
كتب اسماعيل جمعه الريماوي: لم يعد الصراع في الضفة الغربية يدور فقط حول الأرض والمستوطنات والطرق التي تشقها إسرائيل بين المدن والقرى الفلسطينية، بل يتوسع ليطال أحد أهم مقومات الحياة نفسها: المياه. فالمشهد الذي يتشكل على الأرض يقول إن الصراع لم يعد فقط على من يملك الأرض ومن يبني فوقها، وإنما أيضًا على من يملك القدرة على الوصول إلى مصادر المياه والآبار والينابيع وشبكات الري، ومن يستطيع استخدامها والاستمرار في الاعتماد عليها ، وهنا تكمن خطورة التحول، لأن السيطرة على الماء لا تعني السيطرة على مورد طبيعي فحسب، بل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الإنسان على الزراعة والرعي والسكن والبقاء.
في الأغوار ومناطق واسعة من الضفة الغربية، يمثل النبع أكثر من مصدر للمياه؛ فهو بالنسبة إلى التجمعات الفلسطينية مصدر للشرب وسقي المواشي وري المزروعات، وأحيانًا يكون العامل الذي يحدد قدرة عائلة أو مجتمع كامل على البقاء في أرضه ، وعندما يفقد الفلسطيني إمكانية الوصول إلى مصدر المياه، أو تتعرض شبكة المياه أو خزاناتها أو خطوط الري للتخريب، فإن الضرر لا يتوقف عند المياه نفسها، بل يمتد إلى الزراعة ومصادر الدخل والحياة اليومية، ويجعل البقاء في المكان أكثر صعوبة وكلفة.
وقد وثقت الأمم المتحدة خلال عام 2026 سلسلة من الحوادث التي طالت منشآت المياه والصرف الصحي وشبكات الري ومصادر المياه الفلسطينية في الضفة الغربية، إلى جانب حالات قالت فيها إن مستوطنين سيطروا على مصادر مياه كانت تستخدمها تجمعات فلسطينية ، وفي بعض المناطق أدى ذلك إلى اضطرار السكان إلى شراء المياه ونقلها بالصهاريج، بعدما أصبح الوصول إلى مصادرهم الطبيعية أكثر صعوبة ، وهذه الوقائع تضع قضية المياه في قلب المشهد الاستيطاني، لأنها تكشف أن ما يجري على الأرض لا يتعلق فقط بالبناء والتوسع العمراني، وإنما أيضًا بالسيطرة على الموارد التي تجعل الأرض قابلة للحياة.
وفي الأغوار تحديدًا، تتقاطع قضية المياه مع الأرض والمراعي والاستيطان، فالمجتمعات الفلسطينية التي تعتمد على الزراعة والرعي تحتاج إلى المياه بصورة يومية، وأي تقييد للوصول إليها ينعكس مباشرة على قدرتها الاقتصادية والاجتماعية ، وعندما تصبح المياه بعيدة أو مكلفة أو غير متاحة بصورة منتظمة، يصبح المزارع أمام خيار صعب: إما أن يتحمل تكلفة إضافية للحفاظ على أرضه ومواشيه، أو يقلل نشاطه الزراعي والرعوي، أو يبحث عن مكان آخر يستطيع فيه تأمين احتياجاته الأساسية.
وهنا تظهر خطورة ما يمكن تسميته بإعادة تشكيل الجغرافيا من خلال تفاصيل الحياة اليومية ، فالجغرافيا ليست فقط حدودًا وخطوطًا على الخريطة، وليست فقط المستوطنات والطرق والجدران ، الجغرافيا أيضًا هي قدرة الإنسان على الوصول إلى أرضه ومائه ومزرعته ومرعاه ، وعندما يصبح الوصول إلى الأرض صعبًا، والوصول إلى المياه أصعب، وتتعرض المراعي والطرق للاعتداء أو الإغلاق، فإن الواقع يتغير تدريجيًا حتى من دون إعلان تغيير رسمي للحدود.
ولهذا فإن النظر إلى الاستيطان باعتباره مجرد توسع في عدد المباني والوحدات السكنية لا يكفي لفهم ما يحدث في الضفة الغربية ، فهناك شبكة أوسع من السيطرة على الأرض والطرق والموارد الطبيعية ومصادر المياه، وهي عناصر مترابطة يمكن أن تؤثر في شكل التجمعات الفلسطينية وفي قدرتها على الاستمرار ، وقد أشارت الأمم المتحدة في تقاريرها إلى أن تضرر البنية التحتية للمياه، والقيود على الوصول إلى الموارد، وعنف المستوطنين، كلها عوامل تزيد الضغوط التي تواجه المجتمعات الفلسطينية، ولا سيما التجمعات الرعوية والبدوية.
