الحب في زمن البراميل المتفجرة

03/10/2026

كتب حمزة البشتاوي: منذ ما قبل حرب الإبادة المسعورة على قطاع غزة بثلاث سنوات، وُلدت في حي الفراديس بمدينة بيت لاهيا، المعروفة بجمالها الساحر الذي لا يُنسى، وبذاكرتها الخضراء على مرّ الفصول، قصة حب بين فاتن حمودة وأحمد الدحنون، الذي يسكن حاليًا، بسبب الحرب، في خيمة مجاورة لخيمة عائلة فاتن، ويلتقيان من وقت إلى آخر في طابور المياه، بعد أن كانا قبل الحرب يلتقيان بالقرب من شجرة الجميز الضخمة التي تُثمر سبع مرات في السنة.

لكن ظروف الحرب فرضت عليهما النزوح والسكن في خيام متجاورة في حي النصر بمدينة غزة، ومن ثم في خيام منطقة مواصي خان يونس. ومنذ النزوح الأول، كان أحمد يبحث عن فاتن كي يلتقي بها دون أي خوف من البراميل والطائرات والمدافع والدبابات، وكان خوفه الأكبر أن يموت دون أن يلتقي بها ويخبرها عن مدى حبه لها، وأنه بالحب يقاوم من أجل اللقاء والبقاء، الذي بات أشبه بمعجزة.

خلال حرب الإبادة، وبينما كانت السماء تمطر نارًا، استُشهد أكثر من 35 ألف نسمة من سكان بيت لاهيا، التي تعرضت لدمار هائل في المنازل والبنى التحتية والمنشآت المدنية والخدمية. كما وُجدت في شوارع بيت لاهيا أعداد كبيرة من الشهداء دهستهم الدبابات الإسرائيلية، وشهدت المدينة أيضًا عمليات نسف وتدمير وزرع براميل متفجرة بين البيوت، وما زالت أصوات تلك البراميل حتى الآن تسبب الخوف والقلق، مثلها مثل «الزنانة» فوق الخيام وفي كل مكان.

كان أول لقاء بين أحمد وفاتن بعد النزوح ومغادرة البيوت في ساحة مستشفى كمال عدوان، وكانت فاتن التي كان يسميها «تفاحتي». وبين هدير الطائرات وأصوات البراميل المتفجرة، قال لها: «أخاف أن نفترق أو يفرقنا الموت. لا أريد ذلك، ولا أريد أن أعيش وجع الحرب ولوعة الانتظار. أريد أن يبقى الحب جزءًا من حكايتنا، ومن حكايات بيت لاهيا وغزة والبحر والشوارع والحدائق والمقاهي والأحلام».

وما إن أنهى كلامه حتى عاد القصف مجددًا، وافترقا مع عائلتيهما، وانقطع التواصل بينهما، إلى أن أرسل أحمد لفاتن رسالة عبر الهاتف قال لها فيها: «هل ما زلت تحبينني؟».

تأخرت في الإجابة، ثم قالت: «أنا بخير ما دمت بخير».

كان الغرض من الرسائل بينهما هو التأكيد على أنهما ما زالا على قيد الحياة والحب، الذي هو بالنسبة إلى فاتن وأحمد فعل من أفعال الأمل. وعلى هذا الأمل، كانت فاتن في الخيمة تواسي نفسها بالأغاني التي تخفف من أوجاع الحرب والقهر، وتغطي على أصوات البراميل المتفجرة في ليالي غزة التي أصبحت أطول من خوف الأطفال والأمهات.

ومن أحب الأغاني إلى قلب فاتن «إلا أنت» بصوت نجاة الصغيرة، وأغنية «هي ساعة زمن» بصوت ميادة الحناوي، وغيرها من الأغاني التي تمنح وقتها الدامي وحكايتها وجهًا إنسانيًا رهيفًا.

وكان أحمد يقضي معظم وقته خارج الخيمة، حيث الليل بارد وطويل، والهواء يحرك أطراف القماش، وأصوات الناس تختلط بحفيف النايلون وبكاء الأطفال. ويحاول أن يواجه ساعات الحرب بالكثير من الأمنيات والنهايات السعيدة لحكاية حب عمرها ساعة، مليئة بالذكريات التي لا تشيخ ولا تموت.

أصبحت الذكريات بالنسبة إلى فاتن وأحمد هي الوطن الذي يسكن في الأغاني، ومصدرًا للحنين والفرح الممكن في زمن الموت والجوع والبراميل المتفجرة والطائرات والدبابات المتوحشة، التي لم تستطع منع العشاق من التمسك بالحياة وسط النزوح والقصف.

وتحوّلت هدايا العشاق من الورود والعطور إلى عبوة ماء صالح للشرب وكيس من الطحين، وأحمد وفاتن، كغيرهما من العشاق في قطاع غزة، لم يتوقفا عن الحب، الذي يذكّرهما بأنهما ما زالا على قيد الحياة.

وما بين خيمة لا تحمي من المطر، وأصوات البراميل المتفجرة، وصوت بكاء الأطفال، بقيت قصة الحب بينهما معلقة كضوء ضعيف في عتمة طويلة، لا يعرفان متى تنتهي، وإلى متى ستصمد القلوب في مساحة أصبح فيها للحب معنى مختلف، تؤكده ابتسامتها التي تمنحه لحظة أمان، وكلماتهُ التي تمنحها سببًا كي تتخيل صباحات أجمل رغم الحرب والحصار.

وهنا يثبت الفلسطيني أنه في الحرب يرتفع عنده منسوب الحب أكثر، وعناق العشاق يكون أطول، والنظرات تكون أعمق، في مواجهة الحرب التي اقتلعت شجرة الجميز الضخمة، لكنها لم تقطع ظلها من ذاكرة من جلسوا تحتها.

والحب الفلسطيني هو فعل حياة، وحماية للمستقبل الذي سيكون حتمًا في صالح العشاق، وليس في صالح الطغاة والغزاة، في غد لم يأتِ بعد، لكنه سيأتي تقديرًا واحترامًا لصبر العشاق الطويل