يتبادلان الحجة وهما مستعدان للتأثر بها، أما الناطق العسكري فلا يأتي ليتحاور، بل ليدافع عن عمليات جيشه ويجمّلها، وظيفته هي الدفاع عن السياسة لا مراجعتها، فما الذي يبقى من الحوار حين يكون أحد طرفيه مكلفًا مسبقًا بالرواية التي لن يحيد عنها؟
وهنا أسأل أمين معلوف في حواره لقناة إسرائيلية، وأسأل نفسي وكل كاتب: الحوار بين من ومن؟ وتحت أي شروط؟ وعلى أي أرضية من القوة؟ هل يصير ما يحدث حوارًا لمجرد أن شخصين جلسا على منصة؟ وهل ينتقل الخطاب العسكري إلى خطاب ثقافي لمجرد أنه دخل معرض كتاب؟
إن كانت الإجابة نعم، فقد جعلنا من "الحوار" كلمة سحرية تمحو كل علاقة بالقوة والمسؤولية.
وأوضح هنا نقطة أساسية: لا أرفض الحوار مع اليهود لأنهم يهود، فكثير منهم يقفون ضد الإبادة في غزة والتطهير العرقي في الضفة، ويتصدرون الاحتجاجات في عواصم العالم، ومنهم من يرفع شعار "فلسطين حرة من النهر إلى البحر". هؤلاء شركاء في الضمير، وموقفهم يستحق الاحترام، لكن أرفض الحوار والبقاء في مكان يسمح به للصهيوني والإسرائيلي الذي يعيش داخل المنظومة الاستعمارية ويستفيد من امتيازاتها ويبرر قتل العرب والفلسطينيين سواء كان علماني أو متدين، يساري أو يميني.
ربما يختلف معي أمين معلوف تمامًا، وهذا حقه، وربما لديه تفسير لا أعرفه، لهذا لا أكتب لأدين الرجل، بل لأطالب بالكلمة التي تليق بمكانته: ماذا يعني الحوار بالنسبة إليه اليوم؟ هل توجد لحظة تصبح فيها المقاطعة موقفًا أخلاقيًا مشروعًا؟ هل توجد حدود لما ينبغي للمؤسسات الثقافية أن تمنحه منصة؟ هل يرى فرقًا بين محاورة مواطن إسرائيلي ومنح فضاء ثقافي لممثل مؤسسة عسكرية؟ وما مسؤولية المثقف أمام غزة اليوم؟
هذه ليست أسئلة استجواب، بل أسئلة موجهة إلى كاتب جعل من الإنسان والهوية والتاريخ مشروع حياته.
العاصفة لا تستأذن
يمكن للكاتب أن يقول: مهمتي الأدب، وأنا أفهم ذلك، أنا أيضًا أريد أن أكتب الشعر بدل أن أقضي وقتي في بيانات الانسحاب، أريد أن نختلف حول اللغة والجمال والذاكرة، لكن الفلسطيني لا يملك دائمًا رفاهية اختيار اللحظة التي يدخل فيها التاريخ غرفته، أحيانًا يدخل من دون استئذان.
وحينها لا يعود السؤال: هل نريد أن نتخذ موقفًا؟ بل: ماذا يقول موقفنا، بما في ذلك صمتنا وحضورنا وغيابنا؟
انسحبت من معرض يوتبوري لأنني لم أستطع أن أطلب من قصيدتي ما لا أستطيعه أنا أخلاقيًا: أن تتظاهر بأن الغرفة المجاورة لا تعنيني، ولا أطلب من أمين معلوف أن ينسحب لأنني انسحبت، أطلب منه، كقارئة وكاتبة فلسطينية، شيئًا أراه أبسط وأصعب: أن يقول لنا أين يقف.
فقد قرأناه طويلًا وهو يسأل ماذا تفعل الهويات بالإنسان، واليوم، أمام غزة، يحق لنا أن نسأل أحد أهم مثقفينا:
ماذا يفعل المثقف حين يُمتحن الكلام نفسه؟ وهل يخرج من العاصفة كما دخلها؟