الماء هنا ليس تفصيلًا هامشيًا في الصراع، بل أحد مفاتيح البقاء ، فالمزارع الذي يفقد مياه الري لا يخسر الماء فقط، وإنما يخسر جزءًا من محصوله ودخله ، والراعي الذي يُمنع من الوصول إلى مصدر المياه لا يخسر موردًا طبيعيًا فقط، وإنما
تصبح تربية المواشي أكثر صعوبة وكلفة ، والعائلة التي تعتمد على صهريج ماء بدل نبع قريب تتحمل عبئًا اقتصاديًا إضافيًا، وقد تجد نفسها أمام واقع معيشي مختلف تمامًا عن ذلك الذي كانت تعرفه قبل فقدان مصدر المياه.
وهكذا يمكن أن تتشكل حلقة متواصلة من الضغوط: تقييد الوصول إلى الأرض، ثم صعوبة الوصول إلى المياه، ثم تراجع الزراعة والرعي، ثم ارتفاع تكاليف الحياة، ثم تراجع القدرة الاقتصادية، وفي بعض الحالات النزوح ، وهذا لا يعني أن كل حالة من حالات فقدان المياه تؤدي بالضرورة إلى النزوح، لكنه يوضح كيف يمكن لمجموعة من العوامل المتراكمة أن تجعل الحياة في بعض المناطق أكثر صعوبة على السكان الفلسطينيين.
واللافت أن هذه المعركة لا تحتاج دائمًا إلى مشاهد ضخمة حتى تكون آثارها عميقة ، قد يبدأ الأمر بنبع صغير، أو بخط مياه، أو بخزان، أو بطريق زراعي، لكن مجموع هذه التفاصيل الصغيرة يمكن أن يصنع تغييرًا كبيرًا في حياة السكان وفي طبيعة المكان ، فالسيطرة على الأرض لا تعني فقط الاستيلاء على مساحات واسعة، وإنما قد تعني أيضًا التحكم في الشروط التي تجعل هذه الأرض صالحة للسكن والزراعة والحياة.
من هنا تبدو قضية المياه واحدة من أكثر الملفات التي تستحق المتابعة في الضفة الغربية، لأنها تكشف جانبًا من الصراع غالبًا ما يبقى خلف صور المستوطنات والطرق والحواجز، فحين يصل الصراع إلى الينابيع والآبار وشبكات الري، فإن الأمر يتجاوز الخلاف على مورد طبيعي ليصبح جزءًا من معركة أوسع حول مستقبل الأرض ومن يستطيع أن يعيش عليها ويستثمر مواردها.
إن السؤال الذي تفرضه هذه الوقائع ليس فقط: كم مستوطنة جديدة أقيمت؟ وكم دونمًا تمت السيطرة عليه؟ بل أيضًا: من يستطيع الوصول إلى الماء؟ ومن يستطيع زراعة أرضه؟ ومن يستطيع سقي مواشيه؟ ومن يستطيع أن يعيش في قريته دون أن تصبح أبسط احتياجات الحياة عبئًا يوميًا؟
في النهاية، لا تتغير الخرائط فقط عندما تُبنى المستوطنات وتُشق الطرق، أحيانًا تتغير الخرائط عندما تتغير قدرة الناس على الوصول إلى مواردهم الأساسية ، وحين تصبح الأرض موجودة على الخريطة لكن مياهها بعيدة عن أصحابها، وحين يصبح المزارع محاصرًا بين أرضه ومصدر المياه، فإن الصراع يكون قد انتقل من السيطرة على المكان إلى التأثير في شروط الحياة نفسها.
ولهذا فإن الاستيطان في الضفة الغربية لا يمكن قراءة آثاره من خلال الإسمنت والمباني وحدها؛ فهناك الأرض، والطرق، والمراعي، والينابيع، والآبار، وشبكات المياه، وكلها أجزاء من صورة واحدة ، صورة تقول إن المعركة على الضفة ليست فقط معركة على مساحة من الجغرافيا، وإنما أيضًا على مقومات الحياة فوق هذه الجغرافيا ، وعندما يصل الاستيطان إلى الماء، فإن السؤال لم يعد فقط: لمن تكون الأرض؟ بل يصبح أيضًا: لمن تكون الحياة عليها؟